سليمان الريسوني يكتب.. شمبوان ومُليِّن التحكم

سليمان الريسوني سليمان الريسوني

سليمان الريسوني يكتب.. شمبوان ومُليِّن التحكم

في غياب ديمقراطية كاملة، من العادي أن تستمر السلطة في استعمال كل ما من شأنه أن يضمن لها التحكم في الحقل السياسي والاجتماعي؛ فإلى جانب آليات الضبط الإدارية، يبقى مختبر السلطة، دائما، مشتغلا ومنشغلا بخلق وتجريب الأداة السياسية-الإدارية المثالية لتغطية كل مرحلة سياسية جديدة. لقد اعتمدت السلطة خلطة الأصالة والمعاصرة مدة 10 سنوات، منذ انتخابات 7 شتنبر 2007 التي دخلها فؤاد عالي الهمة، وصولا إلى انتخابات 7 أكتوبر 2016، التي عجلت بخروج إلياس العماري من رئاسة البام في غشت 2017، ونهاية رهان السلطة على الحزب.

إن الخلاصة التي توصلت إليها السلطة، عبر هذه التجربة، هي أن «المعاصرة»، أي الجهاز الإيديولوجي المشكل من يساريين سابقين، قد أعاقت «الأصالة» التي يُعبِّر عنها الأعيان والآليات الإدارية التقليدية التي اعتادت أن تدعمهم وتجعل منهم القوة الانتخابية الأولى، وبالتالي، كان واضحا أن قرارا ما اتخذ يقضي بأنه إذا كانت هناك، مستقبلا، حاجة إلى خطاب إيديولوجي «يساري» أو «حداثي» لإحداث التوازن مع الخطاب الإسلامي، فيجب ألا يُستنبت داخل حزب إداري، لأن هذا الخطاب عندما يرتطم بصخرة رفض الشارع إياه، يعود لينفجر في الداخل، وهذا ما حدث في تجربة البام، لذلك، كان التوجه إلى تقسيم مشروع البام إلى قسمين وتوزيعه على حزبين هما التجمع الوطني للأحرار (الأصالة) والاتحاد الاشتراكي (المعاصرة).. «شمبوان ومُليِّن».

لقد اعتقد الكثيرون، وأنا منهم، بعد إنزال عزيز أخنوش على رأس التجمع الوطني للأحرار، مباشرة بعد ظهور نتائج انتخابات 7 أكتوبر 2016، أن السلطة، وبعدما اعترفت بفشل خلطة الأصالة والمعاصرة، قررت النزول بنفسها لمواجهة الإسلاميين، من خلال الدفع بحزب إداري خالص كما كان الأمر زمن الحسن الثاني، دون الحاجة إلى جناح إيديولوجي مساعد، إلا أن الاتحاد الاشتراكي «انتُزع» من تحالف كان على وشك التشكل مع حزب الاستقلال والبيجيدي، بعد الاجتماع الشهير للمكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي رفقة اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال، يوم 17 أكتوبر 2016، بمقر حزب الاستقلال، والذي خرج منه إدريس لشكر بتصريح قال فيه إن حزبه لا يمكن أن يكون سوى في المكان الذي يكون فيه حزب الاستقلال.. قبل أن يتراجع لشكر عن هذا الموقف، ويظهر أخنوش مفاوضا باسم الاتحادين الدستوري والاشتراكي. لقد كان هذا التحول في موقف الاتحاد الاشتراكي، وما أعقبه من تهويل لموقف حميد شباط من موريتانيا، والذي لم يكن سوى تمهيد لإبعاده عن الحزب والنقابة، مؤشرا على أن شيئا ما يختمر داخل مختبر السلطة، أعتقد أنه أصبح الآن ناضجا وواضحا.

الآن، وبعد انقضاء ثلاث سنوات على اصطفاف الاتحاد الاشتراكي خلف حزب التجمع الوطني للأحرار (أكتوبر 2016 – أكتوبر 2019)، أصبح المشهد واضحا؛ لقد تكفل رفاق إدريس لشكر بخوض معارك نيابة عن السلطة، وهو ما ظهر بشكل واضح في عدد من المحطات، أبرزها قضية الصحافي توفيق بوعشرين التي أدارتها أذرع الحزب الإعلامية، وأعضاؤه في قيادة نقابة الصحافة، ومحاموه الذين لعبوا أدوارا منافية لمبادئ الحرية وحقوق الإنسان خارج قاعة المحكمة أكثر مما لعبوها داخلها.

لقد انتبهت السلطة متأخرة إلى أن المجهود الذي بذلته مدة عشر سنوات داخل الأصالة والمعاصرة، وذهب هدرا، كان يمكن بذل أقل منه في الاتحاد الاشتراكي وتكون النتيجة أحسن، لكن السلطة كانت تحتاج إلى زعيم «مرن» مثل إدريس لشكر، الذي أثبت، حتى قبل أن يكون كاتبا أول للحزب، أنه قادر على أن ينتقل من النقيض إلى النقيض، طالما اهتمت به السلطة وسلطت عليه الضوء، مثلما حدث في يناير 2010 عندما انتقل، في ظرف أسبوع، من مُطالب بالخروج من حكومة عباس الفاسي، وداع إلى التحالف مع البيجيدي لمواجهة البام، إلى وزير في حكومة الفاسي نفسها بعدما توسط له البام في ذلك، ودون حتى أن يستشير قيادة حزبه في أمر استوزاره، كما أثبت لشكر، وهو كاتب أول للحزب، «المرونة» نفسها عندما نفض يده من حزب الاستقلال، بعد أيام من تصريحه بأنه لا يمكن أن يكون سوى في المكان الذي يكون فيه حزب الاستقلال.

إن قدرة الاتحاد الاشتراكي على إدارة المعارك والسجالات ذات الصبغة الإيديولوجية، تكمن في وجوده في منظمات تاريخية، مثل المركزية النقابية ونقابة الصحافة واتحاد الكتاب… والتي بالرغم من أنها فقدت زخمها الجماهيري، وكثيرا من مصداقيتها ووضوح خطابها، فإنها مازالت قادرة على خلق الجدل وقلب التناقضات. هذه المنظمات أصبحت تعرف انتعاشا بفعل وجود الحزب في الحكومة أو في مؤسسات مثل المجلس الوطني لحقوق الإنسان، في صيغته الحالية.. وهذا يفسر ما سبق أن قاله محمد بنعبد القادر لمناضلي حزبه في طنجة: «لو لم يدخل الاتحاد الاشتراكي إلى الحكومة لتحول إلى نادٍ سياسي صغير».

إن ما حدث من تغييرات جذرية داخل الاتحاد الاشتراكي، بشكل واضح ومتسارع، يحدث بشكل صامت وبطيء داخل حزب الاستقلال. لقد فهمت السلطة أن هذين الحزبين، اللذين يحوزان المشروعية التاريخية، بات يمكن أن يؤديا ما تطلبه منهما على أحسن وجه دون أن يخرج من يعيِّرهما باجترار خطيئة النشأة، وهذا صحيح، لكن التاريخ القريب يقول لنا إن المغاربة لفظوا حزبا تاريخيا، بحجم حزب الشورى والاستقلال، بعدما تحالف مع السلطة في تجربة «الفديك»، وقبلوا حزبا إداريا، مثل حزب الدكتور الخطيب، بعدما أعاد إليه الإسلاميون الروح وخلصوه من بقايا السلطة فيه. وبالتالي فلا «شمبوان» لشكر سيكون قادرا على غسل وجه السلطة، ولا «مليِّن» أخنوش سيقوى على تليين وتهدئة شارع غاضب.