مولاي هشام: الحسن الثاني ربَّانا بتقشف ولم يكن يتردد في معاقبتنا بنفسه مستعملا العصا

الملك محمد السادس والأمير مولاي هشام الملك محمد السادس والأمير مولاي هشام

فسحة الصيف

كانت علاقتي مع سيدي محمد كلها انسجام وتفاهم، ولم نكن نستوعب الصراعات والرهانات الكبرى المحيطة بنا. لمنكن نلتفت إليها كثيرا ولا يسعنا في أبعد تقدير إلا أن نسخر منها. كنا نكبر ونترعرع سويا، يجمعنا التضامن وتغمرناالمحبة، وكان الحسن الثاني يربينا بالطريقة نفسها ودون تمييز بين أولاده وأولاد أخيه. كانت العائلة صغيرة الحجمنسبيا، ومولاي عبدالله والحسن الثاني ليسا جذوعا منفصلة، بل فقط أوراق من الغصن نفسه، بالإضافة إلى كونهماواجها الأزمات نفسها والامتحانات العسيرة نفسها برفقة والدهما: المنفى، الخوف من المستقبل، المقام الطويل فيمدغشقر قبل العودة إلى الوطنوربما، هذا هو السبب الذي جعل بيتنا نحن لصيقا بالقصر الملكي كأنه فرع منه. كان والدي، وعلى الرغم من تعقُّد علاقته مع أخيه الأكبر، يعيش ويفكر من داخل منظومة المخزن، فكان يعيد إنتاجنظام الولاء في بيته ومن حوله.

مزاج الملك

في أوائل سبعينيات القرن الماضي، كنت ألتقي عمي بسهولة أكبر من لقاء والدي. كنت أحب عمي الحسن الثاني،فهو رجل ذو حيوية وذكاء وطاقة هائلة، وله بديهة حاضرة ورد فعل سريع، وكان مهتما دائما بما يحدث حوله. أصدقاؤهالحقيقيون قلائل ويبادلهم الإخلاص. بطبيعة الحال كان يمكنه أن يحدق فيمن معه بطريقة رهيبة أو يصب عليه جامغضبه. كان الذين يعرفونه جيدا يستطيعون رصد العلامات المبكرة التي تندر بعواصفه المزاجية: كانت تجاعيد جبينهتتشكل، ثم يكاد يغمض عينيه كأنه لم يعد يتعرف على ذلكالمذنبأمامه، في اللحظة نفسها كان يضع بشكلميكانيكي أصبعه على أثر الجرح المجود فوق أنفه، مما يعني أن الغيظ على أشُدِّه. ورغم كل هذا، فغضبات الملككانت كالانفجارات الذرية المتحكم فيها، ولا يفقد أبدا أعصابه أمام الملأ. كان في كثير من الأحيان يعطي الانطباع أنهرجل بلا قلب، أو أن وجود القلب والمشاعر ترفٌ لا يستطيع الحصول عليه بفعل موقعه على رأس السلطة. ولكن ذكاءهفي بعض الأحيان كان يقوم مقام القلب، فيقوم بمبادرات وإيماءات نبيلة جدا، ولكنها خاضعة للحساب، يمليها العقلولا تتدخل فيها العاطفة أو الانفعال.

ومع ذلك، فإن الحسن الثاني بالنسبة إلى أقربائه رجل إنساني جدا. على سبيل المثال، لقد كان ذوَّاقا ولديه أفكارراسخة في ميدان الطبخ، وكان حتى في هذا المجال يحلو له أن يلعب دورالرئيس، وهذا ليس بالمستغرب. كان يؤلفبنفسه قوائم المأكولات، ويدخل فيها بعض ابتكاراته، ويقوم بتعديل الوصفات التقليدية، وبعضها يعود لمئات السنين. كان يحب، أيضا، الموسيقى الشعبية وأغاني أم كلثوم والحاجّة حليمة، ولا يروقه الاستماع إلى سمفونية من أعمالباخ Bach”. أما عن الكتب، فهو لم يكن يحب قراءة الروايات ويفضل الكتب الفكرية. كما كان يحتفظ ببعضالأشياء مثل قفازات الغولف الممزقة التي استعملها أكثر من عشرين عاما، أو سُبحته القديمة المفضلة. كان يواظبعلى صلاته مستعملا سجادة قديمة جدا لا يبغي بها بدلا. على صعيد آخر، كان الحسن الثاني مرتبطا بفرسه الرائعالأزرق، الذي كان هدية من والدي، فكان يركبه كل سنة بمناسبة عيد العرش، وهو فرس من منطقة إفران تم إحضارهإلى والدي فأعجبه كثيرا فقرر ألا يركبه ويقدمه هدية لشقيقه. لم يستعمله الحسن الثاني للمتعة، بل كرمز من رموزسلطته: كان يركبه في أهم مراسيم السنة وهي حفل الولاء غداة عيد العرش، عندما يخرج من القصر مرتديا جلبابأمير المؤمنين الأبيض وتعلوه مظلة ضخمة.

أنا وولي العهد

رغم خشيتنا من الحسن الثاني، كنا سيدي محمد وأنا، لا نتردد في الاقتراب منه، ذلك أن الملك كان يعطينا الانطباعبأنه قادر على حمايتنا من كل مكروه. لقد كان يحب الأطفال الصغار ويحتل حيزا كبيرا في حياتنا، كما كان يهتمشخصيا بسلامتنا وبصحتنا. عندما كنت صغيرا كانت أقدامي مسطَّحة، ولذلك فعلى رأس كل ستة أشهر، كانالحسن الثاني يقيس مدى التقدم الذي حصلتُ عليه في هذا المجال. كان يعتني بالتفاصيل، فيفحص بنفسه قوسقدمي، ثم يصدر قراره كما لو كان يفقه في علاج الأقدام: “حافظ على استعمال النعال ستة أشهر إضافية، فكنتأشعر بالاطمئنان وبالحماية. كان الحسن الثاني يتابع، أيضا، عن قرب نتائجي المدرسية لأنه يولي اهتماما بالغاللتعليم. لم تكن غرفتي ممتلئة بالدمى، فالملك يربينا بنوع من التقشف، وعندما يرى ضرورة معاقبتنا بنفسه، لا يترددفي استعمال العصا.

كنا نحن الاثنين ملزمين بساعتين من الرياضة يوميا، عملا بقولة مشهورة لمعاوية بن أبي سفيان، أول خليفة أموي،الذي قال لمعلم أبنائه: “علمهم السباحة لأنهم لن يجدوا صعوبة في العثور على من يكتب لهم.” كان الحسن الثانييطبق هذه النصيحة بحذافيرها، فعندما كان يريد أن أنقص وزني، يلزمني بالسباحة ساعة كاملة مرتين في الأسبوع،ويراقبني بنفسه، وهو يقرأ صحيفة بجانب حوض السباحة! كنا نمارس كرة القدم والجري، ونمشي لمسافات طويلةمن خمسة عشر إلى عشرين كيلومترا ونحن في سن ثماني سنوات. تدربتُ، أيضا، على فنون الدفاع عن النفسوالمسايفة. أما أكبر متعتنا فكانت هي الصيد. أنا كنت أحب صيد الحجل وسيدي محمد يفضل الطرائد الكبيرة.

كلانا (أنا وسيدي محمد) كنا نحب ركوب الخيل، في البداية مع مدرب فرنسي، هو القائد بوكرو Bouguereau،القادم من مدرسة سومورSaumur، وفي وقت لاحق مع العقيد الشراط من الحرس الملكي. وهو ريفي قح، مستقيمالسلوك، أنيق ومنضبط. كانت التمارين معه على نوعين، مرة في مقر الحرس الملكي، فنلبس السترة وربطة العنق،حيث تكون الصرامة في الانضباط سيدة الموقف، وأحيانا نقومبجولاتخارجية وخاصة، في مضمار السباق بحيالسويسي. عندما كنا نبتعد عنلجنة الترحيب، وهو لقب كنا نطلقه مازحين على الضباط الذين يرافقوننا، كانالعقيد الشراط يترجل وينادينا: “هيا يا أولاد، اِلْعَبوا وامْرَحوا.” وبينما كان يدخن سيجارته، كنا نطلق العنانلفرسَيْنا، أنا لراستينياك، وهو فرس خصي، وسيدي محمد لرمسيس، وهو خصي كستنائي. كنا نعود وقد بلغ بناالعياء مبلغه، ولكن تحُفُّنا سعادة غامرة.

في وقت لاحق، ابتداء من عام 1976، عندما بلغ عمري 12 عاما، أصبحت أساهم كل صيف في تدريبات الفريقالفرنسي للفروسية، فأسكن في مدينة فونتين بلو Fontainebleau، وأتابع التدريب في مكان قريب يدعى بوا لورواBois-le-Roi. كان المشرف على تدريبنا هو مارسيل روزييه MarcelRozier، مدرب الفريق الفرنسي، وهو بطلأولمبي لمرتين، وبطل فرنسا لعدة مرات. كانت هذه الرحلات التدريبية عبارة عن لحظات رائعة أتنفس فيها بحرية وألتقيبمتدربين أتوا من كل بقاع الدنيا. كل صباح كنا نمارس رياضات جماعية ونجري قبل أن نركب خيولنا، أما فيالمساء، فكنا نخرج لتناول العشاء أو إلى السينما في ضواحي باريس.

في المغرب كنا نكبر وسط عالم يشوهه التملق والتزييف، ولكن لم نكن أبدا نعيش كأطفال مدللين. كان الحسن الثانييردد على مسامعنا أن السلطة، حتى لو ورثت، فإن صاحبها عليه أن يستحقها ويبرهن باستمرار على أنه أهل لها،وأن الملكية ليست محصنة ضد تقلبات الزمن، ومن ثم، فإن فترات الهدوء لا يجب أن تبرر التخلي عن اليقظة. وبالتالي،فإن المرء عليه أن يكون سيد نفسه ومتحكما في مشاعره، فلا يبكي أبدا ولو بعد وفاة شخص قريب، ولا يظهر ضعفا أوارتباكا. كان الحسن الثاني ملتزما بقناعاته، فلم يكن حنونا علينا، بل مهتما بأحوالنا، وهذا في حد ذاته كسب هائلبالنسبة إلينا.

والدي الغائب

أما والدي فقد كان شبه غائب، ومن الصعب جدا أن تربط معه علاقة دائمة، على الرغم من خصاله الإنسانية التي لايمكن إنكارها، ولذلك، فإن أقصى ما استطاعت والدتي انتزاعه منه هو لحظة يومية حميمية يخصصها لي ولأختيقبل أن نخلد إلى النوم، وبعد ذلك يتناول عشاءه. كنا نجتمع نحن الأربعة، ولكن الحسن الثاني كان غالبا ما يناديبالهاتف في هذا الوقت بالضبط، وكأنه يتعمد إزعاج هذا الموعد العائلي اليومي. كان لا يريد أن يترك لشقيقه الفرصةللاستمتاع بلحظات من السعادة وسط خليته العائلية. من جهتي، كان والدي يخصص لي كل يوم عشر دقائقإضافية أقضيها معه لدى عودتي من المدرسة. كما كنا نسافر جميعا عشرة أيام في السنة لقضاء العطلة العائلية فيمدريد أو باريس، ولكنها رغم ذلك لم تكن تخلو من عوامل الإزعاج والتشويش الخارجي! ذلك أن مولاي عبدالله لايسافر إلا برفقة حاشية من زهاء أربعين فردا، فكان وضعنا يكاد ينزل إلى مستوى الأمتعةكنا في أحسن الأحوالنشاطره وجبة واحدة في اليوم، أو جولة على الأقدام هنا أو هناك. أما في باقي الوقت فكنا نتجول على جادةالشانزليزيه أو في مكان آخر، برفقة المربيات والحراس الشخصيين الفرنسيين أو الإسبان. هذه الظروف لم تكنسهلة بالنسبة إلينا كأسرته، ولكن ما عسانا أن نفعل. كان والدي دائما بحاجة إلى كثير من الناس يحومون حوله،لكيلا يغلب عليه الاكتئاب والشعور بالتفاهة ولكي ينسى ولو نسبيا أنه لا يقوم بالدور الذي يحلم به بجوار أخيه الملك. كلما كثر الناس حوله كلما شعر بنوع من الأهمية، حيث يتلقى الشكاوى ويتدخل لدى أخيه لقضاء حوائج الناس وربمالتسوية أمور ضئيلة ولكنها تساعده على بالشعور أن له دورا ما في ماكينة السلطة، علما أن الحسن الثاني من جهته،كان يسعى إلى حصره في مجال الأمور البسيطة. كان والدي خجولا ولا يطيق الوحدانية، ولم يشرب خمرا قبل وفاةوالده عندما كان في السادسة والعشرين من عمره، ثم بدأ بعد ذلك يشربها، بل يبالغ في ذلك، عساه يوهم نفسهبالهروب من الاكتئاب لكون وضعه في النظام هش للغاية. هذا الإفراط في شرب الخمر أساء لحالته الصحية ودفعهإلى عرض نفسه على الطبيب الأخصائي ويليامس Williams، أستاذ طب الإدمان في كلية كينغ كوليدجالبريطانية.

أوفقير واليسار

أتذكر خلال هذه الفترة الجنرال محمد أوفقير، المسؤول الأمني الأول وصاحب الحظوة البارزة لدى الحسن الثاني،عندما كان يزور بيتنا ولا ينفك من صب جام غضبه علىالشيوعيين، واصفهم بالأوباش، بينما كان لبعضهم علاقاتطيبة مع والدي. في الواقع، كان أوفقير يريد التأكد من أنه إذا حصل تقارب معاليساريين، فإنه يجب أن يكونتحت سقف بيتنا لكيلا تخرج الأمور عن نطاق مراقبته. كان أوفقير يتحدث كثيرا عن عبدالرحيم بوعبيد، وهو صديقوالدي وقد كنت أعرفه جيدا (وقد قدمني في وقت لاحق إلى عبدالرحمن اليوسفي، الذي سيقود حكومة التناوب فينهاية عهد الحسن الثاني). كان خطاب أوفقير يغلب عليه المبالغة والتهويل وكأننا في حالة حصار، ويردد دوما أناليساريينموجودون في كل مكان، وأنهم سوفيقتلوننا جميعا“.

بعدما كان أوفقير مقربا جدا من محمد الخامس، أصبح ذا نفوذ كبير لدى والدي ولدى الحسن الثاني. هذا الأخير لميكن ينزعج كثيرا بتحذيراته ولا بمناخ الهلع الذي كان يسعى إلى صنعه، كمن يصف قلعةً مُحاصَرة. بالنسبة إليه لايتعلق الأمر إلا بواحدة من حالات التمرد (أو السيبة)، كالتي عرفها تاريخ العلويين الطويل. الفرق البسيط هو أنهاليست نابعة من قبيلة ثائرة، كما كان الأمر في الماضي، بل بمجموعة تعتنق إيديولوجية معينة توحد بين أفرادها. فينظر الحسن الثاني، السيبة تختلف تماما عن جريمة الخيانة العسكرية التي سوف يعيش أطوارها، والتي انبثقت منداخل النظام، أي من دار الـمُلك، والتي لم يكن ليستسيغها. بعد محاولتي الانقلاب اللتين حدثتا في أوائلالسبعينيات من القرن الماضي، شعر بإهانة كبيرة، وكأنه انتقل إلى مستوى الحسين ملك الأردن، الذي لا يمثل فينظره إلا ملكا متواضعا يقتات على بقايا معاهدة سايكس بيكو، كما شعر أنه فقد تلك الهالة التي كانت تحيط بوالده،وبالتالي، فقد أصبح قاسيا جدا وصعب المراس.