الإدريسي: في تونس لاحظت أن الثقافة الخالية من “تمخزنيت” قللت كثيرا من مظاهر التسلط

علي الإدريسي علي الإدريسي

فسحة الصيف

غادرتَ الجزائر إذن إلى تونس في بداية 1997 لتمارس المهام نفسها في السفارة، فما هو الجديد الذي وجدته هناك؟
كان الانتقال إلى تونس فرصة بالنسبة إلي لتكوين رؤية أعم عن شمال إفريقيا، المستقل عن فرنسا، حول قضاياه الثقافية بصفة خاصة. وأهم ما استرعى انتباهي في هذا البلد:
 أن المظهر العام للتونسيين كان أقرب إلى المظاهر الأوروبية، لأن اللباس الموصوف باللباس الإسلامي كان ممنوعا ارتداؤه في أي مكان، خاصة من قبل النساء، بدعوى أنه لباس طائفي. وكان الرئيس ابن علي يقسم تاريخ تونس الثقافي على المرحلة القديمة (مرحلة الفنيقيين والرومان)، والمرحلة الوسطى الإسلامية، وأخيرا المرحلة المعاصرة. وعليه فإن المرحلتين الأولى والوسطى ليستا إلا مراحل طواهما الزمن المعاصر. ومن ثمة لا يجب التشبث بهما، بل ممنوع الإشادة بانتماء تونس المعاصر اليهما.
 . ومن جملة مفاجآتي الأولى في الموضوع الثقافي أن طالبة مغربية لم تلتزم بارتداء اللباس العصري على الطريقة الأوروبية، وكانت قد أتمت دراستها في كلية أصول الدين بتونس ابن علي، ذهبت لاستخراج إجازتها من العمادة. غير أنه لم يسمح لها بتخطي عتبة باب الكلية إلا بعد نزع حجابها، باعتباره لباسا طائفيا يمنع ارتداؤه في تونس. وفي الأخير، وبعد تدخل السفارة، تم تسليم أجازتها لها في الباب الخارجي للكلية.
 حاولت أن أعرف أهمية تغيير السلوك الاجتماعي والموروث الثقافي عن طريق القرارات الفوقية، كقرار منع تعدد الزوجات الذي قرره الرئيس الحبيب بورقيبة سنة 1958، فاكتشفت أن هناك معانات كثيرة من الطرفين؛ فأغلب الرجال يشكون فقدان مكانتهم ورئاستهم على أسرهم، بل أنهم يعانون من ظلم نسائهم. أما كثير من النساء فكن يتبرّمن من استقالة الأزواج عن القيام بدورهم في بناء أسرهم، استنكارا واحتجاجا على ريادة النساء للحياة الزوجية. لكن في الاجتماعات الرسمية كان الجميع يشيد بريادة تونس في تحرير المرأة في العالم العربي والإسلامي. ومن الطرائف التي تحكى عن منع تعدد الزوجات في تونس: أن شخصا تزوج امرأة ثانية، فكشفته زوجته الأولى، وقدمته  للقضاء. سأل القاضي الزوج: هل هذه المرأة التي وُجدت معك وتعيش معها في منزل آخر، هل هي حليلتك أم خليلتك، فطلب الزوج من القاضي معرفة الفرق بين الخليلة والحليلة؛ وأوضح له القاضي: إذا كانت خليلتك فأنت لست مذنبا بتعدد الزوجات، أما إذا كانت حليلتك فأنت مذنب وفق القانون.
 – هل تريد أن تقول: إن أثر القرارات الفوقية في تطور المجتمعات والتغير الثقافي لا يكون حاسما؟
هذا من بين القصد، لكن قرارا آخر لبورقيبة كان له انعكاس طيب على المجتمع التونسي. ويتعلق الأمر بقرار إلغاء الثقافة المخزنية الاستعلائية التي تُشعر الرعايا بالمنّة والفضل عليهم، من قبل المخزن وخدامه، بل من طرف كل من يرى نفسه مؤهلا بأن يصدر الأوامر إلى الناس. وكان له انعكاس إيجابي على سلوك الإدارة نحو المواطنين، كما انعكس على انتشار التعليم ونوعيته، وعلى الصحة ومجال العلاج بصفة عامة. ولذلك أصبح تصنيف تونس في التنمية الاجتماعية متقدما على الدول المغاربية، على الرغم من ضعف مواردها الاقتصادية. ولاحظت أن الثقافة الخالية من “تمخزنيت” قللت كثيرا من مظاهر التسلط وادعاء التفوق بسبب المكانة في السلطة، أو الوظيفة، أو العلم، أو الانتساب العائلي…إلخ. فكثيرا ما كنا نتقابل مع وزراء من العيار الأول في الأسواق العامة، أو في أماكن أخرى كأشخاص عاديين بدون خدم أو حشم، أو مظاهر بروتوكولية. لكن يبدو أن قرار التخلص من الثقافة المخزنية لم يأت من فراغ؛ لأن المسار الثقافي لتونس يبين أن ما وصلت إليه تونس له جذوره في حركة انبعاث تونسية قديمة نسبيا؛ ففي سنة 1860 صدر قانون مهد للإلغاء الثقافة المخزنية في هذا البلد بعدم الركوع وتقبيل أيدي أعضاء العائلة المخزنية. مع العلم أن مصطلح “المخزن” كان من أسس الدولة في تونس قبل الاستقلال.
وعرفت أن سيرورة وصيرورة التحولات الاجتماعية والتغيرات الثقافية في تونس قد بدأت في وقت مبكر، مقارنة مع الجزائر والمغرب: كانت تونس سباقة إلى إلغاء الرق منذ 1842، وإقرار المساواة بين التونسيين المسلمين وبين غيرهم من أصحاب الأديان الأخرى المقيمين بتونس، المعروف بعهد الأمان، وتأسيس المطبعة الرسمية وإصدار الصحافة منذ 1860، وانطلاق أول مدرسة للتعليم المزدوج اللغة والثقافة هي المدرسة الصادقية سنة 1875، قبل الاحتلال سنة 1881. وفي العقد الأخير من القرن التاسع عشر كان في تونس أكثر من 20 صحيفة. وشهد التعليم الزيتوني (نسبة إلى جامع الزيتونة) من جانبه إصلاحات عميقة مع نهاية العقد الأول من القرن العشرين. وكانت تونس أول بلد مغاربي عرف البرلمان في 1860، كما عرف تكوين الأحزاب السياسية منذ 1919. وكانت تونس تشعرني بأنها تقوم بدور همزة وصل بين الشرق والغرب. ولكني كنت أتساءل: لماذا لم يستمر وهج الارتقاء والانبعاث التونسيين ليحقق المواطنة للتونسيين في عهد الدولة الوطنية؟ والجواب الذي كان يقفز قفزا إلى ذهني هو سياسة الاستبداد التي اعتمدت في تسيير وتدبير الشأن العام؛ سواء في عهد بورقيبة أو في عهد ابن علي.
– وكيف وجدت صورة المغربي في تونس؟
تتكون غالبية الجالية المغربية في تونس من عمال الفوسفاط في ولاية قفصة، التي بدأت الهجرة إليها سنة 1919، وأغلبهم من مناطق جنوب المغرب. أما أغلب سكان الشمال فكانت وجهة هجرتهم إلى الجزائر للعمل في الفلاحة. ويُعرف مغاربة تونس في عهد الاستقلال بالعسس، الذين يقومون بأعمال الحراسة في الشركات والإدارات. ويتكون أغلبهم أيضا من أقاليم جنوب المغرب. أما الانطباع العام عند التونسيين عن المغاربة، فهم شعب فقير لا يحصلون على حقوقهم في دولتهم، وصورتهم العامة أنهم سحرة وماهرون في استخراج الكنوز. وأتذكر في هذا الشأن أن من بين صراخات الملاعب عندما يلعب فريق كرة مغربي مع فريق تونسي، هو: “يامراركة (يامغاربة) ياسحرة، اليوم تاخذوا حارة” أي سنغلبكم بــ4 أهداف.
وفي المغرب حين كنت أحضر قراءات في كتاب الزميل أمطاط عن الجزائريين في المغرب تمنيت أن تكون هناك اهتمامات وأبحاث ودراسات عن معاش المغاربة ومكانتهم وصورتهم عند جاريْنا في الشرق: الجزائر وتونس. لكن ذلك لا يمكن أن يتحمل تكلفته باحث مغربي فرد. أما الجهات التي يمكن أن تتكفل بتلك الدراسات والأبحاث فيبدو أن ليس لها وعي بالموضوع، أو أنها لا تريد الخوض فيه لأسباب تخصها.