مصطفى بوكرن يكتب: ولد الكرية قدس الله سره

مصطفى بوكرن مصطفى بوكرن

الرأي

غالبية البشر، يتشوقون إلى لحظة الخلاص، وينتظرون مهديا منتظرا، ليخلصهم من واقعهم البائس، طمعا في المستقبل المشرق. حصلتُ على شهادة الماستر في 2014. كنتُ أحلم بعمل، يحقق لي استقرارا ماديا واجتماعيا.

يلاحقني وجه أمي باستمرار، أراه راضيا بقدر الله، لكنه يخفي حزنا دفينا. أتخيل نفسي موظفا في وزارة العدل، حصلتُ على «الرابيل»، وجئت به إلى أمي، فأشرق وجهها بنور البهجة. تبخرتْ أحلامي الصغيرة والكبيرة، واحترق ما حصّلته من المعرفة في فُرن الكآبة اليومية.

أصبحتُ بائع عصير الليمون في شوارع مدينتي، أحصي المارة، وبين الفينة والأخرى، أشعر بدمعة تسللت من أهدابي، لأنني رأيت- فجأة- أحد زملاء الدراسة، يقود سيارته، ويرتدي الملبس الأنيق، وبجواره زوجة جميلة، وخلفه طفل، ينضح وجهه بحمرة الحياة. أندب حظي العاثر، وأقمع فورا شعور الحسد الحارق. أخفي عيني تحت قبعتي، لكي لا يعرفني أحد.

أتجول بين الأعمال الحرة، كما أتجول في أزقة حيي. لا أستقر على عمل. بعتُ الملابس الداخلية للرجال والنساء. تجولتُ في المقاهي، لبيع الفواكه الجافة. حملتُ الأكباش في عيد الأضحى. بعتُ «الشباكية» في رمضان. حملتُ صندوق المثلجات في فصل الصيف. بل قمت بأشياء لا تخطر على البال: جمعت ليالي ماريو، ونشرتها في قناة على اليوتيوب، لأشتري الدواء لأمي.. كنتُ أبذل مجهودا جبارا، لأساعد أسرتي على أن تحاول العيش.

أجلتُ الاستجابة لرغباتي الذاتية في الحياة، وأنتظر بشوق، مباريات التوظيف. إذا استُدعيتُ لاجتياز المباراة، أرى يوم الامتحان، ألوفا من المعطلين، جاءوا للتنافس على فُتات المناصب، فأصاب بالإحباط. 

لا ترى عيناي إلا السواد، وأنتظر مخلصا ينزل من السماء. أزداد غضبا، حين أقرأ أن ثروات بلدي تأكلها فئة قليلة. أزداد تذمرا، حين أرى، أن من يجهر بالحق، يكون سبيله الاعتقال والسجن. قرّرتُ البحث عن ولي صالح ينقذني من بؤسي، ويدافع عن الشعب. أخبرني صديق، بظهور ولي، يحج إلى منزله الآلاف، فحججت إليه.

عرفتُ أن اسمه عبدالإله بنكيران، وهو زعيم الزاوية المصباحية. تأثرتُ بهذا الولي، كان يخبرنا برؤى منامية غريبة، يؤكد لنا، أنه يرى التماسيح والعفاريت مناما ويقظة. بشرنا بالخير العميم، بعدما يقضي على هذه الحيوانات، بكراماته الخارقة، التي سيحشد فيها جنوده من الملائكة والجن.

كنا نبكي ونشعر بطمأنينة عجيبة في زاويته، كان وردنا اليومي، تكرار لفظ: «التحكم» ألف مرة، على إيقاع نغمة مقتبسة من الطرب الأندلسي. كانت الصدمة مؤلمة، اكتشفنا أن بنكيران، ليس وليا صالحا، ولا قدرة له على تسخير الجن والملائكة. اكتشفنا فقط، أن له قدرة عجيبة، في الاستفادة من السبعة ملايين، ليتقاعد في منزله، ويشرب الشاي ويأكل الكعك في صالونه بحي الليمون.

حملتُ حقيبتي على ظهري، وقطعت الجبال والوديان، للبحث عن ولي صالح يخلصني من بؤسي، ويدافع عن الشعب. دلني الناس في سفري، إلى البحث عن رجل يقيم على رأس جبل، اسمه «غار أفريقيا». كنتُ أقطع المسافات الطويلة، مشيا على الأقدام، أصوم بعض الأيام، ولا أتوقف عن قيام الليل، وتلاوة الأذكار. وقفتُ أمام عتبة الغار، فخرج لي، رجل كهل، لا يرتدي الأسمال، أنيق الملبس.

ظل يخاطبني، بهذه الكلمة: الثقة، الثقة، الثقة. استطاع أن يتملك روحي، التحقتُ بزاويته الحمامية. كانت تجمعات زاويتنا، تسودها أجواء روحانية غريبة، مع الاستمتاع بما لذ وطاب. كنتُ أظن أن عزيز أخنوش هو الولي الصالح، الذي سينقذ الشعب. لكنني فوجئت، أن هذا الولي، لم يستطع أن يدافع ولو بنصف كلمة، عن صلاح الدين مزوار، أحد الأقطاب الروحانيين للطريقة الحمامية، والذي وصفته وزارة الخارجية: بالأرعن والمتهور.

غادرتُ الطريقة الحمامية، وسافرتُ بحثا عن ولي صالح، ينقذني من بؤسي، ويجد حلا لمشاكل البلاد السياسية والاقتصادية والتعليمية.. وفي هذه الأيام المباركة، أيام المولد  النبوي، ابتهجتُ روحي، بظهور ولي صالح جديد. لم أحمل متاعي على ظهري للبحث عنه، ولا تجولت في الجبال والهضاب والسهول. هذا الولي، هو من طرق بابي، وظهر فجأة، على شاشة حاسوبي، وانتصب أمامي زعيما روحيا، يمهد الطريق لقيادة البؤساء مثلي، نحو التحرر والتنمية.

إنه الولي الصالح ولد الكرية قدس الله سره. جاءني بورد روحاني عجيب عنوانه: «عاش الشعب»، يخالف وِرد بنكيران: «التحكم» ووِرد أخنوش: «الثقة». جلست أبحث عن أسرار حياته، اكتشفتُ أنه دخل السجن 28 مرة، فأرقني هذا السؤال: كيف لولي صالح يعيش البؤس أن يخرجني من بؤسي؟ تأملتُ طويلا، وقررت أن أتحول إلى ولي صالح، أرفع شعار: «الجنس الرضائي»، لينتعش حسابي البنكي، ولأنقذ نفسي من البؤس.6