ملتقى «الطاقة والمعادن»

حمدوشي حمدوشي

ملتقى «الطاقة والمعادن»

كل يوم تحدث أشياء غريبة.. أنا لا أمزح.. قنوات الأخبار والجرائد التي تبخس العمل السياسي، وتدعم «التقنوقراط»، وتضع «عين ميكة» إزاء الوضع الذي تعرفه البلاد، هي التي لا تقول الحقيقة…

بالمناسبة، قبل أيام أسدل الستار على النسخة الـ15 من ملتقى شبيبة حزب العدالة والتنمية، الذي نظم خلال الفترة ما بين 21 و28 يوليوز 2019 بمدينة القنيطرة، والذي بثت فعالياته على الهواء بتقنية «البث المباشر»، وتناقلت أخباره، الصحيحة منها والكاذبة، العديد من الجرائد والمواقع الإخبارية، على مدى أسبوع كامل.

يمكن القول إن الملتقى الوطني لشبيبة «المصباح» أضحى -بشهادة الخصوم قبل الأصدقاء- مكسبا كبيرا ليس فقط لأبناء حزب العدالة والتنمية، وإنما للشباب المغربي عموما، وفضاء مفتوحا للنقاش ولإثارة مختلف القضايا الوطنية والدولية، ومدرسة في التأطير والنضالية ومراكمة التجربة.

لكن إنجاح ملتقى سنوي يحضره حوالي 3000 مشارك ومشاركة، من مختلف المدن والقرى، ومن داخل الوطن وخارجه، ليس بالأمر الهين. وإلا لكانت جميع التنظيمات الشبابية الموازية للأحزاب، التي لها إمكانيات مادية تفوق حزب «البيجيدي»، قادرة على تنظيم مثل هذه التظاهرات السنوية بسهولة تامة، وهو الأمر الذي لم تنافس به أي منظمة شبابية شبيبة «البيجيدي» على مدى عقد ونصف من الزمن. فما الذي يميز شبيبة «الحزب الأول» عن باقي الشبيبات الحزبية، ليجعلها قادرة على تنظيم مثل هذه الملتقيات؟

إذا أردنا معرفة بعض الأسرار التي تقف وراء نجاح ملتقيات شبيبة العدالة والتنمية، وجب علينا أن نقرأ هذه المشاهد الواقعية من ملتقى القنيطرة الأخير على مهل وبتمعن:

حسن، مياوم، متزوج، وأب لأكثر من طفل، قدم من أقصى الشرق المنسي على نفقته الخاصة، إلى مدينة القنيطرة، وعند دخوله إلى فضاء الملتقى، كغيره من المشاركين والمشاركات، أدى مبلغ 150 درهما من ماله الخاص، واجب المشاركة.

وعلى الرغم من أن حياة الرجل صارت مرتبطة بمدى اشتغال أجهزة تصفية الدم، جراء إصابته بداء الفشل الكلوي، فإنه أصر على الإسهام يوميا في عملية التنظيم والرصد والتتبع، من إيقاظ للمشاركين صباحا، وتوجيههم نحو قاعة المحاضرات والأنشطة، ورصد مدى انضباطهم وتفاعلهم الإيجابي مع برنامج الملتقى، إلى الحرص على خلودهم للنوم باكرا استعدادا لاستقبال يوم آخر.

طاقة رهيبة تلك التي تجعل مريضا يعيش بعملية تصفية الدم، ثلاث مرات في الأسبوع على الأقل، يُخضع نفسه لحمية قاسية، لغرض القيام بعمليتي غسيل كلوي في الأسبوع بدل ثلاث، بسبب صعوبة إيجاد سرير فارغ في مركز تصفية دم بمدينة أخرى غير المدينة التي اعتاد القيام فيها بعمليات تصفية الدم الدورية، بسبب كثرة الحالات والتزام المراكز بمواعيد محددة سلفا ربما منذ شهور.

الدم «الحار» الذي يجري في عروق حسن، مثله يجري في جسد جمال؛ الشاب العليل الذي أصر على حضور ملتقى هذه السنة، على الرغم من حالته الصحية الصعبة، مقاوما مرض السرطان -بعد العديد من العمليات الجراحية- بابتسامة وشارة نصر وانضباط وأمل في غد مشرق ومغرب أفضل.

شابة أخرى، تشتغل في القطاع الخاص، اختارت التنازل عن عطلة عيد الأضحى لحضور الملتقى، ومثلها من الموظفين والمستخدمين كثير. دون نسيان مجموعة النساء اللائي جئن مرفوقات بأطفالهن الصغار، وبكائهم وشغبهم وعناء الاهتمام بهم، مدة سبعة أيام كاملة من فعاليات الملتقى الوطني.

لم تُنجح ملتقى شبيبة «البيجيدي» ربطات العنق، وأضواء الكاميرات بمختلف أحجامها، بل أنجحته طاقات الشباب، ومعادن رجالها ونسائها من طينة حسن وجمال وغيرهما، ممن يعون جيدا أن الاستهداف الإعلامي، والأبطال المزيفين على المواقع والقنوات، والابتزاز، ومعارك الأعصاب، وكل هذه الأشياء، الهدف الأول منها هو أن يفقد الشباب شغفهم بالحياة والنجاح والتغيير. فهناك من لا يريد للشباب أن يصنع شيئا في المستقبل.. هناك من يريدهم أن يكونوا شبابا «قطيعا» يرقصون في المهرجانات، وينامون على أغنية بلا رسالة أو معنى.

باختصار، حسن وجمال والبقية، بنضاليتهم التي تعاند المعاناة، يخاطبون شباب الوطن من على منصة ملتقى شبيبة «البيجيدي» -على الرغم من اختلافهم في التقدير السياسي- قائلين: «إياكم أن تقنعوا أنفسكم بأنه لم تعد هناك فائدة مما تفعلونه وتؤمنون به.. إياكم أن تقتنعوا بأن خلاصكم يكمن في العودة للعيش في الهامش.. إياكم أن تفقدوا تركيزكم، مادمتم تملكون فرصا كثيرة للنهوض من بركة هزائمكم!».