الإدريسي: «العداوة ثابتة والصواب لازم إكون»

علي الإدريسي علي الإدريسي

فسحة الصيف

هل تحقق وعد السفير لك بطرح موضوع التحاقك بالجامعة المغربية؟

غادرت إقامة السفير، وأنا غير مستوعب تماما لما اقترحه علي، أو ما وعدني به بشأن الالتحاق أستاذا بالجامعة المغربية. لأن صورة تعامل الكاتب العام لقطاع التعليم العالي في وزارة التربية المغربية، أو عمداء كليات الآداب الذين راجعتهم في موضوع العمل أستاذا في كلياتهم، لم تكن تفارقني. والحقيقة أن ثقافة الإدارة المغربية تلخصها عبارة «هل ابّاك صاحبي»، أو أخلاق «من أنت، أو من يساندك؟». كانت هاتان العبارتان جزءا أساسيا في معجم سوق التوظيف في المغرب. وبعد مرور حوالي أسبوع على جلستي مع السفير، وكان وزير التعليم قد حل بالجزائر بالفعل، توصلت بمكالمة تلفونية من السفير يعلمني فيها بإمكان توجهي في أقرب وقت إلى ديوان وزير التربية الوطنية بالرباط لإتمام إجراءات تعييني أستاذا مساعدا في كلية آداب مراكش.

التحقت بالوزارة في الرباط فعلا، واستقبلت بترحاب كبير، وأنجزتُ في لحظات ما كان مستحيلا، أو شبه مستحيل قبل ذلك. وأفادني رئيس ديوان الوزير ومدير الموارد البشرية بأنه ليس من الضروري أن أتوجه إلى كلية آداب مراكش، حيث تقرر أن يكون منصبي المالي، لإتمام إجراءات التنصيب، لأن كل شيء يمكن أن ينجز داخل المصالح المركزية هنا في الرباط، على نقيض كامل مما كان يواجهني به الكاتب العام المذكور آنفا بأن الكليات وحدها المخولة لتوظيف الأساتذة. وكان تعليقي الوحيد الذي قلته في نفسي: «سبحان مبدل الأحوال»! ولم يكن منطوق المثل المغربي «أللي ما عندوشْ سيدو، عندو لالاه» يحضرني بالمناسبة.

ومن هي «لالاك» التي عثرت عليها بعد كل هذا التعب؟

لقد شعرت بصدقية ما قلته للسفير عبد القادر بنسليمان من أنني وجدت في المغرب مملكات وملوكا كثيرين. كما أنني لم أكن أدرك قبل ذلك المعنى البعيد للمثل القائل: «العبد في التفكير والرب في التدبير». ولم يخطر ببالي أن يوجد من بين المسؤولين في المغرب من يقدّر عمل الإنسان المغربي ويقيمه تقييما إيجابيا. لكن السفير عبد القادر بنسليمان أبطل اعتقادي بأن المحسوبية أو القرب من المسؤولين النافذين، هما فقط اللذان يخولان المغربي الحصول على بعض حقوقه وتحقيق جزء من طموحاته. وكان السائد بين المغاربة أن الولاء في المغرب أو دفع «إكرامية» رشوة أو رشاوى لوسيط الوظائف العمومية هو المعيار في حالات كثيرة، بدل مقياس الكفاءة والاستحقاق الذي يعبر عنه نظريا بعبارة: «الإنسان المناسب في المكان المناسب». وإذا حدث العكس، سيكون ذلك من الاستثناءات النادرة، أو ضربة حظ. وإن كان الكاتب الأمريكي الروائي وليم فولكنر William Faulkner يمنح الحظ نسبة لا تتجاوز 1% في تحقيق طموح إنسان ما، أو نجاح مشروعه.

كان هذا، إذن، مدخلا إلى عملك الدبلوماسي، فكيف كانت ردود أفعال ما حولك؟

نُصِّبت في عملي بصفتي مستشارا ثقافيا في بداية شهر أكتوبر 1990، وأثناء التنصيب لمّح السفير، في كلمة تقديمه إياي، إلى تحفظ بعض الدبلوماسيين على التحاقي مستشارا بالسفارة، لكنه علل ذلك بأن المنتسبين وظيفيا إلى الخارجية لا ينظرون بترحاب كبير إلى المستقدمين للعمل معهم من خارج وزارتهم. أما أنا، فكان تعليقي مفاده أن ركاب أي باخرة، أو سفينة، ليسوا كلهم من طينة واحدة؛ لكنهم مطالبون جميعا بالحفاظ على سلامتها، لكي توصلهم جميعا إلى شاطئ السلامة، وباخرتنا نحن هي وطننا.

وصلتني أصداء تفيد بأن الذي استنكر وجودي في السفارة أكثر من غيره هو القنصل العام في الجزائر العاصمة، ولم أستغرب الأمر، لأني كنت أشك في أنه هو من كان يكتب تقارير ضدي إلى المصالح المركزية بالمغرب، بل إنه كان يستنكر كيف أصبح مستشارا في سفارة المغرب وأنا متهم بالعمل ضد مصالح المغرب، على حد زعمه.

أما بعض المغاربة المقيمين بالجزائر، فكانوا يؤكدون من جانبهم، ولأسباب مختلفة، تهمة «العمالة للمخزن» التي كانت مروجة ضدي، منذ أن غادرت العمل الحزبي، بل كانت رائجة ضد كل من يختلف معهم. وكان بعضهم يعمد إلى ربط ظنونه بوجود علاقة لي مع المستشار الأمني للسفارة.

والحقيقة أن الجانب الجزائري لم تصلني منه ردود فعل سلبية، بدليل أن بعض زملائي في معهد الفلسفة اقترحوا علي الاستمرار في العمل بمعهد الفلسفة أستاذا زائرا، من أجل تعميق التواصل مع المفكرين المغاربة. وكان جوابي، بعدما شكرت لهم اقتراحهم الخالي من نوازع «الوطنية الضيقة»: كيف سيكون وضعكم ووضعي عندما تكتب صحافة «الوطنية الضيقة» ماذا تفعل السفارة المغربية بمعهد الفلسفة، وأنتم أدرى بإيحاءات هذا الصنف من الأسئلة وحمولاتها؟

هل اندمجت بسرعة ودون عوائق في عملك الاستشاري في السفارة؟

بدأت أتعلم اللغة الدبلوماسية، سواء في تحرير ما يسمى في العرف الدبلوماسي «المذكرات الشفوية»، أو استعمال العبارات التي تعطي مساحة أوسع للاجتهاد في تأويل لغة المذكرات الشفوية والتعامل مع نصوصها. فمثلا: بدلا من لغة «لن يصل الوفد الذي كان منتظرا في التاريخ المقرر»، يفضل التعبير عن الفكرة نفسها بعبارة «يتعذر عليه الحضور في الموعد». وفي المجال الدبلوماسي، يطبق المثل المغربي «العداوة ثابتة والصواب لازم إكون» تطبيقا ذكيا.

لكن أهم شيء بدأت أكتشفه هو الفارق القاري والتكويني بين مستوى دبلوماسيينا العرب والأفارقة وبين مستوى الدبلوماسيين الأوروبيين والأمريكيين. كان الدبلوماسي الأمريكي بارعا في طرح الأسئلة على زملائه العرب، مثلا، لكنه لا يجيب عن أي سؤال يطرح عليه، بدعوى أنه خارج تخصصه، دون أن يعرّف سائله بطبيعة تخصصه. وكان الدبلوماسيون الأوروبيون، خاصة الفرنسيين، يحاولون أن يشعروا زملاءهم العرب والأفارقة بالأستاذية، أو الباترونا الدبلوماسية. ويتميز البريطانيون بأسلوب أقرب إلى أسلوب النساء في مرونة جمع المعلومات التي هم بحاجة إليها.

وبماذا أوحت إليك تجربتك الدبلوماسية بشأن من يرأس البعثات الدبلوماسية، أي السفراء؟

لا أدري كيف يجري اختيار رؤساء البعثات الدبلوماسية، أو السفراء، لا في المغرب ولا في غير المغرب، باستثناء أمريكا. لكن علاقتي بمختلف أصناف الدبلوماسيين، والتي دامت عشر سنوات في كل من الجزائر وتونس، أمدتني بإطلالات ساعدتني في تسجيل ملاحظات عن أشخاص عملوا سفراء لبلدانهم العربية، بينهم سفراء المغرب، فخرجت بالانطباعات التالية:

+ هناك سفراء سياسيون لهم علاقة مباشرة برؤساء دولهم، تكون لهم «الشجاعة» والقدرة على السير بالعمل الدبلوماسي قصد بناء العلاقات بين بلدانهم وبلد الإقامة بكثير من النجاح والتفوق، وإصلاح ما فسد منها، شرط أن يكونوا مؤهلين لطرق الباب الكبير في دولهم. وكان السفير عبد القادر بنسليمان من هذا الطراز من السفراء، حسب اعتقادي.

+ سفراء وطنيون ينتمون إلى الوطنية الضيقة، أو إلى الإطار الحزبي غير المنفتح حتى وطنيا، لأن الحزب لديهم هو الوطن، أو أنهم سفراء معتدّون بفئاتهم أو طوائفهم، وينحصر همهم في خدمة الوطن بمفهوم أحزابهم أو طوائفهم الاجتماعية. وهذا الصنف من السفراء يتميز بالغلظة في التعامل مع غير أبناء الحزب أو الطائفة، وبأخلاق التسلط على مرؤوسيهم، وكثيرا ما يتسببون في تعميق الخلافات بين دولهم ودولة الإقامة، بدل العمل على إصلاحها.

+ سفراء موظفون، همهم الوحيد أن يخططوا كيف يحافظون على وظيفتهم وامتيازاتها. لا مبادرة لهم، ولا يتحركون إلا بإذن من وزارة خارجية بلدهم. وهم أقرب إلى وسيط لنقل المراسلات المتبادلة بين وزارة خارجية بلدهم ووزارة خارجية بلد الإقامة. وجل عملهم لا يتجاوز كتابة تقارير اعتيادية، ويعتمد تحركهم على مراسلات رسمية. والنتيجة أن عمل هؤلاء السفراء تحكمه المظاهر ويفتقر إلى الفاعلية