الإدريسي: كانت اجتماعاتنا في “الألكسو” تسعى الى تهدئة الانفعالات الهادرة أساسا أما قضايا الثقافة والفكر فقد كانت عرضية

علي الإدريسي علي الإدريسي

الحلقة 38

هل عشت في تونس حيوية دبلوماسية مماثلة لما عشته في الجزائر، خاصة وأن السفير الذي أشدْتَ بحيويته في الجزائر هو نفسه الذي التحقت به هناك؟
أنت تعرف أن ميسي، مثلا، لاعب كرة ماهر من الطراز الأول حقق أمجادا كروية لبرشلونة، لكن لم يحرز أي انتصار مدوّ لبلده حين لعب مع فريق الأرجنتين، ومعنى هذا أن الملعب وتأثير جمهوره، والعمل الجماعي والتلاحمي لكل اللاعبين، هما من يساهم مساهمة قوية في صناعة اللاعب الاستثنائي، وليس قدراته ومواهبه فقط. وهذا ينطبق أيضا على كل الميادين؛ ففي فريق العمل الدبلوماسي تظهر مكانة السفير ضمن عوامل أخرى تصنعها الظرفية المحلية أو الأرضية المتحرَّك داخلها وفوقها. والطاقم الدبلوماسي الذي كان في الجزائر كان متكاملا في عمله، ومتناغما بين مكوناته، وكان أكثر حيوية لتفعيل العمل الدبلوماسي وتحقيق الأهداف المتوخاة منه، من أجل استدراك ما أصاب تعطيل العلاقات بين المغرب والجزائر أكثر من عقد من الزمن. في حين أن وضع تونس كانت تتحكم في كثير من مكونات طاقمه حسابات الترقية الشخصية، أو معيار الربح الذاتي أو الخسارة. ثم أن العلاقة مع تونس كانت عادية بالمفهوم الدبلوماسي.
وكيف كان عملك في تونس؟ 
المجال الذي كنت أتحرك فيه هو مجال التعرف أكثر إلى وعلى النسيج الثقافي التونسي في كل أبعاده: إلماما، وفهما، وتقييما، بهدف مساعدة عمل السفارة لدعم تقوية العلاقات بين البلدين، والتوجه بها نحو مستقبل أفضل وفاعل، بتقديم معطيات ثقافية واجتماعية عن تونس، لتشكل تكاملا وإسنادا للمعطيات التي تخص المجالات الأخرى، التي يقدمها مستشارون ودبلوماسيون آخرون. وكنت أقوم في الوقت نفسه بتقديم معطيات عن الحركة الثقافية المغربية لمحاوري من الجانب التونسي المهتمين بالتحولات الثقافية والاجتماعية الجارية في المغرب.
وهل كان يوجد تعاون ثقافي رسمي بين المغرب وتونس؟
ظاهريا، كان المغرب يحضر معرض الكتاب السنوي الذي يقام في تونس. والأمر مماثل بالنسبة لتونس في معرض الكتاب السنوي بالدار البيضاء. وكانت السفارة مهتمة بدعوة الفرق الفنية المغربية للمشاركة في الأنشطة الثقافية في تونس وهي كثيرة؛ فقد كانت الولايات (العمالات) التونسية تتسابق في تنظيم المهرجانات الغنائية. وكانت تونس على صغر مساحتها، (163610 كلم مربع) وقلة عدد سكانها، الذين كانوا لا يتجاوزون 10 ملايين نسمة، تنظم أكثر من 500 مهرجان ثقافي (غنائي بصفة خاصة) في أواخر تسعينيات القرن الماضي. إضافة إلى المهرجانات السينمائية والمسرحية. وأشهرها على الإطلاق مهرجان قرطاج.
لكن أهم تعاون بين المغرب وتونس كان يخص التبادل الطلابي من الناحية الرسمية وغير الرسمية، إلى درجة أن كلية الطب والصيدلة في مدينة منستير، مدينة الحبيب بورقيبة الواقعة جنوب العاصمة، كان العدد الأكبر من مرتاديها طلبة مغاربة. وحين حاولت السلطات تقليص عدد الطلبة المغاربة في منستير وتوزيعهم على كليات الطب الأخرى، قام سكان المدينة بمظاهرات احتجاجية رافضة منع المغاربة من التسجيل في كلياتهم، لأنهم كانوا يُنعشون الشغل والتجارة والخدمات للساكنة في المدينة والمنطقة. فتوقفت محاولات السلطة فورا نزولا عند رغبة سكان المدينة والإقليم.
عرفت من حديثنا حول إعداد حلقات “الزمن الذي…” أنك كنت ممثل المغرب في منظمة ALECSO، الواقع مقرها في تونس، فماذا تتذكر عن هذه المنظمة؟
أُنشئت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، التابعة لجامعة الدول العربية، المعبر عنها بالحروف الأولية في التعبير الإنجليزي ALECSO، تقليدا، أو استنساخا، أو تشبها بمنظمة اليونسكو. وحين استلمت عملي بسفارتنا في تونس عينني السفير السيد عبد القادر بنسليمان مندوبا للمغرب لدى هذه المنظمة. والواقع، أنني لم أفاجأ كثيرا بوضعيتها ومهمتها شبه المجمدة، فهي فرع من أصلها “جامعة الدول العربية”، ولأن السلطة المتحكمة فيها هي الدول الأكثر تمويلا لميزانيتها؛ وتأتي المملكة العربية السعودية على رأس تلك الدول، ولذلك كان الوجود السعودي في المنظمة ظاهرا للعيان، دون أن تكون لديه مؤهلات فكرية أو ثقافية لكي يقود قاطرة التربية والثقافة والعلوم، التي قيل إن المنظمة وجدت من أجلها عربيا. وكانت مصر تحاول القيام بذلك الدور، اعتمادا على ما كان لها من ريادة ثقافية وفكرية وتربوية في العالم العربي. غير أن اتفاقية كامب دافيد مع إسرائيل تسببت في طردها من جامعة الدول العربية ومن منظماتها الفرعية، قبل أن يسمح لها بالعودة إليها بعد مرور حوالي 10 سنوات؛ تلك العودة التي عبر عنها الشاعر أحمد مطر في إحدى قصائده المعروفة بقصيدة “الثور والحظيرة”:
“تقاسموا مَرْبَطه، وجمدوا شعيره
وبعد عام وقعت حادثة مثيرة
لم يرجع الثور، لكن ذهبت وراءه الحظيرة”
لكن تداعيات تلك الاتفاقية وخلفياتها السيكولوجية جعلت اهتمامات مصر تنصب على كيفية استرجاع وضعها الاعتباري والإداري في العرب، قبل أن تستعيد مكانتها في القيادة الفكرية، التي كانت قد فقدت كثيرا من مفاتيحها.
ومن جانب آخر كانت أجواء الاجتماعات الرسمية يغلب عليها طابع التوجسات المتبادلة بين شركاء المشهد الثقافي، وفرقاء لعنة السياسة؛ اجتماعات قد ينطبق عليها قول القرآن الكريم “بأسُهُم بينهم شديد، تحسبُهم جميعا وقلوبُهم شتى”. فقد كانت مشاعر المجتمعين نحو بعضهم البعض متباينة جدا، فيها الكثير من التشنجات العصبية. ومن ثمة كان بعض حكماء تلك الاجتماعات يحاول تجنب السقوط بصفة نهائية في متاهات وصراعات حزب البعث القومي العراقي وحزب البعث القطري السوري، أو مسايرة انزلاقات الرؤية العراقية لأسباب ونتائج احتلال دولة الكويت؛ وعدم الغرق في أوحال الرؤية السعودية الناجمة عن دعم أمريكا لغزو العراق في حرب الخليج الثانية؛ فالسعودية قادت دول عربية كثيرة إلى تأييد ودعم حرب الولايات المتحدة على العراق. وأتذكر أن اجتماعاتنا ولقاءاتنا كانت تسعى إلي تهدئة الانفعالات الهادرة، واستيعاب العواطف الوطنية المتجيشة. ومحاولة تجاوزها بأقل الخسائر. أما قضايا الثقافة والفكر والتعليم فكادت تكون قضايا عرضية، لأننا كان نواجه الثقافة القبلية، المتجذرة فينا، التي عبر عنها الشاعر أبو فراس الحمداني بقوله:
“ونحن أناس، لا توسط عندنا     لنا الصدر، دون العالمين، أو القبر”.
بالمناسبة، هل كان حضور المغرب قويا في المناصب الهامة في المنظمة؟ 
   قانونيا، يفترض أن يكون هناك توازن بين حضور الأطر الفكرية والمسيرة من جميع الأقطار المنضوية في المنظمة. غير أن المغرب لم يكن يدير إلاّ “مكتب تنسيق التعريب”، الموجود مقره في الرباط، وهو غصن للمنظمة منذ 1970. وعلمت من المدير العام للمنظمة آنذاك أن المغرب لا يتجاوب مع ما يعرض عليه من مناصب شاغرة، ولا يقترح باحثين ومتخصصين لتولية مناصب أخرى.