مولاي هشام: أي تحالف بين الملك والشعب يستلزم نهاية المخزن

الأمير مولاي هشام الأمير مولاي هشام

فسحة الصيف

عندما تولى محمد السادس مقاليد الحكم عام 1999، قلت له بالصراحة نفسها، ما كان يجول في خاطري: يجب أن يُسمح أخيرا للمغاربة أن يتحولوا من رعايا إلى مواطنين؛ ويجب أن يصبح النظام أقل سلطوية، وأخيرا يجب إفراغ المخزن من مضمونه، وهذا يعني دمج الثروة الملكية في الثروة الوطنية لكي يعود النهر إلى منبعه. هذه المواضيع كانت ولاتزال تشكل اختبارات حقيقية بالنسبة إلى محمد السادس.

إن أي تحالف جديد بين الملك والشعب، أو أي ميثاق ملكي جديد، ومن باب أولى أي عقد اجتماعي جديد يستلزم نهاية المخزن، والذي هو ليس من قبيل الصدفة أصل كلمة “magasin” الفرنسية. لقد كان رد الفعل المباشر على كلامي هذا أن منعتُ من دخول القصر الملكي، مقر السلطة، كما اختفيتُ من الصورة الرسمية. وبدلا من فتح نقاش في عمق الموضوع زعموا أني أطمح إلى إزاحة الملك عن العرش والاستيلاء عليه. يا لها من خرافة سخيفة.

لقد تآكل هذا الادعاء مع مرور الوقت. ولكن المكائد التي حِيكت ضدي والكمائن التي نُصبت في طريقي توالت الواحدة بعد الأخرى، وهذا الكتاب يكشف عن بعض تفاصيلها. في الأخير قررتُ مع أسرتي الاستقرار في الولايات المتحدة ابتداء من يناير 2002، وقد كان اختيارا موفقا، يذكرني بمقولة ميخائيل غورباتشوف عندما انهارت الإمبراطورية السوفياتية: “إن حجم العالم يساوي حجم رؤيتنا إليه”.

لقد ساعدني الابتعاد الجغرافي على وضع الأمور في نصابها وإدراك حجمها الصحيح، ثم المضي قُدما. بعدما اشتغلت مع الأمم المتحدة في كوسوفو، واصلت مسيرتي الأكاديمية في جامعتين من أفضل الجامعات الأمريكية هما: برينستون وستانفورد، ثم أنشأتُ معهد البحوث في العالم العربي، وفي عام 2010 أنشأتُ مؤسستي لتعزيز الجهد الفكري. في السنة نفسها، انضممت إلى اللجنة الاستشارية لمنطقة الشرق الأدنى وشمال إفريقيا التابعة لمنظمة هيومن رايتس ووتش، وأخيرا حققتُ نوعا من النجاح المهني في الأعمال والمشاريع التي بادرتُ بإطلاقها في ميدان الطاقة المتجددة، أو ما يسمى “الحدود الخضراء”. على أي حال، لا يراودني الأسف ولا أحمل أي ضغينة. إن أرض الله واسعة لمن يحسن النظر في أرجائها وقد وجدت فضاء يسعني وموقعا يلائمني. لقد ساهم عمي في تبلور ملامح شخصيتي وساهم ابن عمي في تقويتها، فلهما مني جزيل الشكر والامتنان!

إن الحقيقة تستحق دائماً أن تُـقال. فمنذ خمسة وعشرين عاماً، في ظل حكم الحسن الثاني ثم محمد السادس من بعده، وأنا أعبر عن وصف حال بلادي بكل صراحة ودون مساحيق. لا أفعل ذلك خلسة ولا أسلك سبيل المؤامرات الغامضة، بل أتحدث بوجه مكشوف على شاشة التلفزيون أو خلال المحاضرات واللقاءات الدولية أو عبر نشر مقالات على صفحات الجرائد. في صيف عام 2001، على قناة TV5، دافعت عن فكرة إصلاح دستوري يقطع روحا ونصا مع منطق “الحق الإلهي”، وأضفت أنه لا يجب الانتظار ولا “منح الوقت للزمن”، بل الشروع دون تأخير في إجراء إصلاحات هيكلية للتخلص من العادات السيئة، والتوجه نحو المستقبل.

بعد أربع سنوات، أعلنت نادية ياسين، ذات التوجه الإسلامي، عن ميلها لنظام جمهوري بالمغرب، فأعربتُ عن موقفي في مقال نشرته صحيفة “الجريدة الأخرى” المغربية، حيثُ انطلقت من مبدأ أن الإسلام لا يفضل نوعا معينا من أنظمة الحكم، لأن الدين يهتم أولا وقبل كل شيء بالمضمون وليس بالشكل. بعد ذلك قامت القيامة وصرخ الصارخون مستنكرين عليّ أن أتجرأ على دفن الثيوقراطية في القرن الحادي والعشرين! بل إن ما زاد في إزعاجهم أني تحدثتُ بنفس المناسبة عن ضرورة إدماج الإسلاميين في المنظومة السياسية، معتبرا أن العقد الاجتماعي المقبل يجب أن ينبثق من رحم حراك شعبي واسع. اليوم، تحققت هذه الأمنية إلى حد كبير (أو تحقق شطرها، كما هو الحال في كثير من الأحيان بالمغرب)، ولم يعد أحد ينكر هذه الحقيقة أو يستنكرها. نعم، اليوم أصبح للقصر نصيبه من الإسلاميين… ولكن عندما تكلمتُ في عام 2005 عن ضرورة إدماج الإسلاميين، وهو ما يعني تجاوز جدران المخزن لإقامة تحالف جديد مع الشعب حيثما وُجد هذا الشعب، كثر الصخب وقيل آنذاك يا للعار ويا للفضيحة! إن “الأمير الأحمر” أصبح “أميرا أخضر”. ثم تجندت للأمر صحافة السلطة فوجهت إليّ تهمة مداهنة الإسلاميين، زاعمة أني أسعى بكل السبل إلى حشد الحلفاء والأنصار لكي أستولي على عرش ابن عمي… إنه المنطق الغبي نفسه الذي يعيد إنتاج نفسه، بينما الواقع أني بكل بساطة عبرتُ فقط، عن موقف بشأن قضية رئيسة تتعلق بمستقبل بلدي.