منير أبو المعالي يكتب.. أمام العثماني فرصة ثالثة

منير أبو المعالي منير أبو المعالي

منير أبو المعالي

كسب حزب «النهضة» في تونس الانتخابات التشريعية. النهضة هي المعادل التونسي لحزب العدالة والتنمية المغربي بقليل من الاختلافات الشكلية، وفوزها، كما خسارتها الرهانات الانتخابية في تونس، يصل صداهما سريعا إلى الرباط.

قبل شهر فحسب، كان سقوط مرشح النهضة نفسها في الانتخابات الرئاسية سببا لشعور الكثير من الليبراليين المغاربة -بينهم يساريون- بالفرح. لقد كان الاستنتاج أن المشروع السياسي للتيار الإسلامي قد انتهى. كان ذلك حكما متسرعا، على ما يبدو.

لم تصدر عن حزب العدالة والتنمية تقييمات حول نتائج «النهضة»، وحتى تلك التهنئة البروتوكولية، قرر الإسلاميون المغاربة أن يستغنوا عنها، فهم، على كل حال، منهمكون في خطوة جبارة لتقليص حكومتهم إلى النصف.

لكن هذه اللامبالاة يجب ألا تتحول إلى عائق في تحليل ذلك التداعي -من الوجهة النفسية على الأقل- بين تجربتين لوصول الإسلاميين إلى الحكم أو أجزاء منه. من الواضح أن تصدر حزب النهضة مرة ثانية -بعد توار اضطراري في 2014- نتائج الانتخابات البرلمانية، سينعش آمال حزب العدالة والتنمية في تحقيق النتيجة نفسها، وحتى الأفراد المحبطون في هذا الحزب تعززت لديهم القناعة بأن فرص حصول حزبهم على الرتبة الأولى بعد عام ونصف باتت أفضل.

لماذا؟ لسنين، كانت الحركة دؤوبة في البلاد لتسويق فكرة مضللة عن الإسلاميين في المغرب. كانت تلقى على الآذان بحماس مفاهيم غامضة تستمد رجاحتها السياسية من التلاعب الماكر بآداب الدبلوماسية. بشكل رئيس، قيل إن السياق الإقليمي لم يعد يقبل وصول الإسلاميين إلى الحكم. يستطيع الذين يروّجون هذه الفرضيات -وقد بقيت كذلك حتى الآن- أن يظهروا مهارة كبيرة في الاستقراء، وقد وضبت وقائع في سياقات مكانية متعددة ومختلفة، لافتعال مشكلة سياسية محلية. وحزب العدالة والتنمية، في وقت ما، صدق، بالفعل، أن «السياق» لا يسمح بأي شيء آخر أكثر مما حدث.

لكن، ليس كل ما يلمع ذهبا. لذلك، يأمل الليبراليون، وهم يجرون تقييمات سريعة لفوز النهضة، ألا يشعر حزب العدالة والتنمية بثقة زائدة في النفس. وبغير قليل من الدهاء، يستطيع هؤلاء تحويل نتائج صندوق الاقتراع في تونس إلى تربيت خفيف على كتف التجمع الوطني للأحرار. في كل الأحوال، يجب، وفقا لهذا المنطق، أن يؤخذ السياق بعين الاعتبار. ولقد كثر المداحون لعزيز أخنوش، حتى أصبحنا نشعر بالخوف من أن يصدقهم فعلا.

يقبض الكثيرون على الجمر، وهم مجبرون على ذلك الاعتراف القسري بأن حزب العدالة والتنمية قد يفوز مرة ثالثة. ببساطة، ليس لأنهم محللون محافظون، كما لست أنا كذلك، وإنما لأن الوقائع الأساسية في السياسة بالمغرب عصية على الالتواء.

ليس مجازفة القول إن السياق الإقليمي العام قد تغير. لقد تضاءلت نسب نجاح محاولات المحور العربي ذي الحساسية الممانعة إزاء الإسلاميين، ومن الواضح أن الحلفاء السياسيين والإعلاميين لهذا المحور، في بلدان المغرب الكبير، يعترفون بهذا القدر من الحقائق. إن خوار قواهم في التأثير بشكل فعال في ميول مجتمعات ما بعد الربيع، باد للعيان. ليس من الضروري تصديق تأثير السياق، لكن من النباهة كذلك مجاراته، واللعب من حوله، وإضعاف فرصته في كبح الديمقراطيات الانتخابية الناشئة، أي، بشكل مختصر، بناء سد ذكي في مجراه.

تبزغ فرصة الإسلاميين هنا؛ فهم كيانات ذات قاعدة «جماهيرية» تنقص خصومهم الآخرين. هذه حقيقة واقعية. لكن ما ينجح فيه الإسلاميون بالضبط هو تلك القاعدة النظرية السحرية: «ضبط النفس». يبدو هؤلاء وكأنهم قد شكلوا مناعة في مواجهة الطرق المختلفة لجرهم نحو حالة توتر تقود عمليا إلى حالة تقاطب حاد ذي تأثيرات غير سليمة على وحدة أو استقرار الدولة. كان بنكيران، لسوء حظه، سريع الانقياد نحو هذه المحاولات، ولقد نجحوا بسبب ذلك في تحييده تماما. بعده، يبدو أن «ضبط النفس» قد تحول إلى عقيدة سياسية لدى الإسلاميين في المغرب. وبالاقتناع بصواب هذه العقيدة، يستطيعون تجنب الأسوأ؛ أي الانهيار الشامل للقوى. يمكن أن يصمد الإسلاميون في مواجهة التراجعات الانتخابية، وهم قادرون على حماية أنفسهم من الأفول. حتى أبرز المتفائلين بانهيار «البيجيدي»، لا يستطيع القول الآن إن فرضية محوه مطروحة.

يمكننا قياس التراجعات المُحتملة في النتائج على نحو نظري، باستعمال الطرق المعتادة في الاستنتاج؛ فقد يكون لبعض أشكال الدعاية المضادة، أو سوء الإدارة، أو سوء السلوك أيضا، تأثير على النتائج النهائية. من السهل أن نتوقع تحول بعض المتعاطفين عن «البيجيدي»، لكننا لا نضمن أنهم سيتوجهون رأسا إلى خصومه. تبعا لذلك، فإن ما يحدث لا يدفع إلى التشطيب على ما هو أساسي في التحليل، أي قدرة حزب العدالة والتنمية نفسه مقارنة بخصومه. البنية التنظيمية للحزب وأذرعه، والقدرة على الحشد، كما الصلات المصلحية التي روكمت في هذه السنين من التدبير المحلي، كما المركزي، يمكنها أن تطوق النتائج الانتخابية بالحماية الضرورية.

وفي الأوضاع الطارئة تحت قيود السياق، كما غلل بها منذ أكتوبر 2016، يملك حزب العدالة والتنمية العصا السحرية أيضا؛ سعد الدين العثماني نفسه. هذا الرجل، بقدر ما يبدو متخاذلا في منصبه الحكومي، فإنه، دون شك، يمثل الوسيلة الناجعة لإدارة وضع الأزمة بين حزبه والدولة. وما لم يحدث شيء خارج الحساب الجاري، من شأنه أن يؤثر في علاقة العثماني بالسلطات أعلاه، فإننا سوف نلحظ، مقدما، كيف أن بمقدوره أن يعالج الاضطرابات القائمة بالنفس ذاته كما فعل عقب أحداث 16 ماي 2003. يمكن أن تدفع به تنازلات مدروسة -وإن بدت مثيرة للإحباط لدى قواعد الحزب- إلى إدارة جيدة لعلاقات حزبه بالسلطات. وسيظهر ذلك دون شك في 2021. لدينا صورة عامة عما يمكن أن يفعله الإسلاميون لكي لا تظهر أي نزعة هيمنة وهي تخرج بخارا ساخنا من أفواههم؛ الضبط الفعال للدعاية الانتخابية، حيث لا نصبح إزاء حرب غير متكافئة على الأرض، وتحكم جيد في النتائج يضمن فوزا غير خشن، حيث يجدر ألا تبدو الفجوة واسعة بشكل مذهل بينه وبين مطارده. ثم بشكل رئيس، الإزاحة التامة، وبشكل عقلاني، لمدلول عبد الإله بنكيران من الصورة العامة للحزب.

العثماني مدير بارع وذو مراجع حسنة في تدبير أزمات حزبه؛ وكما أنه على وعي بمقدرات حزبه الهائلة على تجنب أي خسارة مخزية، فإنه على قدر كاف من النباهة لكي يتفادى نصرا مؤلما كما حدث لبنكيران في 2016. ليس هناك، وفقا للمؤشرات القائمة، ما يمنع تصدرا جديدا للبيجيدي بعد عام ونصف، وعلى اليساريين والليبراليين الكف عن نشر الكراهية؛ فالنتائج في تونس دليل على صورة المصير.

ليس عسيرا فهم الدرس الرئيس من تونس، وعلى الإسلاميين المغاربة القبول به سياقا خاصا فقط؛ إن انحناءة صغيرة لن تؤدي إلى تقوس الظهر.