ماء العينين فاطمة الزهراء تكتب: الحركة الإسلامية في المغرب بين ماض من الزمان وحاضر..

IMG-20200521-WA0020 IMG-20200521-WA0020

الرأي

ترى هل تصور الراحل الدكتور عبد الكريم الخطيب حين سمح بالتحاق الأعضاء الأبرز في الجماعة الإسلامية أو ما يسمى حركة الإصلاح والتجديد بحزب الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية ذو المرجعية المحافظة، الذي أسسه نهاية السيتنيات من القرن الماضي، أنهم سينجحون في الوصول إلى الحكم ؟ هل يمكن القول إن مفهوم الاسلام السياسي أو الإسلاموية أو الحكم بالدين انتهى بوصول المدافعين عنه لمبتغاهم ؟ ألم يعد الإسلاميون يعتبرون الإسلام نظام حكم شامل يجب اعتماده، وأن القوانين “الغربية الاستعمارية”، قوانين وضعية وبدعة دخيلة على المجتمعات الإسلامية المحافظة؟

مما لاشك فيه أن كل متابع للشأن السياسي المغربي، وعملية انتقال السلطة التنفيدية في السنوات العشر الأخيرة، سيعي حتما التوتر الذي تعرفه الحركة السياسية عموما، وعلى الخصوص، تلك التي قادت الحكومة في هذه المدة، وذلك عبر التحالفات التي حصلت، والتي أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها غير منطقية وتُفقد المشروع السياسي وضوحه و قدرته على تدبير شؤون الدولة، وتعبر بشكل واضح عن فشل وذوبان مشروع الخلفية الدينية للحكم الذي لطالما نادت به الحركة الاسلامية المغربية ،التي اختارت الانخراط في اللعبة السياسية سلميا.

إن التحالفات و التعاقدات و التنازلات التي تمت، أفرغت مشروع الحركة من محتواه الأصلي، هذا الأخير الذي جعل نسبة كبيرة من الشعب المغربي تؤمن به و تصوت له، وتقويه على حساب التيارات الحزبية و الأيدلوجية الأخرى.

لقد بدأت الحركة الاسلامية المغربية سنة 1969، متأخرة عن نظيرتها في المشرق العربي . وكان مفهوم الإسلام السياسي الإقصائي، جديدا على مجتمع متدين متصوف بطبيعته، عُرف بانفتاحه على ثقافات مختلفة .ومرت الحركة عبر مراحل سرية وعلنية ” غير رسمية ” كثيرة، واصطدامات مع الدولة والسلطات، كما عرفت بعد ذلك مجموعة من التغييرات الايديولوجية والمراجعات الفكرية على مر التاريخ خففت من تبني ذلك الفكر الإقصائي السائد آنذاك . لكن ظل تعامل الدولة معها يتسم بالحذر الشديد، مما جعلها دوما محل شك وريبة، حتى جاء التحاق بعض الأعضاء بحزب رسمي كما ذكرت في البداية. فكانت الانطلاقة، من حيث انتهت الحركات اليسارية، فلم تعد الحركة الإسلامية الحديثة تكتفي فقط “بالدعوة لدين الله” و إصلاح المجتمع و”محاربة الفاحشة” و”إعلاء كلمة الله”و”إحياء التراث الإسلامي”، و”تجديد الإيمان في نفوس المواطنين” بل انخرطت في مشروع التنمية المجتمعية في مختلف مجالاتها الاقتصادية والثقافية والبيئية، وكان ذلك هو السبيل للتقرب من مختلف شرائح المجتمع وفي الآن ذاته كسب ثقة النظام.

وفي أواسط التسعينيات من القرن الماضي، عندما اختارت بعض التيارات اليسارية المعارضِة الدخول الى دائرة الحكم، كانت هناك بداية جديدة لعمل الحركة الاسلامية المغربية التي اختارت أيضا الانخراط في المؤسسات الدستورية. أولا بفصل مؤسسة الدعوة عن المؤسسة السياسية، و بداية الاشتغال على المجتمع وترسيخ حزب جماهري يسهر على احتياجات المواطنين والمواطنات، وذلك عبر قنوات عديدة منها المجتمع المدني والخطابات الجماهيرية، بلغة بسطية يفهمها المواطن البسيط، مع اختيار المجالات الأكثر تضررا، و قطع الوعود بتقديم إصلاحات جذرية لها، تماما كالنهج الذي نهجته التيارات اليسارية في السبعينيات من القرن الماضي. لكن بما أن الحركات الماركسية و الشيوعية لم تستطيع اكتساح الفكر المغربي بشكل واسع، بقي الفكر المحافظ الذي يميل للخطاب الديني حاضرا في المجتمع.
ولعل ما ميز خطاب الحركة الاسلامية آنذاك، هو استعمال لغة عاطفية وقوية في الآن ذاته، والاستفادة من الإخفاقات التي عرفتها الحركة الاسلامية في المشرق العربي واليسارية في المغرب. فقدمت نفسها على أنها الدواء لكل داء، وأن المجتمع المغربي يحتاج ل”استقامة أعضائها وتقواهم” و”اتباعهم منهج القرآن و السنة”، وأنهم لا يخافون في الحق لومة لائم، والشجاعة والقدرة على تسريع وتيرة الإنجازات الاقتصادية التي من شأنها إيجاد حلول لإشكالية التشغيل، والتعليم والسكن والصحة، و هي اكثر القطاعات تضررا في المغرب، وفي نفس الوقت عملت كمعارضة، على تحسين صورة الحزب أمام الدولة وكسب ثقتها. وفي كل مناسبة يتم التعبير عن الاستعداد لقيادة الحكومة وممارسة السياسية مع احترام المقدسات و الاشتغال الى جانبها.

وكذلك كان، فكانت الشجاعة داخل قبة البرلمان هي عنوان المرحلة، وإتقان دور المعارضة بقوة، وكسب ثقة المواطنين من خلال الحملات الخيرية والإنسانية وتبسيط المفاهيم وإقامة الحجة بالقرآن و السنة. وقد نجح التيار السياسي في الفوز في الانتخابات والوصول الى الحكم و وتعززت شعبيته، وتم تحقيق حلم دام عقودا من الزمن…

ثم خفت الصوت، وتم الانتقال من حقبة الخطاب ـ الشجاع ـ الى الخطاب المحتشم، وانخفض مستوى مظاهر التدين والتلويح “بإقامة الشريعة” التي لطالما دغدغت مشاعر بعض الطبقات في المجتمع المغربي، و تقلص الطابع الديني للحزب .

وهنا يطرح التساؤل التالي: إلى أي مدى استطاع الحزب أن يدبر التغيرات التي عرفها منهجه وخطابه الأصلي، ومواجهة الوضع بالشجاعة الفكرية والسياسية اللازمة ؟
وبما أن الإنسان يحق له التطور فكريا، كما يستطيع تغيير توجهه الأيديولوجي متى رأى ذلك متناسبا مع قناعاته الشخصية، لماذا غالبا ما يتم رفض المراجعات الفردية والتي غالبا ما تكون نابعة من الكوادر التي تعتبر النواة الصلبة والفئة الحيوية للحزب، في حين يقبل هذا الأخير على نفسه تغيرات استراتجية ضاربة في جوهر وعمق مشروع ديني قامت عليه؟
بالعودة الى تاريخ تيار الحركة الإسلامية المغربية، الذي ظهر في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي، و التوقف عند مساره الفكري و السياسي وعلاقته مع الدولة، سنفهم حتمية ما وصل إليه الآن…
فهل انتهى الخطاب الديني لأهم تيارات الحركة الإسلامية في المغرب، بالخروج من عنق الزجاجة بعد ما قضى أربعين سنة يبحث عن السبيل الى ذلك…

أستاذة باحثة في مجال القانون الدولي لحقوق الإنسان