إسماعيل حمودي يكتب: فلسطين مغربية أيضا

اسماعيل الحمودي اسماعيل الحمودي

الرأي

فلسطين مغربية لأنها قضية إنسانية وإسلامية وعربية، فهي آخر مستعمرة في العالم. هذه حقيقة لا يمكن أن يتنكر لها إلا من تخلى عن إنسانيته، وانحاز للصهيونية باعتبارها إيديولوجيا استعمارية عنصرية إحلالية. 

وفلسطين مغربية حقيقة موضوعية كذلك، فهي الأرض التي ارتوت أكثر من مرة بالدماء المغربية، في حروب 1948 و1967 و1973. 

لقد شارك الجيش المغربي في الدفاع عن فلسطين بالسلاح، وما كان ليفعل لو لم يعتبرها قضية تخصه، نظاما وشعبا.

والذين يضعون الصحراء في مقابل فلسطين، يجهلون حقيقة تاريخية، أيضا، إذ كلاهما، أي الصحراء وفلسطين، نتيجة لصعود القوة الغربية وسيطرتها على كرسي النظام الدولي منذ نهاية القرن التاسع عشر، وأصدق دليل على ذلك اليوم، هذا الابتزاز الإسرائيلي الأمريكي للمغرب بصحرائه مقابل فلسطين. 

إن مجرد طرح القضية للنقاش يكشف أن نزاعات الحدود الموروثة عن الاستعمار الغربي، والتي ظلت دون حل، إنما صُنعت لأجل هدف واحد هو الابتزاز. ويترتب على ذلك أن النضال ضد هذا الواقع مطلب إنساني واستراتيجي، مثلما أن النضال من أجل تثبيت الحق المغربي في صحرائه لا يناقض نضال الشعب الفلسطيني -أو أي شعب آخر- من أجل حقه في أرضه، بل إن النضال من أجل الصحراء وفلسطين قضية واحدة.

وللإشارة، لم تكن قضية فلسطين موضوع جدل، لكن البعض يصر على أن يجعل منها قضية جدالية، ويقع، بذلك، في الخلط بين أمرين؛ بين المبدأ وبين الموقف، فمن يتتبع كتابات وتعليقات هؤلاء المجادلين يجد أن موقفهم، في حال افتراض حسن النيّة طبعا، مرتبط بخلافهم السياسي مع الذين جعلوا من قضية فلسطين قضيتهم الأولى (يساريون، إسلاميون، قوميون…)، ويصل العناد إلى حد يختلط فيه الموقف السياسي من فاعلين بالموقف المبدئي من القضية، فتضيع الكثير من الجهود والحقائق. 

ولا أنفي أن البعض ممن جعلوا قضية فلسطين خبزهم اليومي، بعيدون عن التنطع في المواقف والاتهامات التي لا يبدو أن المغرب في حاجة إليها.

الذين يرفعون شعار «تازة قبل غزة» يجهلون أن تازة كانت بوابة المغرب نحو المشرق على مرّ التاريخ. إن تازة رمز الاتصال بالمشرق، ولم تكن أبدا رمز قطيعة معه. كما أن تازة، منذ عهد الموحدين، كانت رباطا للجهاد، أي قاعدة عسكرية، ومازالت حتى يومنا هذا. 

لم تكن تازة في ماضيها أرضا للمساومات الرخيصة، حتى يجعل منها البعض اليوم عنوانا للهزيمة.

ومن يعتقدون أن الملك محمد السادس قد يخضع للابتزاز الصهيوني الأمريكي، واهمون، ولا يقل توهما عنهم من يعتقدون أن وزير الخارجية، مثلا، يمكن أن يلتقي علانية أو خلسة، ولو في زاوية فندق مهجور، رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، كما فعل الحاكم العسكري في السودان، الجنرال عبد الفتاح البرهان.

نحن دولة عمرها يُحسب بقرون، لم يصنعها سايكس ولا بيكو، بل إن مشروعيتها الشعبية والدينية والتاريخية ليست طارئة، ولا تخضع لقوانين أسواق النفط، أو مؤشرات البورصات العالمية.

نحن أمة مغربية فقدت الأندلس في سياق تحولات استراتيجية تاريخية، ولا يمكن من تسكنه زفرات الأندلسيين ومآسي الموريسكيين وأناتهم المنبعثة حتى اليوم من دروب قرطبة، وتطوان، والشاون، وقرى الفحص أنجرة وغيرها، أن يخضع لأي ابتزاز، أو يصدق وعود محتل، أو يثق في عدالة الظالم، وأن يقبل المساومة بين الصحراء وفلسطين، أو بين غزة وتازة.

ولعل مواقف الدولة المغربية حتى اليوم، ملكا وشعبا وحكومة، تعبر عن هذه الحقيقة. فالموقف من صفقة القرن عبّر عنه الملك محمد السادس علانية في وثيقة تاريخية بينه وبين بابا الكنيسة الكاثوليكية في مارس 2019، وهو الموقف الذي أكده رئيس الحكومة سعد الدين العثماني أخيرا، وشدد عليه وزير الخارجية ناصر بوريطة أمام البرلمان، حين جدد القول بأن المغرب يقف إلى جانب القيادة الفلسطينية في أي قرار تتخذه، وهو قرار الرفض طبعا كما عبّر عنه محمود عباس قبل اجتماع الجامعة العربية وبعده.

قبل سنوات، خاطب مستشار ملكي الساسة الإسبان بأن يكفوا عن جعل قضية الصحراء المغربية ورقة انتخابية بين الحزب الاشتراكي والحزب الشعبي الإسباني. الرسالة نفسها يمكن أن نكررها اليوم، لكن بصيغة أخرى: «يجب أن نَحْذَر نحن المغاربة من أن نصبح مجرد ورقة انتخابية في حسابات الآخرين، سواء نتنياهو أو ترامب، حتى لا نكون أضحوكة بين الأمم».