نغوغي واثيونغو | العودة إلى اللغات القومية.. رهان النهضة الإفريقية- الحلقة 23

نغوغي واثيونغو نغوغي واثيونغو

.

فتحت اللغة الإنجليزية الباب أمام مجال تخييلي واسع. كان هذا الأمر هو ما قادني، في نهاية المطاف، إلى شعبة الإنجليزية فيماكيريريسنة 1959؛ ومن ثمة، إلى نوع الكتابةالذي بلغ ذروته فيتويجات الدمالمنشورة في يوليوز 1977. لكنني بدأت أشعر، على نحو متزايد، بالقلق تجاه اللغة الإنجليزية، حيث قاسيت أزمة بعدما كتبتحبة قمح“. إذ عرفتعمن أكتب، لكن لمن كنت أكتب؟ ذلك أن المزارعين الذين غذوا الرواية بكفاحاتهم لن يقرؤوها. قلت في حوار أدليت به سنة 1967 لـيونيون نيوز، وهي صحيفة طلابية في جامعةليدز“: “لقد صرت على شفا أزمة. لا أعرف ما إذا كانت الكتابة بالإنجليزية مازالت جديرة بالاهتمام والعناء. لقد ظل التحدي الذي أطلقهأوبي واليسنة 1963 يلاحقني خلالدراستي فيليدزوفيما بعد. ففي يونيو 1969، بينما أقمت في جامعةماكيريريكزميل في الكتابة الإبداعية بشعبة الإنجليزية، كتبت ورقة بعنوان: “نحو ثقافة وطنيةكجزء منمادة أرضية لمؤتمر اليونيسكو سنة 1969 حولسياسة الثقافة في إفريقياالذي انعقد في دكار بالسنغال. وقد ضمنت الورقة كتابيالعودة إلى الديارفي وقت لاحق، إذ نزعتفيها إلى التشديد أكثر على مسألة اللغة:

يكتسي تعلم اللغات الإفريقية وتدريسها أهمية على حد السواء بالنسبة إلى نهضتنا الثقافية. لقد شهدنا ما يفعله أي نظام استعماري، حيث يفرض لسانه على الأجناس التابعة، ثميحط من شأن ألسن الشعب الدارجة. وإذ يفعل ذلك، فهو يجعل من تملك ناصية لسانه رمزا للمنزلة الرفيعة؛ من يتعلمه يبدأ في ازدراء عامة المزارعين وألسنتهم البربرية. وهو إذيكتسب سيرورات لسانه المتبنى وقيمه الفكرية، يمسي منسلخا عن قيم لسانه الأم، أو عن لغة الجماهير. فاللغة هي، مع ذلك، حاملة قيم صاغها شعب ما في فترة زمنية معينة. يبدولي أن الحكمة تقتضي تدريس اللغات الإفريقية في المدارس والكليات في بلد يتكلم تسعون في المائة من سكانه هذه اللغات. إننا نحتاج إلى تطوير لغة وطنية، إنما ليس على حساباللغات الجهوية. إذ لن يلحق تطوير لغات إثنية الأذى بالوحدة والوعي الوطنيين في سياق اقتصادي وسياسي اشتراكي. ففي البنية الرأسمالية التنافسية وحدها، تستغل المصالحالمتحاربة اختلافات اللغات الإثنية والجهوية على حساب قضية المزارعين والعمال المشتركة. فأن تكتسي دراسة لغاتنا أهمية بالنسبة إلى تقديم صورة ذات معنى للذات هي مسألةصارت تتحقق تدريجيا

ستجعل دراسة اللغات الإفريقية المتزايدة المزيد من الأفارقة يرغبون حتما في أن يكتبوا بألسنتهم الأم، ويفتحون من ثمة سبل جديدة لخيالنا الإبداعي“.

قادتني تجربةكاميريثوسنة 1977 إلى إلقاء محاضرة عامة بكليةكنياتاالجامعية، دعوت فيها الكتاب الكينيين إلى العودة إلى جذورهم في لغات قومياتنا وثقافاتها.

ولا زال السؤال يؤرقني. لقد استطعت معالجة مشكلة اللغة في المسرح. وماذا عن الرواية؟ هل بمقدوري التغلب على المشكلات؟ حُلّت المسألة في نهاية المطاف في سجنكاميتيذيالحراسة المشددة. إذ خلصت، في تحدٍّ للسلطات السجنية، عبردو ديتايني ريفيو تريبيونال، في عددها الصادر يوم 23 يونيو 1978، إلى القول إن:

الكتاب الكينيين لا يملكون بديلا آخر سوى العودة إلى جذورهم، والعودة إلى روافد كينونتهم الكامنة في إيقاعات حياة الجماهير الكينية وخطابهم ولغتهم، إذا كانوا يريدون النهوضبالتحدي العظيم المتمثل في بعث عظمة ذلك التاريخ الملحمية في قصائدهم ومسرحياتهم ورواياتهم.

وجب أن يمنحوا كل التشجيع ليكتبوا أدبا يكون مفخرة كينيا وموضع غبطة العالم، بدل أن يقمعوا ويزج بهم في سجون ومعسكرات اعتقال مشددة الحراسة“.

لكن كنت وقتئذ في منتصف رواية الأولى بلغة الـجيكويو، أو سأقول بالأحرى إنني كنت مستغرقا في مشكلات كتابةكايتاني موثاراباينيفي السجن بالزنزانة 16.

VI

تجلت المشكلة الأولى في الورق والقلم. قد يحصل السجين على قلم إن قال إنه سيكتب استعطافا أو اعترافا للسلطات. بل قد يحصل على ورقتين أو ثلاث. لكن رزمة أوراق بكاملها منأجل رواية؟ لجأت إلى ورق المرحاض. فكلما ذكرت هذا، ضحك الناس أو نظروا إلي بعيون ملؤها الأسئلة. لكن ما من لغز في الكتابة على ورق المرحاض، حيث كان يقصد به معاقبةالسجناء فيكاميتي، لأنه كان خشنا جدا. لكن ما كان طالحا للجسد كان صالحا للقلم.