منير أبو المعالي يكتب: هل قلت: تحالف تنموي!

منير-ابو-المعالي منير-ابو-المعالي

الرأي

كنا نسمع بـ«الكتلة الديمقراطية»، وهي تحالف سياسي جمع بين يساريين ومحافظين ديمقراطيين، لم يدم أكثر من عشر سنوات، ثم وجد طريقه مرتبا نحو القبر. وكنا نسمع عن «الوفاق»، لكنه لم يكن أكثر من تجمع خيالي لبعض الرجال المفتقرين إلى أي قدرة على قول ما يشاؤون. 

وقد سمعنا عن «جبهة وطنية» كان يسعى إليها شخص يساري نوى أن يبني سورا عظيما بمساعدة الإسلاميين في مواجهة زحف حزب الأصالة والمعاصرة، لكنه سرعان ما رمى بها وراء ظهره بمجرد ما ضمن لنفسه منصبا حكوميا. 

وقد سمعنا، لاحقا، بالشخص نفسه، وهو يستعرض التنظير الروتيني نفسه حول «جبهة ديمقراطية» يشكلها بمعية حزب الأصالة والمعاصرة نفسه، وإن كان، في الواقع، قد شكلها مع شخص واحد هو إلياس العماري، يكون هدفها حزب العدالة والتنمية. وقد سمعنا كذلك عن تحالف G8، أو ما كان مدرجا في الأوراق الرسمية كـ«تحالف من أجل الديمقراطية»، وهو تجمع أفسدته نتائج الانتخابات في الشهر الموالي.

كانت الهواجس السياسية تطبع التحالفات بين الأحزاب كل مرة دعت فيها الحاجة إلى ذلك. وقد رأينا تحالفات غريبة يجري فرضها قسرا على الحكومات. من المألوف فعل ذلك، كما يجري عادة فعل ذلك للأشخاص الذين يلبسون قميص حزب في صباح يوم تعين فيه حكومة عند الظهيرة. 

لكن هذه أول مرة نسمع فيها شيئا اسمه «تحالف تنموي»، وإن كانت العبارة قد صُكت في مجلس جماعي ناء، فإننا عادة لن نلقي بالا لذلك، لكنهما كلمتان ثقيلتان نطق بهما لسان مسؤول حزبي رفيع المستوى –إن جاز التوصيف- هو سليمان العمراني، نائب الأمين العام لحزب العدالة والتنمية. 

وفي الواقع، لم تكن تلك العبارة من أفكاره، فقد تبين، فيما بعد، أن الرجل خرج يحملها من اجتماع قيادته السياسية وكأنها العبارة الوحيدة التي مازال لها رنين في أذنيه.

وفي حقيقة الأمر، فإن التحالف التنموي هو كل ما بقي للسياسيين أن يبدعوه لتبرير الارتباطات الهشة بين الأحزاب. وحيث ليس للسياسة قيمة بعد الآن، فإن التنمية يمكنها أن تملأ الفراغ. لا يشبه ذلك تلك المناقشات حول الديمقراطية والتنمية، لكنه باب خلفي نحوها.

لم يعد هناك داع لتحالف سياسي، وقد أفرغت السياسة من معانيها، وغُللت أيادي الأحزاب. لم يعد مهما من يومئ برأسه موافقا، ومن يعارض ورأسه مطأطأ. لم تعد هناك رحمة في الاختلاف، والمخالفون هم، في غالب الأحوال، ضائعون، أو هامشيون. 

ليست هذه مسألة قيم أو خطأ أو صواب. لا تخسر الأحزاب السياسية كثيرا بسبب طريقتها في الإدارة المبعثرة للتحالفات، لكنها تنكشف للناس على ما هي عليه؛ كيانات صلفة. في الحكومة المركزية، يتحالف حزب العدالة والتنمية مع كل من يتحرك. لم يظهر سوى وعيد انتخابي للقضاء على حزب العدالة والتنمية، لكنه لم يقضِ على آمال التحالف بعد الانتخابات.

للانتخابات طقوس، وقد قيل إن تلك الحروب عادة ما تتحول إلى مواجهة بين الجميع ضد الجميع، ثم تندمل الجراح في يومين، ويفتح الباب لحفل الابتسامات المتكلفة. لا يمكن تصديق أن حزب العدالة والتنمية، المتلهف إلى مكافحة النزعات القمعية للسلطة داخل الحقل السياسي، يرى منطقا في أن يحارب حزبا كالأصالة والمعاصرة، لكي يحكم بجانب حزب آخر كالتجمع الوطني للأحرار. 

كان «البام» خصما للبيجيدي، بقدر ما كان الأحرار كذلك. لكن البيجيدي لم ير ذلك. هذا الحزب كان يخاطر بسمعته وهو يهرول خلف نظرية غامضة تدعى «التحكم»، معلنا حربا مقدسة ضد أدواته. كان «البام» ضحية نفسه كما لغيره، وقد كان له أيضا ضحايا كثر في الطريق. 

لا يمكن أن تمحى ذكرى بيان حزب الحركة الشعبية الذي يدين عبد الإله بنكيران وهو أمين عام لحزبه، فقط لأنه ألقى خطابا في مؤتمر ذلك الحزب، ورمى بـ«البام» خارج قائمة الأحزاب الوطنية. الحركة الشعبية ذاتها وجدت نفسها مضطرة إلى أن تشارك في تحالف الثمانية (G8)، وكلها أمل في ألا يكون للبيجيدي يوم بعدها. لكن كل شيء تلاشى لاحقا. 

امحند العنصر نفسه كان واضحا وهو يميز بين أحاديث الانتخابات، وبين دروس نتائجها، لقد رمى بنفسه أولا داخل حكومة بنكيران، وظهر في صورة ملحمية وهو يرفع ذراعه ملتصقة بذراع بنكيران دون «البام» ودون الأحرار. إنها تشبه تلك الصورة التي رفع فيها العنصر نفسه ذراعه منتشيا بنصر مسبق داخل فندق بالرباط، بجانب زملائه في تحالف الـG8. 

السياسة في المغرب صندوق ساخرلا تفقد السياسة معانيها إلا إذا خذلها رجالها. بنكيران نفسه لم يشأ التحالف مع إدريس لشكر، إلا لأن هذا الاتحادي المتحذلق علق رقبته لدى حزب آخر، أي التجمع الوطني للأحرار. وعزيز أخنوش ليس خصما لبنكيران، لكن الخصومة، في بعض المرات، ليست سوى نتيجة ضيق صدر رجل صبور. 

لا يفهم الناس العاديون شيئا مثيرا للاهتمام في كل ذلك، وكل هذه الصور لا تهم في نهاية المطاف. أعضاء الأحزاب وحدهم من يكترثون. من يهتم الآن بحزب الاستقلال؟ إن الناس مازالت تنظر إليه وهو في المعارضة، كما نظرت إليه وقد عمّر في الحكومة. إذا كنت عاجزا عن فهم ما يجعل حزبا خارج الحكومة وحزبا داخلها، فإنك شخص طبيعي.

ليس هناك رهان، ومثل العدالة والتنمية مثل الأصالة والمعاصرة. الوجوه مختلفة، لكن حدود العزم واحدة، وهي ليست درجة صفر، وإنما تسير نحو التجمد بثبات. لقد فقدت التحالفات ذلك المذاق الحلو على اللسان، وليس هناك سعي –وربما لم يكن- إلى فعل أي شيء خارج التدبير. يمكننا مناقشة الأهلية في التدبير، والنجاعة في تنفيذ الاستراتيجيات، والجدارة في التصورات، لكنها تبقى مجرد برامج تقنية مملة. إذا كنت تملك هيئة رقابة فعالة على الأموال العامة، يمكنك أن تحصد النتائج نفسها كما لو عينت محمود عرشان وزيرا أول، ووضعت مصطفى الرميد وزيرا للعدل عنده.

أصبحت التحالفات التقنية حلا لمأزق السياسة في البلاد. عندما يفشل السياسي في الإقرار بعجزه الديمقراطي، يصيح قائلا: «هلم لنحقق التنمية»، لذلك، لا غضاضة في أن يكون بين «البيجيدي» و«البام» حلف. هذه الطريقة المحتالة لم تعد مفاجئة الآن.

كان محمد عابد الجابري يبشر بكتلة تاريخية بين اليمين واليسار. كان الرجل محكوما بموازين قوى مندثرة في الوقت الحالي، ومحاطا برجال كلهم تحت التراب الآن. لو بقي الجابري حيا حتى اليوم، ربما كان سيكتفي بأن يدعو لهؤلاء السياسيين بالهداية فحسب.