مولاي هشام: والدي كان يستخدم جاسوسا لتسريب الأخبار إلى الحسن الثاني

مولاي هشام مولاي هشام

فسحة الصيف

فتح الأمير هشام بن عبد الله العلوي، أو هشام العلوي كما يرغب أن يوصف دون أي طقوس دلالية، كوة كبيرة في جدار القصر بالمغرب، وهو يكتب مذكراته. «الأمير المبعد» ليس انتقاما كما ظل يشدد، من إبعاد منهجي حصل منذ عشرين عاما، ولكنه لمحة إلى ما وراء أسوار القصر. رواية من وجهة نظر أمير ليست مثل أي رواية أخرى. فهي شهادة، كما هي حكم، وكما هي بيان شخصي، فهي أيضا درس تاريخي.

 

بعد وفاة محمد الخامس، حاول العديد من الأشخاص أن يستنكروا على الحسن الثاني قدرته على أن يخلُف والده بجدارة، ومنهم من سعى إلى التشهير به، باعتباره الابن غير الشرعي لوالده، وهناك من حاول الإطاحة به. كانت نتيجة هذا التحامل على رجل يرغب في إثبات ذاته وترسيخ شرعيته، بالإضافة إلى حاجته إلى العطف والحنان، أنهم حشروه في زاوية، وهنا يكمن الخطأ، فأتى رد فعله قاسيا وسريعا، وهو أمر له ما يبرره. لقد تعرض لمحاولة الاغتيال مرتين، الأولى عندما حصل الهجوم العسكري على قصر الصخيرات، بينما الملك يحتفل بعيد ميلاده، والمرة الثانية، عندما تم قصف طائرة “البوينغ” الملكية أثناء عودته من رحلة إلى أوروبا. لقد كان بعض الوطنيين متورطين في محاولتي الانقلاب الأولى عام 1971، ثم الثانية عام 1972، فكان الرد هو “سنوات الرصاص” المعروفة.

أحزاب «الكوكوت»

إن التذكير بهذا التسلسل لا يبرِّئ أبدا الحسن الثاني من مسؤوليته عن القمع الرهيب، الذي دام زهاء عشرين عاما. وهكذا، فإن الملك لم يقبل فكرة “التناوب” التي تعني مشاركة الأحزاب المنحدرة من الحركة الوطنية في الحكومة إلا بعد استنفاد جميع البدائل: حالة الاستثناء طبعا، وصناعة أحزاب “الكوكوت ــ مينوت” cocotte-minute، التي لعبت دور صمام “الضغط” التي تسمح بالتنفيس لتفادي الانفجار، وحكومات التكنوقراط التي كانت توهم الناس أنها تعمل بمنأى عن التسويات والصفقات السياسية، والتلاعب بالانتخابات. وأخيرا، اللعب على وتر الانتماء العرقي ضمن لعبة “فرق تسد” التي تجيدها الملكية وتتفنن في توظيفها بامتياز… وعندما رجع الحسن الثاني في خريف عمره ليطلب ود الحركة الوطنية في عام 1998، كانت منهكة القوى شاحبة الوجه وكأنها في شبه غيبوبة. لذلك، من المفيد أن تتضح المفاهيم: إن الحديث اليوم، عن الحركة الوطنية يكاد يكون بلا معنى، وأقصى ما يمكن إدراجه ضمن هذا المصطلح هو نوع من استشعار معاني الأمة وقيم المواطنة وسلوكياتها، ثم التضحية من أجل المجتمع، مع احتمال أن يبدو المفهوم متجاوزا بالنسبة إلى الأجيال الشابة.

في أوائل عام 1961، جاءت والدتي إلى المغرب لعقد القران مع والدي. في البداية، وبما أن جدي لأمي كان متوفى، فقد طلب محمد الخامس موافقة جدتي لأمي. لقد فعل ذلك مباشرة في أول الأمر، ثم حرص على احترام التقاليد فأرسل إليها وفدا من شخصيات وازنة من المخزن، منها عمته للا أمينة وبنت عمه للا فاطمة الزهراء، كما تضمن الوفد بعض الأعيان البارزين مثل الفاطمي بنسليمان وشيخ الإسلام مولاي العربي العلوي. في يوم 26 فبراير 1961 توفي محمد الخامس على إثر العملية الجراحية البسيطة التي سبق ذكرها. ورغم غياب أي قواعد محددة في هذه الحالات، تقرر أن تتم مراسيم الزفاف بعد مرور أكثر من ستة أشهر من الحداد، أي في نونبر 1961. في الحقيقة لم يكن هذا التأخير مزعجا لأبي لأنه منحه فرصة لتمديد حياة العزوبة ولو قليلا. أما وفاة الملك فلم تكن سببا في إعادة النظر في مبدأ اقتران أمير مغربي بزوجة أجنبية، وعلى كل حال، فالأمر لم يكن استثنائيا، لأن العلويين اعتادوا على اختيار زيجات من خارج الدوائر المعروفة والمناطق المألوفة. لقد ساهم أجدادنا في تكوين رصيد جيني متنوع… منهم من تزوج من عمق إفريقيا، ومنهم من تزوج من تركيا سواء أكانت المرأة من الحرائر أو من الإماء، وسوف أعود لاحقا للحديث عن وضع الرقيق في البلاط الملكي. كما اقترن بعض الأجداد بنساء من إيرلندا وإنجلترا، ممن اختطفهن القراصنة وقدموهن كهدايا للملك، ولم يفسح لهن التاريخ الرسمي مجالا كافيا، نظرا إلى الرغبة في الحفاظ على صورة الأصالة الثقافية إن لم نقل “النقاء العرقي”. أتذكر هنا حوارا صحافيا للحسن الثاني مع مجلة “وجهة نظر” الفرنسية صرح فيه، دون أن يذكر اسم والدي، أنه من الخطأ أن يتزوج الرجل من خارج دائرته القريبة. في المقابل، لما ازدادت حفيدته المفضلة للا سُكينة بنت ابنته للا مريم من زوجها فؤاد الفيلالي، ابتهج الملك وهو يرى لون عينيها الأزرق قائلا بلا أدنى خجل “لقد انتقل إليها الأزرق من لون عيون جدة جدها التركية، وهو يقصد والدة محمد الخامس، متناسيا أن والدة فؤاد الفيلالي، السيدة آن الفيلالي، إيطالية ولون عينيها أزرق… على أي حال، إذا تعلق الأمر باغتصاب الميراث الجيني، فإن الحسن الثاني كان لا يخجل من رصيد أسرته المتنوع.

سهرات والدي

عندما عقد والداي قرانهما، استقرا في الرباط في منزل من منازل محمد الخامس، كان قد بناه في الأصل لإيواء بناته، ولكنه في الأخير فضل أن يمنح كل واحدة بيتا وأبقى على هذا المنزل الكبير لمولاي عبدالله، وهو يقع على مسافة مائة متر من قصره في حي أكدال، مما كان يسمح له بتناول العشاء كل ليلة مع والدي، على عكس مولاي الحسن الذي كان يقطن بعيدا. في السنوات الأولى كانت هذه الحياة الجديدة صعبة جدا على أمي، لأن زوجها لم يكن قريبا منها تتقاسم معه عيشها، وهو أمر لم تستطع تقبُّله بسهولة. لقد تزوجت أميرا له عاداته ونمط حياته والتزاماته. لقد كان هو الرئيس الرسمي لمجلس الوصاية، ومن ثم، فإنه مرشح لممارسة الحكم في حالة وفاة الحسن الثاني قبل بلوغ ابنه سن الرشد. لم تكن لوالدي أي أنشطة سياسية أخرى، لكنه كان يستقبل كثيرا من الناس بما في ذلك أعضاء من المعارضة. كان منزلنا فضاء عاما، حيث إن مأدبة غداء أو عشاء يحضرها زهاء ثلاثين من الضيوف كان أمرا مألوفا جدا عندنا.

في هذا الوضع كان من الصعب جدا على والدتي أن تظفر بلحظات عائلية وحميمية مع زوجها وأطفالها. أما السهرات واللقاءات الموسعة، فكانت تضم ما يربو على الثلاثمائة شخص، من مثقفين ومعارضين وفنانين ورجال الأعمال وعسكريين … وكان جل هؤلاء الضيوف يسعون إلى تحقيق مآربهم ورفع ملتمساتهم، كالحصول على امتياز أو معاملة تفضيلية أو منحة سياسية. لقد كانت عجلة السؤال لا تنتهي ومعها عجلة إغداق النعم والمنح لا تنتهي أيضا. كان منزلنا نسخة طبق الأصل مصغرة من القصر، تسود فيه العادات عينها ولا يخلو من دسائس، رغم وجود نسبة أكبر من الدفء الإنساني. لم يفكر مولاي عبدالله أبدا ولا كان يتصور أن يُحدِث قطيعة مع القصر. كانت للحسن الثاني وسائله الخاصة لمعرفة أخبارنا وللتدخل عن بعد إن اقتضت الحاجة. كان أبي يتحرك مرافَقا باستمرار من طرف فرقة من رجال الدرك وضباط الشرطة المسؤولين عن سلامته، مما يصعب معه خلق جو طبيعي وحميمي بين أفراد الأسرة.

الحريم

بالإضافة إلى ذلك، كانت تقطن معنا نساء تركيات من الجواري التي كان الإمبراطور العثماني قد أهداها إلى عم جدي السلطان مولاي عبدالعزيز. لقد أتين إلى المغرب في عز الصبا ودخلن إلى عالم الحريم ولم يغادرنه أبدا، فكن يقضين برفقتنا خريف العمر، وكنا نشعر أنهن جزء من الأسرة. كان”حريم التقاعد” هذا يشغل أحد أجنحة المنزل. بطبيعة الحال، لم يعد حريما بالمعنى الجسدي المعروف، ولكن والدي يحرص على ضمان الراحة والطمأنينة للجواري التركيات وغيرهن من النساء اللواتي كانت لهن علاقة ما مع محمد الخامس أو أسلافه. لقد عاشرن السلاطين عن قرب، ولذلك، فالمروءة تقتضي أن تُصان كرامتهن.

كان هذا الحريم يتوفر على مطبخه الخاص، ولا يغادره النساء إلا للذهاب إلى القصر فقط، لزيارة نساء مسنات أخريات يتقاسمن معهن نفس الذكريات والحكايات القديمة. في الوقت عينه، لا يزورهن إلا أفراد عائلتهن القريبة. لقد كانت رعاية هؤلاء النسوة بالنسبة إلينا إرادة عائلية لضمان أن “لا نفقد أحدا”، والبقاء بعضنا مع بعض يعني أننا يمكن أن نتبادل يد المساعدة عند الحاجة ونجدد دماءنا، في إطار ميزان القوى مع العالم الخارجي وراء جدران القصر. إن الحفاظ على هذه الكتلة الحرجة من “ساكني القصر” يعطي الانطباع بالقدرة على التأثير في الخارج. بعبارة أخرى، كان أهل القصر يتوجسون كثيرا من الاختلاط بعامة الناس أو العيش مثلهم.

لازلت أتذكر جيدا امرأتين استثنائيتين ضمن الحريم: نجيبة وهاجر. لقد كنت في طفولتي متعلقا عاطفيا بهذه الأخيرة لدرجة أني منحت اسمها إلى إحدى بناتي. كنت في صغري أزور جناح الحريم وأحب مشاهدة صورهن القديمة مع الملك أو السلطان العثماني. لقد كن يتحدثن اللغة التركية والعربية المغربية أي الدارجة، ويعزفن ببراعة على البيانو، وكان أبي يحب أن يرافق هاجر حيث هو يغني وهي تعزف الموسيقى. بالنسبة إلي كانت هاجر تجسد سرا غامضا دفينا. لقد كانت هي الجارية المفضلة لدى السلطان مولاي عبدالعزيز، رغم أنه لم يباشرها إلا مرة واحدة في حياتها! كان القصر كله يعرف أن شيئا ما قد حدث في تلك الليلة، وحصل هرج ومرج حتى نودي على الحرس، ولكن لا أحد يعلم بالضبط ما الذي حصل… كانت أمي بين الحين والآخر تدغدغ هاجر عساها تنفذ إلى سرها، ولكن والدي كان يعترض: “دعوا عنكم عمي وشأنه، رجاء لا تخوضوا في حياة العلويين الخاصة”. أما هاجر فلم تبح أبدا بسرها.

على العكس من هاجر، لم يكن أحمد، وهو أحد الخدم في المنزل، كتوما، بل كان يحب التنصت وراء الأبواب، فكان يتجسس على أبي، خاصة إذا كان في حديث مع صديق أو مع رئيس دولة أجنبية… ذات يوم، فتح والدي الباب فجأة، فسقط أحمد على قفاه في وسط الغرفة، كما يحدث في الأفلام الكوميدية. غضبت أمي غضبا شديدا وطالبت بطرده فورا، ولكن والدي كان يستخدم الجاسوس لتسريب ما يريد من أخبار. وهكذا عندما كان يريد أن يبلغ الحسن الثاني بأمر ما، يكفيه أن يتكلم بصوت مرتفع فيكون على يقين من أن الخادم أحمد سيسرع برفع تقرير إلى القصر في اليوم نفسه. في الاتجاه المعاكس، كان بعض الخدم لدى الحسن الثاني يُزوِّدون والدي بالمعلومات 
عن الجانب المقابل. لقد كان كل طرف يريد أن يعرف ما يحدث في الطرف الآخر، فنشأ هذا النظام من التجسس والتجسس المضاد، ناهيك عن لعبة تسريب المعلومات الزائفة للتضليل