الكراوي: هكذا حاربت “جيوب المقاومة” عبدالرحمان اليوسفي

عبد الرحمان اليوسفي - تصوير رزقو  (5) عبد الرحمان اليوسفي - تصوير رزقو (5)

إفشال كراء أراضي فلاحية للشباب و"تهريب" شباب الألفية ووأد وكالة إنعاش الاقتصاد في الخارج

حصلت “أخبار اليوم” على مقتطفات من الكتاب الجديد، الذي يستعد رئيس مجلس المنافسة، إدريس الكراوي، لإصداره حول تجربته داخل ديوان عبدالرحمان اليوسفي في فترة قيادته حكومة التناوب. هذا الجزء الذي تنشره “أخبار اليوم”، يتعلّق بجيوب المقاومة التي واجهتها تلك الحكومة، متضمنا أمثلة حية من تلك المقاومة التي تكلم عنها عبدالرحمان اليوسفي نفسه.

ويميّز الكراوي، في شهادته هذه، بين نوعين من الجيوب التي بصمت مرحلتين من مقاومة حكومة التناوب.

ففي مرحلة الملك الراحل الحسن الثاني، كان وزير الداخلية الراحل إدريس البصري، أحد الرموز الذين قادوا اللحظات القوية للتشويش أحياناً، والعرقلة في أحايين أخرى، على تجربة التناوب.

ففي هذه المرحلة كان إدريس البصري إما يقاوم التجربة مباشرة من خلال عدم الامتثال الكلي لتنفيذ البرامج التي تدخل في نطاق صلاحية وزارة الداخلية والمصالح التابعة له، وإما كان يستعمل صداقاته في حزب ونقابة الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الأستاذ عبدالرحمان اليوسفي لخلق المتاعب، وتعكير الأجواء، وزرع بؤر التفرقة للحيلولة دون حصول الإجماع الحزبي والنقابي الضروري لإعطاء الزخم الأقصى لتسريع وثيرة الإصلاحات.

ويشير الكراوي إلى أن البصري كان على بينة بما ينتظره كوزير الداخلية بعد رحيل الملك الحسن الثاني؛ “لذا كانت مقاومته للوزير الأول المعين تراعي إرادة جلالة الملك، رحمه الله، في توفير شروط إنجاح تجربة أرادها جلالته وحرص على إحاطتها بالثقة الصادقة والكاملة في شخص الأستاذ عبدالرحمان اليوسفي الذي اختاره المرحوم الحسن الثاني لقيادة الانتقال الديمقراطي بالبلاد”.

لهذا كان البصري، حسب الكراوي، يزن تعامله مع حكومة التناوب بطرق، ودرجات، وأشكال لا تخلخل في العمق هذه التجربة، ولا تقطع حبل المودة مع الوزير الأول، ومن خلاله مع الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ونقابته، التي كانت تربطه مع بعض قياداتهما وأطرهما النافذة علاقات صداقة قديمة ووطيدة.

أما المرحلة الثانية، وهي عهد الملك محمد السادس، فعرفت بزوغ وتطور جيل جديد من جيوب المقاومة متعددة المصادر، “مشكلة تارة من بعض مكونات الأغلبية، ممن لهم مصلحة سياسية في إفشال التجربة، وتارة أخرى جيوب مقاومة من داخل حزب الوزير الأول، وحتى من داخل الوزارة الأولى، وجزء آخر من هذه الجيوب كان يحسب على الدوائر المقربة من القصر”.

 

في كتابه الذي يستعد لتقديمه للقراء بمناسبة المعرض الدولي للنشر والكتاب بداية فبراير المقبل، يكشف الرئيس الحالي لمجلس المنافسة، وأحد الذين اشتغلوا عن قرب مع عبدالرحمان اليوسفي أثناء ترؤسه حكومة التناوب، كيف واجهت هذه الأخيرة “جيوب المقاومة”. ويقدّم الكراوي أمثلة محددة لبعض الملفات التي واجهت فيها الحكومة هذه المقاومات، ومن ضمنها إفشال مشروع إحداث الوكالة الوطنية للإنعاش الاقتصادي في الخارج، وإلغاء مشروع كراء الأراضي الفلاحية التابعة لملك الدولة لفائدة خريجي المعاهد العليا للتكوين الزراعي، ثم محاولة “تهريب” شباب الألفية الثالثة عشية آخر عيد الشباب على عهد الراحل الملك الحسن الثاني.

يستشهد إدريس الكراوي في الجزء المخصص لجيوب المقاومة من كتابه الذي يحمل عنوان: “عبد الرحمان اليوسفي: دروس للتاريخ”، بما قاله هذا الأخير في كتاب مذكراته، حين عرّف “جيوب المقاومة” بكونها “كل من تمكّن من بناء مصالح أثناء العهود السابقة، أو لايزال، ويرى في التغيير وفي التجديد تهديداً لمركزه الاقتصادي أو مركزه السياسي”. ثم يستند الكراوي إلى ما عاينه شخصيا من حالات يمكن إدراجها ضمن خانة جيوب المقاومة. “ففضلاً عن الملفات المعروفة لدى المتتبعين ممن عاشروا جزئياتها من داخل “مطبخ” القرار، كالخطة الوطنية للمرأة، والاجتماع مع الولاة والعمال، وتنظيم مؤتمر منظمة العفو الدولية، هناك ثلاثة ملفات كنت مسؤولاً شخصياً عن تدبيرها تظهر بما لا يدع مجالا للشك عن وجود هذه الجيوب، وعن قدرتها ليس فقط، على مقاومة، بل وعرقلة ونسف مشاريع مهمة بأكملها، وأخرى ذات وقع رمزي تنم على درجة وطبيعة التشويش بهدف إفشال تجربة التناوب عبر الحد من فعالية الإصلاحات الكبرى التي كان يقودها الأستاذ عبدالرحمان اليوسفي”.

إفشال مشروع إحداث الوكالة الوطنية للإنعاش الاقتصادي في الخارج

يروي إدريس الكراوي كيف أنه وخلال شهر غشت 1998 قرر الوزير الأول عبدالرحمان اليوسفي ترشيد حكامة الإنعاش الاقتصادي للمغرب بالخارج، وذلك بعد معاينته لعدم وجود قيادة مؤسسية موحدة تسهر على عمليات التنسيق بين المتدخلين بهدف تحقيق الالتقائية الضرورية، والتجانس اللازم للسياسة والبرامج بهذا الشأن. فبالإضافة إلى مديرية الاستثمارات الخارجية التابعة لوزارة الاقتصاد والمالية، والبعثات الدبلوماسية للمغرب بالخارج، ومكتب معارض الدار البيضاء، والمكتب الوطني للصيد، والأبناك، وغرف التجارة والصناعة والخدمات، فإن الإنعاش الاقتصادي للمغرب بالخارج كانت تقوم به، أساساً، أربع هيئات ومؤسسات، هي كل من المركز المغربي لإنعاش الصادرات، المحدث سنة 1975، والذي لم يتم تفعيله إلا في سنة 1980؛ ومكتب التنمية الصناعية، المحدث سنة 1973 في خضم عملية المغربة، وذلك من أجل إنعاش الصناعة الوطنية بوساطة إنجاز الدراسات والمشاركة في تنمية القطاع الصناعي جهوياً؛ ودار الصانع، المحدثة في شهر فبراير 1988، التي من ضمن مهامها إنعاش الإنتاج التقليدي الوطني وتصديره، والبحث عن الأسواق، والتدخل في الإنتاج من أجل ملاءمته مع متطلبات الطلب الخارجي، وذلك بوساطة تنظيم المعارض بالخارج، والتعريف بالمنتج التقليدي المغربي، وتكوين الصناع، وإنجاز أبحاث على مستوى التراب الوطني؛ ثم أخيرا المكتب الوطني المغربي للسياحة، المحدث في شهر أبريل 1996 والمختص في تنظيم مشاركة المغرب في معارض بالخارج، وتنظيم حملات للإشهار المؤسساتي، والمساهمة في تسويق المنتج السياحي الوطني، وتنشيط العلاقات لفائدة القطاع من خلال مندوبياته الجهوية، وتمثيلياته الثلاث عشرة بالخارج…

فقد تبين لمصالح الوزير الأول من خلال الوقوف على هذه الوضعية بأن الإنعاش الاقتصادي للمغرب بالخارج، هو من اختصاص مؤسسات متعددة ذات أنظمة قانونية خاصة بها، وموارد وقدرات بشرية، ومهام واختصاصات محددة لكل واحدة منها. وترجع هذه الوضعية إلى غياب رؤية شاملة للتعريف الاقتصادي للمغرب بالخارج، ولعدم وجود استراتيجية وطنية واضحة، وكذا أهداف موحدة ومحددة بدقة، مما ينتج عنه تداخل في المهام والاختصاصات، بالإضافة إلى خصاص في التنسيق بين أنشطة مختلف المتدخلين العموميين والخواص.

واعتباراً لتقييم النتائج غير المرضية بسبب وضعية تشتت النشاط الوطني بهذا الشأن، وعلى ضوء تجارب بعض البلدان المنافسة للمغرب، والتي حققت نتائج أفضل في هذا المجال، قرر عبدالرحمان اليوسفي الفصل بين أنشطة إنعاش الاستثمارات الوطنية والأجنبية، بوساطة خلق شباك وحيد، والتوجه نحو إحداث بنية موحدة للإنعاش الاقتصادي للمغرب بالخارج. وتقرر إلحاق هذه البنية بمصالح الوزير الأول كمؤسسة عمومية ذات الشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي، على أساس الموارد البشرية والمالية الموجودة لدى كل قطاع على حدة . على أن تقوم هذه البنية الموحدة بأربعة مهام رئيسة، هي: أولا، الرفع من العرض التصديري للمغرب من المواد الفلاحية، والفلاحية-الصناعية، والصناعية، والتقليدية، والخدماتية، وثانيا: إنعاش المنتج السياحي الوطني، وثالثا: تحسين وتوحيد صورة المغرب بالخارج، ثم أخيرا، المساهمة في تطوير الشراكة بين الفاعلين المغاربة والأجانب في الأسواق المحتملة.

كما كان مقرراً في هذا الباب إعداد رؤية شاملة محددة بوضوح للسياسة الوطنية  للإنعاش الاقتصادي للمغرب بالخارج، وكذا استراتيجية منسجمة مبنية على أنشطة موحدة، ومتناسقة، ومستهدفة على المستويين العام والقطاعي.

وتحضيراً لإحداث هذه الوكالة تقرر حينه القيام بثلاث عمليات أساسية مسبقة، هي افتحاص الهيئات الموجودة والمعنية بمسلسل التجميع ضمن الوكالة الوطنية المزمع إحداثها (المركز المغربي لإنعاش الصادرات، مكتب التنمية الصناعية، المكتب الوطني المغربي للسياحة، ودار الصانع)، وتوضيح إطارها القانوني على ضوء خلق البنية الموحدة، ثم تهييء الفاعلين للوضعية الجديدة قصد توفير شروط نجاح تجميع هذه الهيئات، وتوحيد الرؤية والاستراتيجية، وذلك وفق مقاربة تشاركية تأخذ بعين الاعتبار كل الجوانب المرتبطة بإعادة الهيكلة هاته.

وخلال شهر ماي 1999 عقدت عدة اجتماعات بمقر الوزارة الأولى لدراسة مشروع القانون المحدث للوكالة الوطنية للإنعاش الاقتصادي للمغرب في الخارج، والذي سهرت على إعداده السيدة لطيفة الشيهابي، مديرة الدراسات والتخطيط الصناعي آنذاك بوزارة الصناعة والتجارة والطاقة والمعادن. إلا أن هذا المشروع لقي مقاومة شرسة، “على وجه الخصوص، من لدن المكتب الوطني المغربي للسياحة، ودار الصانع”، يقول إدريس الكراوي، وذلك لسببين رئيسيين: أولهما، ناتج عن تخوف المسؤولين آنذاك، مما كان سيواكب إعادة الهيكلة التي كان سيقوم بها الوزير الأول، وما كان سيترتب عنها من زاوية التطهير والمراقبة والمحاسبة، وثانيهما كون هذه المؤسسات كانت تشغل كمندوبين بعدد من العواصم خارج المغرب أبناء عدد من ذوي النفوذ داخل دواليب السلطة المركزية، وكذا عدد من المقربين من مصادر القرار الحساس بالبلاد. واستمرت عملية عرقلة هذا المشروع إلى أن تم التخلي عن هذا الإصلاح الكبير والضروري بعد رحيل حكومة التناوب.

إلغاء مشروع كراء أراضي الدولة لذوي التكوينات الزراعية

في محاولة من حكومة التناوب لتسهيل إدماج خريجي المعاهد العليا للتكوين الفلاحي الباحثين عن عمل، تشكلت سنة 1998 لجنة بين وزارية تحت رئاسة الوزير الأول، عهد إليها القيام بتنسيق عملية إدماج هذه الفئة من الخريجين. وتم بهذا الصدد تحديد خمسة تدابير تهم كراء أراضي فلاحية تابعة لملك الدولة الخاص، لإحداث مقاولات خدماتية مرتبطة بالأنشطة الفلاحية بالعالم القروي، وإنعاش التشغيل بالهيئات والتعاونيات الفلاحية والاستغلاليات الفلاحية الخاصة، والإدماج عن طريق حث مكاتب الدراسات الخاصة على توظيف الأطر بصفة دائمة، ثم تفعيل صندوق إنعاش تشغيل الشباب.

وخضعت العملية المتعلقة بكراء الأراضي الفلاحية التابعة لملك الدولة الخاص إلى دراسة معمقة من طرف لجنة وزارية مكونة من ممثلي وزارات الداخلية، والاقتصاد والمالية والخوصصة والسياحة، والتشغيل والتكوين المهني والتنمية الاجتماعية والتضامن، والفلاحة والتنمية القروية والمياه والغابات، نتج عنها وضع مشروع منشور يحدد شروط وكيفيات تفعيل هذه العملية.

وتهدف هذه الاتفاقية إلى تنفيذ برنامج لتسهيل إدماج مئة من هؤلاء الخريجين سنوياً، وذلك على مدى ثلاث سنوات، من خلال كراء أراضٍ فلاحية، أو إحداث مشاريع فلاحية، أو وحدات التغذية الفلاحية، أو مقاولات خدماتية مرتبطة بالأنشطة الفلاحية، أو الإدماج في التعاونيات أو الاستغلاليات أو المقاولات الفلاحية الخاصة أو وحدات التغذية الفلاحية.

وكان مشروع المنشور الذي تم تحضيره، يروم تنفيذ الإجراء الأول من هذه الاتفاقية المتعلقة بكراء قطع أرضية للذين يستوفون الشروط المنصوص عليها في هذا المنشور، تقدر مساحتها الإجمالية بـ 8000 هكتار من الأراضي الفلاحية التابعة لملك الدولة الخاص، المسيرة آنذاك من طرف شركتي الدولة “صوديا” و”صوجيتا”، والموزعة على 17 إقليماً وعمالة، و27 جماعة قروية.

وقد كان مقرراً أن يستفيد من هذه العملة نحو 220 شخصاً، من بينهم 117 خريجاً، و43 من بين مسيري الوحدات الإنتاجية المعنية وتقنيين تابعين للشركتين المذكورتين. ونظراً، إلى ضعف المساحة التي كانت ستخصص لهذه العملية وقلة عدد المستفيدين منها، مقارنة مع أهمية عدد الخريجين للخريجين الباحثين عن العمل، ولتأثيرها المحدود على عملية إدماجهم في الحياة المهنية، فإنه لم يكن من الممكن الاكتفاء بهذه العملية وحدها حل معضلة هؤلاء الخريجين، وذلك بسبب الانعكاسات التي من المحتمل أن تنتج عن هذه العملية، والمتمثلة في المطالبة بالاستفادة من هذه العملية من طرف الخريجين غير المستهدفين من هذا المنشور، والانعكاسات الاجتماعية المتمثلة في مطالبة عمال الوحدات الإنتاجية المعنية والفلاحين الصغار المجاورين لها بالاستفادة من هذه الأراضي، و الاعتماد على هذه العملية كسابقة قد يلجأ إليها الخريجون في المستقبل للمطالبة بالاستفادة منها، دون أن يتسنى للدولة الاستجابة لها بسبب عدم توفر رصيد عقاري فلاحي كاف لهذا الغرض.

وفي هذا الصدد، جرى القيام ببحث معمق حول الإجراءات الواجب اتخاذها لتفعيل التدابير الأخرى المقترحة، ولا سيما تلك المدرجة في الاتفاقية والمتمثلة في إحداث مشاريع فلاحية أو وحدات التغذية الفلاحية أو مقاولات خدماتية مرتبطة بالأنشطة، وإدماج الحرفيين في التعاونيات أو الاستغلاليات أو المقاولات الفلاحية الخاصة، أو وحدات التغذية الفلاحية.

وبعد استكمال البت في مختلف جوانب هذه العملية، التي كانت ستكون الأولى من نوعها على الصعيد الوطني، بعث عبدالرحمان اليوسفي بتاريخ 12 يونيو 2001 بمذكرة يُهيب بها من وزير الفلاحة والتنمية القروية والمياه والغابات، مولاي إسماعيل العلوي البدء بتنفيذ هذه العملية، وذلك من خلال التقيد الصارم بالشروط المتعلقة بمواصفات المستفيدين، والسهر على تنفيذ كل المقتضيات المحددة لمساطر وضع ملفات ترشيح المستفيدين المحتملين من خريجي المعاهد العليا للتكوين الزراعي، مع العمل على تشكيل اللجان الوطنية والجهوية المناط إليها بتنفيذ وتتبع وتقييم مجموع العمليات، بدءاً بإيداع ملفات الترشيح إلى الاختيار النهائي للمرشحين، وتعيين الضيعات، ومباشرة الإنتاج طبقاً للشروط المنصوص عليها ضمن دفتر التحملات المعد لهذا الغرض.

بعد الانتهاء من كل المراحل التحضيرية، بما في ذلك الجوانب المرتبطة بالتمويل، ستعترض على تفعيل هذا المشروع جهات من داخل دائرة الجهاز التنفيذي، حسب رواية إدريس الكراوي، حيث تذرعت بكون كراء الأراضي في ملك الدولة الخاص يتوجب إرجاؤه، إلى حين البت النهائي في مصير الأراضي التي كانت تديرها شركتي “صوديا” و”صوجيتا”، اللتين هما موضوع عملية خوصصة في المنظور القريب.

هذا فضلاً عن التخوفات التي عبرت عنها مصالح وزارة الداخلية، التي كانت ستتكلف بالمتابعة الميدانية لإنجاز المشاريع من طرف المستفيدين وتقييم نتائجها، نظراً إلى كون اللجان الجهوية التي كانت ستحدث لهذا الغرض يترأسها والي الجهة، بمعية عمال الأقاليم والعمالات، الذين يترأسون اللجنة الإقليمية المصغرة، التي عُهد إليها بمراقبة احترام الالتزامات من طرف خريجي مؤسسات التعليم الفلاحي المكترين للأراضي الموجودة داخل تراب نفوذهم.

وهذا ما حال بدوره دون تجريب هذه الواجهة الجديدة في مجال الإدماج المهني الذاتي النوعي لهذه الفئة من حاملي الشهادات العليا في قطاع حيوي من اقتصادنا الوطني.

“تهريب” شباب الألفية الثالثة من طرف البصري

بعد القيام بالاستشارة الوطنية الواسعة التي همّت زهاء 350.000 شابة وشاب يمثلون جميع أنحاء البلاد، جرى يوم 8 يوليو 1999 ببوزنيقة تنظيم مؤتمر وطني لشباب الألفية الثالثة تحت رعاية الملك محمد السادس، ولي العهد آنذاك. وأفرز هذا المؤتمر وفداً مكوناً من 20 شابة وشابا جرى انتخابهم لتمثيل المغرب في أشغال المؤتمر الدولي لشباب الألفية الثالثة، الذي انعقد بجزر هاواي بالولايات المتحدة الأمريكية خلال شهر أكتوبر 1999. قبل الملك الراحل، الحسن الثاني، استقبال هؤلاء الشباب بمناسبة الذكرى السبعين لميلاده، يوم السبت 10 يوليوز 1999.

إثر ذلك، أخبر عبدالرحمان اليوسفي مستشاره إدريس الكراوي بالأمر، واتصل به أحمد الحليمي العلمي، الوزير المكلف بالشؤون العامة للحكومة، ليحيطه علماً بالجوانب التنظيمية والعملية لهذا الاستقبال. “وفي هذا الصدد، طلب مني مرافقة الوفد الشبابي عشية يوم الجمعة 9 يوليو1999 إلى مركب مولاي رشيد الطفولة والشباب ببوزنيقة قصد قضاء الليلة هناك، على أن نغادر بوزنيقة صبيحة يوم السبت 10 يوليوز 1999 على متن الحافلة التي وضعتها الوزارة الأولى رهن إشارة الوفد الشبابي، قصد التوجه إلى القصر الملكي العامر بالرباط، حيث أقيمت الاحتفالات”، يقول الكراوي في كتابه.

في صبيحة ذلك اليوم، كانت مفاجأة الكراوي كبيرة حين اكتشف أن أعضاء الوفد غادروا مبكراً مقر إقامتهم بمركب الطفولة والشباب ببوزنيقة صوب وجهة مجهولة. “ومباشرة بعد وقوفي على حيثيات هذه النازلة اتصلت بالوزير الأول، والوزير المكلف بالشؤون العامة للحكومة لإخبارهما بما حدث. وبعد القيام بالتحريات الضرورية بهذا الشأن، اتضح أن وزير الداخلية إدريس البصري رحمه الله، هو من قام بهذه العملية ضمن سيناريو كان محبوكاً مسبقاً دون إحاطة الوزير الأول، ووزير الشؤون العامة علماً بتفاصيله، وذلك رغبة منه في الانفراد بتنظيم هذا الاستقبال الملكي. وهو ما سيخبرني بمضامينه لاحقاً أعضاء الوفد الشبابي”.

تفاصيل هذا “الاختطاف”، كما يكشفها الكراوي، جرت من خلال إرسال البصري حافلة على متنها سيدة مكلفة بمهمة بديوانه، كانت حاضرة معنا خلال جميع مراحل إعداد المؤتمر الوطني للشباب حتى انتخاب الوفد الشبابي . “جاءت هذه السيدة إلى مركب مولاي رشيد للطفولة والشباب ببوزنيقة قبل الساعة الثامنة صباحاً لنقل جميع أعضاء الوفد الشبابي إلى مقر إقامة وزير الداخلية بالرباط، حيث كان هو وحرمه وأبناؤه في انتظار الشباب، وذلك بعدما اصطحبت الشابات عند إحدى قريبات وزير الداخلية لتسلم هدية عبارة عن قفطان مغربي تقليدي لكل واحدة منهن، والشباب عند خياط من أقرباء الوزير كذلك لاقتناء لباس عصري وأحذية، وكلها ألبسة تفرضها طقوس مراسيم حفل الاستقبال الذي دعاهم إليه جلالة الملك، طيب الله ثراه، لحضوره”.

وبينما كان الكراوي في انتظار تطورات عملية “تهريب” الشباب هاته، توصل بمكالمة هاتفية من أحمد الحليمي يحيطه من خلالها علماً بأنه تعرف على مكان وجود الشباب، ويطلب منه أن يلتحق بهم قرب مرآب قصر الضيافة بالرباط، حيث سيكون في انتظاره بمعية الشباب، أحد المكلفين بمهمة بديوان وزير الداخلية، ليرافقهم إلى القصر الملكي. “وفعلا، دخلنا القصر الملكي والتحقنا بالوفود المشاركة، إلا أنه قيل لنا بأن الوضعية الصحية لجلالة المغفور له الملك الحسن الثاني لا تسمح لجلالته باستقبال رسمي لأعضاء الوفد الشبابي”.

ما حصل بشأن هذا الاستقبال بين الوزير الأول عبدالرحمان اليوسفي ووزير الداخلية إدريس البصري في هذه النازلة كان له وقع على ما آلت إليه الأمور بينهما، حسب إدريس الكراوي.