قضية هاجر الريسوني.. الحياة الخاصة وشروط بناء تحالف لتحصينها

بلال التليدي بلال التليدي

الرأي

أحيانا أشعر بنوع من الحرج في محاولة جعل مأساة إنسانية لحظة تأمل فكري سياسي، لكني مضطر لذلك، ولاأريد أن يصرفني واجب التضامن عن تفكيك الجوانب الفكرية والسياسية في الموضوع.

التفاصيل في قضية هاجرالريسوني تأتي تباعا، والجدل القانوني لن يتوقف بخصوص طريقة الاعتقال ومستنده.

ولماذا تم الاعتقال فيالشارع، ونقل المعتقلة إلى العيادة لتكييف حالة التلبس القسري، وخلفيات عدم المتابعة في حالة سراح، وحجية اللجوءإلى الخبرة قبل أمر القاضي بها، وغيرها من القضايا التي تطرح أسئلة عميقة على مستقبل الحريات في المغرب؟أترك هذه القضايا للمختصين في القانون.

زاوية تفكيري شيء آخر، يقترب من الجدل الحقوقي الذي أثير أكثر منمرة حول الحريات وضماناتها، وضرورة النضال الحقوقي لتحصين الحرية من افتئات السلطة وتزيدها عليها،واستثمارها لقضايا الآداب بشكل انتقائي لتأديب ذوي الرأي الحر.

البعض يرى المخرج في أن تنزع السلطة يدهامن ملف الحريات الفردية، وتترك حياة الناس الخاصة بعيدا عن اعتبارات الانتقام السياسي.

حجته في ذلك، أنالسلطة لا ترى الفساد والعلاقات الجنسية خارج الزواج إلا عند النخب المستقلة في الرأي، مع أن عينها ترقب كلشيء، وتعرف خارطة الفساد بكل تلالها وهضابها وجبالها، وتدرك أكثر من غيرها أن البؤر المشتعلة لهذا الفساد توجدخارج دائرة هذه النخب، حيث يعرفها الجميع، وفي مقدمتهم السلطة.

القضية هي أكبر من ذلك، لأنها تتعلق بطريقةتدبير تمايز بين مرجعيتين في الدستور، مرجعية إمارة المؤمنين، ومرجعية حقوق الإنسان، ومسؤولية السلطة فيالإضرار، ليس فقط، بمرجعية حقوق الإنسان ووضعيتها الراهنة، ولكن بجوهر نظام إمارة المؤمنين أيضا.

تبسيطالأمور ينتهي بأحد الطرفين إلى إلغاء الآخر، فالذين يتبنون مرجعية حقوق الإنسان، يأتون بهذه الواقعة وتلك،ليستشهدوا بها على ضرورة رفع التجريم على العلاقات الجنسية خارج الزواج وترك الحريات الفردية مرسلة من غيرقيد أو شرط إلا ما كان من شرط الرشد وتواطؤ الطرفين، والذين يستمسكون بمقتضيات المرجعية الإسلامية، يرون فيمطلب هؤلاء، فتحا لباب يصعب غلقه، ومس بمنظومة قيم، وخلق توتر خطير بين الأجيال وتفكيك للأسرة. لا يعدم هؤلاءوأولئك الحجة لإثبات وجهة نظرهم، وكل محق في دعواه، سواء الذين يطالبون بنزع يد السلطة من هذا الملف، أو الذينيتخوفون من تأسيس قانوني طوعي ينتهي إلى تغيير منظومة قيم بأشملها، وضرب تماسك المجتمع في العمق. 

جوالحقيقة، أن الأحداث والوقائع التي تجري، تثبت للطرفين معا انزياح السلطة في تنزيل المقتضيات القانونية الخاصةبترتيب العقوبة على الفساد أو العلاقات الجنسية خارج الزواج، ولم يحدث أن حصل الإجماع بين الطرفين حول هذاالتقييم بهذا الشكل الذي رأيناه في واقعة اعتقال هاجر الريسوني.

نتحفظ عن إدراج قضية هاجر الريسوني ضمنتهمة الفساد، فالمؤشرات المتوفرة تنفي وجود إجهاض سري، ولا تثبت بطريق التلبس وجود علاقة جنسية خارجمؤسسة الزواج، لكن تجوزا، نتأمل هذا الإجماع، ونستخلص منه الدروس مما ينبغي ترتيبه في المعارك المقبلة. نحتاجإلى بناء إجماع آخر، ينقل إجماع التضامن إلى إجماع بين طرفي الصراع، لتدبير تمايز مقتضيات المرجعيةالإسلامية مع مقتضيات مرجعية حقوق الإنسان، لاسيما في مجال الحياة الخاصة، بنحو ينزع يد السلطة من تكييفهذا الملف وتوظيفه ضد أصحاب الرأي الحر.

الوقائع تؤكد عدم وجود ضمانات لحياد السلطة في هذه القضية، وتؤكدأن المهنية قد تؤثر فيها اعتبارات السياسة وتصفية الحسابات، فضلا عن أن السلطة تملك إمكانات ضخمة لا يتوفرعليها الفرد، تستطيع أن تفعل أي شيء، وتضغط على أي كان، وتكيف ما تشاء بما تشاء وكيف تشاء. نعم، السلطةليست إلها، لكن قدراتها بدون شك، قهرية وقسرية، ولا تملك النخب أمامها مثيلا لهذه الإمكانات في المواجهة سوى ماكان من بذل النصح وبعض النقد، والحاد أحيانا.

المهمة المطلوبة والعاجلة، أن يتم بناء تفاهم سريع بين الطرفين،لطريقة تُقلّص من تغوّل السلطة في استعمال هذه القضية، وترفع يدها عن توظيف قضايا الآداب لتصفية الحسابمع أصحاب الآراء الحرة. الأمر ليس دعوة إلى بناء تحالف ضد السلطة، ولكنه تمرين ديمقراطي، يجري في كل بلادالله، وجرى في المغرب نفسه، يعين السلطة على أن تدخل زمنها الجديد، الذي لاتزال تتردد في الاستئناس به، زمنالمواطنة والحياد والمهنية وخدمة الملك والوطن في إطار سلطة القانون، والانتهاء عن استعداء أصحاب الآراء الحرة