عبد الحق بلشكر يكتب: المخزني ونائب وكيل الملك

عبد الحق بلشكر عبد الحق بلشكر

الرأي

أثارت حادثة الاعتداء على نائب وكيل الملك بطنجة من لدن مخزني من القوات المساعدة تفاعلات كبيرة، وأعادت الجدل حول حقوق الإنسان في فترة الطوارئ الصحية. فمنذ إعلان الحجر الصحي، انتشرت فيديوهات لرجال السلطة وهم يعنفون شبانا لا يلتزمون بحالة الطوارئ، بين صفع وركل وسب، واختلفت ردود فعل الناس تجاه هذا العنف «المشروع»، بين من يدعم هذه المقاربة لأن من يخرق الحجر يهدد سلامة المواطنين ويستحق الردع، وأنه حتى بعض الدول الديمقراطية المتقدمة استعملت القوة المفرطة وحتى السلاح لفرض حالة الطوارئ. أما من رفض هذا العنف فكانت خلفيته حقوقية، لأن حالة الطوارئ لا تبرر العنف بأي حال. فماذا حدث لنائب وكيل الملك؟ ولماذا أثيرت حوله كل هذه الضجة؟ الواقعة، كما رواها المسؤول القضائي في تسجيل صوتي تسرب من مجموعة تواصل خاصة، حدثت يوم الجمعة 15 أبريل، حين خرج نائب وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية في طنجة من بيته في حومة الشوك الشعبي في عاصمة البوغاز، متوجها مشيًا على الأقدام إلى السوق للتبضع، فوجد أمامه حاجزا أمنيا، يحرسه عناصر من القوات المساعدة، في غياب أي شرطي. فلو كان هناك رجال شرطة، لما وقع مشكل لأنهم يعرفون نائب وكيل الملك، وهو نفسه قال إنه لاحظ، على غير العادة، عدم وجود شرطة، وأكد أنه اعتاد المرور من الحاجز دون مشاكل.

ولأنه لا يحمل معه بطاقة هويته ولا الورقة التي تسمح له بالخروج للتبضع، ولتفادي المخازنية، مر من فتحة بالحاجز مثل مواطنين آخرين، ومشى مسرعا، لكن سلوكه أغضب عنصرا من القوات المساعدة، الذي وصف المسؤول القضائي بـ«الحيوان»، فرد عليه الأخير: «أنت هو الحيوان» معلنا له صفته القضائية.. وهنا سيبدأ منعطف جديد.. سيتلقى المخزني مساندة زميل له سيطالب نائب وكيل الملك بما يفيد بأنه مسؤول قضائي، وعندما تبين له أنه لا يحمل وثيقة ويريد فقط إجراء مكالمة هاتفية، انهال عليه بالسب، وعنفه وأمسك به بقوة من قفاه وقاده إلى السطافيط، ولم ينته هذا الكابوس الذي عاشه نائب وكيل الملك إلا بعد حضور رجل شرطة تعرف عليه، فكان ذلك بمثابة صدمة للمخزني. انتشرت معطيات هذه الواقعة بقوة في مواقع التواصل، وجرى تداول التسجيل الصوتي لوكيل الملك، وفيديوهات الحادث على نطاق واسع، ما أعطى الحادث بعدا آخر. فالقضاة شعروا بالإهانة بسبب ما حدث لزميلهم، رغم أنهم تفادوا إصدار أي بيان، أما دعاة حقوق الإنسان، فوجدوها فرصة للتنبيه إلى العنف غير المبرر الذي يمارس على المواطنين خلال الحجر الصحي. وهنا يمكن استخلاص بعض الملاحظات من هذه الواقعة:

أولا، أن ما حصل لنائب وكيل الملك في طنجة من تعنيف كان يمكن أن يحصل لأي مواطن عادي، وربما يحصل يوميا دون أن يثير انتباه أحد، خاصة أن هناك العديد من الناس لا يتقبلون تقييد حريتهم، ويتمردون على حالة الطوارئ. ثانيا، أن عنصر القوات المساعدة لم يكن يعرف أنه يتعامل مع قاضٍ، وكان يظن أنه إزاء مواطن عادي، وبالفعل، فقد كان يبدو من الفيديوهات المنشورة للواقعة أن القاضي تصرف كمواطن عادي، فهو يقطن في حي شعبي، ويتنقل لقضاء أغراضه مشيا، دون وثائق. وحسب زملائه، فهو شخص متواضع، لكنه أخطأ لأنه لم يكن يحمل معه وثيقة تثبت هويته، ولم يتحمل رد فعل المخزني الذي نعته بـ«الحيوان». كان بإمكانه أن يتغاضى عن هذا الوصف ويواصل سيره، مثل مواطنين آخرين ارتكبوا الخرق نفسه، وربما لم تكن الأمور ستؤول إلى ما آلت إليه، ولن يعرف أحد أن مخزنيا سب قاضيا، ولن يشعر القضاة جميعا بالمهانة، ولن يعلم الرأي العام بما حدث. لكن نائب وكيل الملك لم يتحمل نعته بـ«الحيوان»، وهذا من حقه، بعدما انتُهكت كرامته، وهو الذي له هيبته وسلطته ومكانته، فكيف لمجرد مخزني أن يطلق عليه هذا الوصف؟ لكن، هل كان المخزني يعلم أنه أمام شخصية قضائية وقصد إهانته؟ لو علم بذلك، لأفسح له المجال باحترام، ولقدم له التحية، فهو كان يظن أنه يتعامل مع مواطن عادي مثل مئات المواطنين الذين يصادفهم يوميا خلال فترة الحجر الصحي، فيلاحظ خروقاتهم، فيسبهم أو يجرجرهم أو يعتقلهم دون أن يثير ذلك أي زوبعة، وربما عرض عدد منهم على نائب وكيل الملك نفسه، في المحكمة، فتابعهم. وحتى عندما أعلن وكيل الملك الضحية صفته القانونية، فإن المخزني لم يصدقه، وطلب منه ما يثبت ذلك. فهو لم يتوقع أن وكيل الملك يمكن أن يمشي بين الناس في الأسواق ويأكل الطعام، وزادت شراسة المخزني عندما تبين أن المسؤول القضائي لا يملك وثيقة تثبت صفته، لأن «جريمته» أصبحت مضاعفة؛ «المراوغة» و«انتحال صفة»، فقرر تشديد الخناق عليه وجرجرته أمام الناس وإهانته، وربما لو لم يكن المعني بالأمر قاضيا، لوجد نفسه معتقلا دون أن ينتبه إليه أحد.

نتمنى أن تكون هذه الواقعة درسا للجميع بضرورة احترام حقوق الإنسان تجاه أي أحد، سواء كان مواطنا عاديا أم وكيل ملك.. فتطبيق القانون لا يعني إهانة الناس بالسب والكلام النابي، خاصة في هذه الظروف الصعبة التي تمر منها البلاد.