رسالة الزفزافي وتقرير الشامي

سليمان الريسوني سليمان الريسوني

الرأي

لم يمر سوى يوم واحد على صدور تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، الذي تحدث عن دور الهواتف الذكية وشبكات التواصل الاجتماعي في إطلاق جيل جديد من الاحتجاجات الاجتماعية في المغرب، حتى انتشرت، بشكل واسع، رسالة صوتية منسوبة إلى ناصر الزفزافي، الذي لم يصدر عنه أي موقف منذ قرار خلع الجنسية، إلى أن خرج، الآن، متحدثا عن حدث إحراق العلم في مسيرة فرنسا، ومذكرا بتعرضه لتعذيب وهتك عرض، لا يقل في جسامته -إذا تأكدت صحته- عن الخروقات التي عرفها المغرب في سنوات الرصاص، أو التي تجددت في 2003 مع اعتقالات السلفيين، بالموازاة -ويا للمفارقة- مع تأسيس هيئة الإنصاف والمصالحة التي يفترض أنها آلية للعدالة الانتقالية جاءت لإنصاف ضحايا خرق الدولة لحقوق الإنسان، وتحقيق مصالحة بين الدولة وضحاياها، والقطع مع الخروقات الجسيمة لحقوق الإنسان… لكن، شاءت إرادة السلطة إلا أن يدك العنيكري ما كان بنزكري يحاول حرثه، مثلما دكت جهات في السلطة، الآن، ما حرثه اليزمي والصبار عندما كلف المجلس الوطني لحقوق الإنسان، في عهدهما، لجنتين تضمان أطباء شرعيين، فحصوا وعاينوا واستمعوا إلى تصريحات ما يناهز ثلاثين من معتقلي حراك الريف، متفرقين بين الحسيمة والدار البيضاء، وخلص هؤلاء الأطباء الشرعيون، المشهود لهم بالكفاءة والنزاهة، إلى أن مزاعم التعذيب، التي جاءت في تصريحات المعتقلين، ذات طابع جدي، ويتعين إجراء تحقيق قضائي بشأنها، مثلما دكت وأقبرت الجهات نفسها التحقيقين اللذين فتحتهما النيابة العامة؛ واحد في ادعاءات التعذيب، وآخر مع الموقع الإلكتروني -العاري من الأخلاق- الذي نشر فيديو الزفزافي عاريا.

لنعد إلى رسالة الزفزافي الجديدة. الرسالة، ونحن نقرؤها على ضوء تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، تعني، أولا، أن السجن لم يعد قبر المحتجين، وأن أسواره قد تحبس أجسادهم، لكنها تعجز عن حبس أصواتهم ومنعها من التحليق عاليا والانتشار واسعا في المغرب وخارجه، دون حاجة إلى حكم أو عفو أو فيزا… وتعني، ثانيا، أنه إذا كانت النسخة الأولى من الربيع العربي قد عرفت مشاركة أحزاب المعارضة، الإسلامية منها بالخصوص، بشكل قوي، فإن النسخة الثانية، والتي يُعتبر حراك الريف (أكتوبر 2016) أولى شراراتها، قبل حراك السودان (دجنبر 2018)، احتجت على الأنظمة بالقدر نفسه الذي احتجت به على الأحزاب التي وصفها حراك الريف، دون استثناء، بـ«الدكاكين»، وها هو الزفزافي، في الرسالة الصوتية الأخيرة، يتحدث عن «ديمقراطية الشارع» بديلا عن الديمقراطية التمثيلية والتشاركية، مؤكدا أن احتجاجه ورفاقه، من خارج السجن أو من داخله، كان ولايزال على الدولة وأيضا على مؤسسات الوساطة من أحزاب ونقابات.. ثالثا، تؤكد رسالة الزفزافي أن الجيل الجديد من الاحتجاجات أصبح عابرا للايديولوجيات، بما في ذلك الإيديولوجيا الوطنية، سواء بشكل واضح مفكر فيه، أو بشكل مشوش ومرن؛ ففي الوقت الذي لم يجد الزفزافي ورفاقه حرجا في التخلي عن الجنسية المغربية، احتجاجا على الأحكام الثقيلة التي صدرت في حقهم، ها هو الزفزافي يهاجم «الشرذمة» التي أحرقت العلم في مسيرة فرنسا، ويؤكد أن خلفيات وأهداف الحراك اقتصادية واجتماعية وثقافية، وكأنه يقول: «إذا كنا، بالأمس، قد رفعنا علم الخطابي، فلكي نستفز المسؤولين ونلفت أنظارهم إلى واقع منطقتنا وحساسيتها التاريخية وخصوصيتها الثقافية. وإذا كنا قد خلعنا الجنسية، فليس لأن لدينا وطنا بديلا عن المغرب، بل لكي نلفت، وبقوة، انتباه الدولة والمجتمع إلى وضعنا المزري في السجون وإلى عذابات عائلاتنا. وإذا كنا، الآن، ننتصر للعلم الوطني، فلكي ننفي عنا تهمة الانفصال». لقد تحدث الزفزافي في رسالته عن أنه ورفاقه، عندما كانوا يجوبون الأزقة والشوارع والأحياء، ويسألون الناس عن انتظاراتهم من الحراك، كانوا يعبرون لهم عن مطالب اجتماعية واقتصادية وثقافية.. فيما كان من سماهم بـ«شرذمة الانفصاليين» يرفعون شعار: «مِن تقرير المصير إلى إسقاط ناصِر».

إن ما جاء في رسالة ناصر الزفزافي يجد صداه في تقرير مجلس أحمد رضا الشامي، الذي تحدث عن صعود جيل جديد من أشكال الاحتجاجات الاجتماعية، مثل احتجاجات سكان طنجة على غلاء أسعار فواتير الماء والكهرباء سنة 2015، أو مسيرات كليات الطب سنة 2016، أو احتجاجات الحسيمة أو جرادة أو زاكورة. لقد أكد تقرير الشامي أن هذه الأشكال تتسم بخصائص معينة؛ منها «استعمال شبكات التواصل الاجتماعي منصات للتعبئة، وعدم اللجوء إلى الفعاليات والهيئات التقليدية الوسيطة (الأحزاب والنقابات)، وغياب إيديولوجيا مشتركة بين المشاركين في الحركات الاحتجاجية…

لقد استعمل تقرير الشامي تعبير «الاستياء الشعبي العام» للدلالة على نظرة المغاربة إلى الوضع الاقتصادي والاجتماعي والحقوقي الهش والمحتقن، وأكد أن الاحتجاجات الجديدة جعلت تحركات الجماهير غير متوقعة، بفعل الثورة الرقمية، وأن الأحزاب والنقابات والجمعيات مطالبة –إذا أرادت أن تطيل عمرها وتعطي معنى لوجودها- بأن تغير نفسها، سواء في ما يتعلق بالخطاب أو التنظيم أو الهيكلة أو بنية الأعضاء، تماشيا مع جيل الثورة الرقمية.

فهل هناك آذان في الدولة تستمع إلى صرخة الزفزافي وتحذيرات الشامي؟ وهل هناك عيون في الدولة تنظر إلى ما حدث ويحدث في الجزائر والسودان والعراق ولبنان؟ وهل هناك عقول في الدولة تقول للمغاربة، حاكمين ومحكومين، غاضبين ومغضوب عليهم: تعالوا إلى كلمة سواء، وإلى عفو عام ومصالحة أعم، وانفراج سياسي، وديمقراطية حقيقية.. تعالوا نجعل المغرب استثناء حقيقيا.. استثناء اقتناع وتعاقد، حتى نقطع، جميعا، الطريق على من يقول إن الاستثناء المغربي هو مجرد اضطرار في لحظة انفجار؟.