المغرب في ليبيا.. خيارات محدودة

السراج وحفتر السراج وحفتر

.

بينما تتسارع الأحداث في ليبيا، منذ وصول قوات حكومة الوفاق المعترف بها دوليا إلى مشارف مدينة سرت، وسط انقسام دولي وإقليمي حول القضية الليبية، تبدو خيارات المغرب للتحرك في هذا البلد المغاربي صعبة ومحدودة، الدليل على ذلك إعلانه عن مبادرة جديدة من داخل الجامعة العربية، تسعى إلى لمّ الشمل العربي، وسط انقسام أكدته مرة أخرى مخرجات اجتماع الجامعة العربية الأسبوع الماضي.

وزير الخارجية، ناصر بوريطة، دعا في كلمته خلال الاجتماع إلى تكوين فريق عربي من الدول المعنية بالأزمة الليبية، يتولى وضع تصور استراتيجي، للتحرك العربي الجماعي من أجل الإسهام في تسوية الملف الليبي، علاوة على مقترح آخر يقضي بالاستماع إلى كل الليبيين، دون إقصاء، ومحاولة تقريب وجهات النظر فيما بينهم.

والملاحظ أن المبادرة المغربية تأتي بينهما، إذ تتجه القوى الفاعلة في الأزمة الليبية نحو البحث عن حل، والدليل على ذلك هو المبادرة المصرية المتمثلة في “إعلان القاهرة”، ثم بيان الدول الأوروبية الثلاث، وهي: فرنسا، إيطاليا وألمانيا، وكذا التحركات الأخيرة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية التي تريد أن تجعل من سرت مكانا للحوار بين الأطراف المتحاربة في ليبيا بدل نقطة للمواجهة.

غير أن البيان الصادر عن اجتماع مجلس الجامعة العربية لم يتضمن ما يشير إلى أن اتفاقا حصل حول المقترحين المغربيين، والغالب أنه جرى استبعادهما، خصوصا وأن هناك بعض التحفظات حول البيان الختامي، من قبل ليبيا وتونس والصومال وقطر، كشفت أن الانقسام مستمر بين الدول العربية، فيما يخص الأزمة الليبية وغيرها.

للإشارة، سبق للجامعة العربية أن اعتمدت آلية “مجموعة دول جوار ليبيا”، باقتراح مصري ــ جزائري، وهي الآلية التي أُقصي المغرب منها في الوقت الذي استدعيت لها النيجر دون أن تكون مجاورة لليبيا، بحجة المسؤولية التي كانت تتحملها في أجهزة الاتحاد الإفريقي، ولم يشفع للمغرب اتفاق الصخيرات باعتباره المرجعية السياسية التي تحدد اليوم، ما هو شرعي وما هو غير ذلك في ليبيا. وعلى كل، لا يبدو أن اللجنة تفعل شيئا، بحكم الخلافات بين دول الجوار حول الأزمة في ليبيا، حيث تبدو مصر من جهة، والجزائر وتونس من جهة أخرى، على طرفي نقيض.

كما اعتمدت الجامعة آلية أخرى تتمثل في “لجنة المتابعة الدولية” المنبثقة عن مؤتمر برلين، الذي استُبعد منه المغرب، كذلك، بحيث اقتصر الحضور على الدول المنخرطة في المواجهة العسكرية على الأرض، لكن استُدعيت الجزائر استجابة لطلب تركي في الغالب، وهي آلية للمتابعة فقط، كما يدل على ذلك اسمها، وليس لجنة لتقريب وجهات النظر العربية، أو بلورة تصور عربي مشترك للتحرك الجماعي.

لقد كشفت التطورات في ليبيا منذ 2014 أن بعض الدول العربية، ومنها الجزائر ومصر والإمارات، لا تتفق مع المغرب في رؤيته للحل، كما تضمنها اتفاق الصخيرات الذي اقترح حلا سياسيا، قبل أن تسعى تلك الدول إلى تجاوزه، خصوصا مصر والإمارات، من خلال دعم الحل العسكري بقيادة الجنرال خليفة حفتر، اعتقادا منها أن القوة العسكرية قادرة على حسم المعركة، لكن التطورات أظهرت خلاف ذلك تماما، بل عملت على تدويل القضية الليبية فقط.

في ضوء كل ذلك، كيف يمكن تقييم الدور المغربي في ليبيا على ضوء التطورات الحاصلة هناك؟ وما الخيارات الممكنة أمامه للإسهام في إيجاد تسوية بين الفرقاء المتصارعين؟

تفاقم الأزمة

أخذت الأحداث في ليبيا منحى معاكسا منذ مارس الماضي، حين تمكنت حكومة الوفاق من إلحاق الهزيمة بقوات الجنرال خليفة حفتر، ومنعها من السيطرة على طرابلس، وقد واصلت قوات حكومة الوفاق ملاحقة مقاتلي الجنرال حفتر في جل مدن المنطقة الغربية، حتى مشارف سرت حاليا، المدينة التي تعد نقطة اللقاء بين بين الشرق والغرب والجنوب، إذ تضغط بعض الدول، ومنها أمريكا، لكي تجعل من سرت مدينة للتفاوض بين الليبيين بدل أن تكون نقطة مواجهة عسكرية.

لقد اكتست مدينة سرت، دائما، بعدا استراتيجيا، فهي ملتقى الطرق بين الأقاليم الثلاثة الكبرى في ليبيا: طرابلس، فزان وبرقة، كما أنها تقع على مشارف منطقة الهلال النفطي، حيث تتمركز آبار النفط وموانئ تصديره إلى الخارج. وإذا كانت قوات حكومة الوفاق قد وصلت إلى مشارفها، فلازالت منذ شهر في حالة انتظار القرار السياسي الحاسم بدخول سرت، وهو القرار الذي لن يصدر، ربما، بالنظر إلى المستجدات العسكرية والسياسية، ومنها تهديد مصر بالتدخل عسكريا لمنع قوات حكومة الوفاق من التقدم نحو السيطرة على منطقة الهلال النفطي.

لقد أدى انتصار قوات حكومة الوفاق على قوات الجنرال حفتر إلى قلب الكثير من الحسابات، فالإمارات ومصر وروسيا وفرنسا التي راهنت على الجنرال في السيطرة على طرابلس، ومن ثم فرض الحل العسكري، قد أصيبت بخيبة أمل كبيرة على ما يبدو. وقد حمّل وزير الخارجية الإماراتي الجنرال حفتر مسؤولية الفشل، باعتباره عسكريا عنيدا ويقرر لوحده أحيانا، في حين استدعته مصر إلى القاهرة وأرغمته على القبول بمبادرة سياسية كان قد أعلن عنها رئيس برلمان طبرق، عقيلة صالح، من أجل تجاوز آثار الهزيمة.

دعت المبادرة المصرية، التي أُطلق عليها “إعلان القاهرة” إلى وقف المعارك عند حدود مدينة سرت، وأعلن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي أن مدينتي سرت والجفرة يشكلان جزءا من الأمن القومي المصري. لكن الإعلان الذي أيدته الإمارات والبحرين ودول أخرى، رفضته حكومة الوفاق الليبية وتركيا، وقطر بالطبع، كما تحفظت عنه الدول المغاربية ومنها تونس والجزائر والمغرب. ولا يبدو أن “إعلان القاهرة” يحظى بأي دعم جدي من قبل الدول الكبرى والإقليمية الأخرى، اللهم بعض التصريحات التي كان هدفها ترضية مصر وليس دعمها في المبادرة المعلنة، ويبدو أن ذلك هو السبب في انتقال مصر، خلال أسبوع فقط، من طرح مبادرة سياسية إلى التلويح بالتهديد العسكري، بحجة الدفاع عن أمنها القومي، كما تزعم وتدّعي.

والراجح أن التلويح بالتهديد العسكري مجرد ضغط لأخذ الموقف المصري بعين الاعتبار، وليس معناه استعداد مصر للذهاب إلى الحرب في ليبيا ضد قوات حكومة الوفاق المدعومة من تركيا وقطر. في هذا الصدد، يرى صايغ، الباحث أول بمركز كارنيغي للشرق الأوسط، “أن إدارة السيسي تفضّل بشدّة عدم التدخل، ولن تُقدم على ذلك إلا كملاذ أخير”. ويذهب صايغ إلى أن مصر حتى لو اضطرت إلى التدخل “فليس بالضرورة أن تقوم بتدخّل كامل كي تنجح في ثني القوات الموالية لحكومة الوفاق الوطني في طرابلس وداعميها الأتراك عن التقدم إلى محور سرت-الجفرة أو أبعد منه. كما أن الجيش المصري ليس مضطرا إلى التقدم نحو ذلك المحور، ولا إلى خوض مواجهة مباشرة مع القوات المدعومة تركيًّا كي يحقق أهدافه”. وبحسب صايغ، فإن مصر قد تُقدِم على “إرسال قوة عسكرية كبيرة عبر الحدود ثم التريّث. وهكذا، ستوجّه مصر رسالة بأنها جادّة في مسعاها وتقنع الطرف الآخر بوقف تقدّمه. ولكن إذا وقع المحظور، فمصر قادرة على إرسال أعداد كبيرة من القوات إلى ليبيا، باعتبارها ملاصقة لها. وإمكاناتها أكبر من الإمكانات التركية على هذا المستوى. لكن حتى لو حدث ذلك، يُرجَّح أن تبقى القوات المصرية ضمن المنطقة الحدودية الشرقية في ليبيا”. لماذا؟ يجيب صايغ بالقول إن: “الاهتمام الأساسي لمصر في ليبيا، هو حماية أمنها على الحدود. مصر لا تثق بحكومة الوفاق الوطني، وترى في التدخل التركي تهديدا جديا. ولكن دعمها للجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر نابع فقط، من أملها بأن يتمكن حفتر من بسط الأمن والاستقرار على الحدود المشتركة”.

تسعى مصر إلى تأمين مصالحها في ليبيا، والمتمثلة أساسا في حماية أمن حدودها من الجهة الغربية، حتى لا يقع عليها عبء أمن الحدود كاملا، وهي مصلحة استراتيجية بالنسبة إلى استقرار مصر وأمنها، هذا علاوة على بعض المصالح الأخرى مثل النفط والغاز الطبيعي، وتأمين سوق لحوالي مليونين من العمال، وكذا المقاولات المصرية التي قد تجد في إعادة إعمار ليبيا فرصة لها. لكن كل تلك المصالح “ليست مصالح كبرى، ولن تجازف إدارة السيسي بحرب عسكرية قد تكون مكلفة أكبر من تلك المصالح نفسها”.

تعد مصر، إذن، الورقة الأقوى بيد المحور الداعم للجنرال حفتر، لكن مصر لديها حساباتها الخاصة ولا يمكن أن تمضي وراء الضغط الإماراتي أو حتى السعودي مهما كانت المغريات، والدليل على ذلك هو رفض مصر التدخل العسكري في اليمن، في إطار ما يُسمى بـ”التحالف العربي”. لقد رفضت مصر المشاركة في عاصفة “الحزم”، رغم الضغوطات الهائلة التي مورست على السيسي. ويعد الموقف المصري من الأزمة اليمنية مثالا لما يمكن توقعه في الحالة الليبية.

علاوة على ذلك، تبدو الجزائر صوتا ضاغطا على مصر من الجهة الأخرى، فهي ترفض بدورها أي تدخل عسكري مصري في ليبيا، إذ سبق للرئيس الجزائري، عبدالمجيد تبون، أن اعتبر بدوره طرابلس جزءا من الأمن القومي الجزائري، واستخدم العبارات نفسها التي استخدمها السيسي بقوله: “طرابلس خط أحمر”، وهو الموقف الذي مهّد الطريق أمام الجزائر لحضور مؤتمر برلين حول الأزمة الليبية، كطرف معترض على التصور المصري الإماراتي، وليس بالضرورة جزءا من التصور التركي للأزمة نفسها.

وإذا كان المحور العربي المساند للجنرال حفتر هذا وضعه، فإن الوضع بين القوى الغربية ليس بأفضل حال، بسبب الانقسام، أيضا، بين الدول المعنية بالأزمة الليبية، فالأمريكيون يميلون إلى دعم تركيا وحكومة الوفاق للسيطرة على منطقتي سرت والجفرة، بشرط إزاحة روسيا من تلك المنطقة، وانتزاع قاعدة الجفرة من أيدي مقاتلي “فاغنر” المسيطرين عليها حاليا. الحجة على ذلك أن “واشنطن قد تغير موقفها، وقد تقبل في حالة واحدة بوقف إطلاق النار الفوري، وتمنع تركيا من التقدّم نحو سرت، وهي إعلان الأطراف المتحكّمة في شرق ليبيا، تقديم روسيا ضمانات بشأن عدم التواجد العسكري الروسي في ليبيا”.

على خلاف الموقف الأمريكي، يبدو الموقف الأوروبي متشددا في رفض استمرار العملية العسكرية لحكومة الوفاق، أي أنه يرفض دخول قوات الوفاق إلى سرت والجفرة، لكن الموقف الأوروبي المعلن من قبل فرنسا وإيطاليا وألمانيا يبدو أنه يخفي أكثر مما يُعلن، لأن فرنسا على سبيل المثال ظلت طيلة الفترة الماضية على موقف نقيض للموقف الإيطالي، هذا الأخير وإن تأرجح بين حكومة الوفاق والجنرال حفتر، إلا أنه حسم موقفه أخيرا لصالح حكومة الوفاق. من جهة أخرى، فإن الموقف الأوروبي الثلاثي لا يعني قبوله تصريحات الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، التي لوّح فيها بالتدخل العسكري في ليبيا، واستعداد بلاده لتدريب وتسليح أبناء القبائل الشرقية المنتشرة على الحدود مع مصر، بل إن الموقف من المبادرة المصرية كشف أن الموقف الأوروبي نفسه ينطوي على خلافات، لأنه في الوقت الذي عبّرت إيطاليا وألمانيا عن رفضهما الطرح المصري، عبّرت فرنسا عن موقف مؤيد للمبادرة المصرية، مكسّرة بذلك الإجماع الأوروبي، ومعلنة تأييدها للتهديدات التي تلفظ بها الرئيس المصري السيسي ضد حكومة الوفاق وداعميها الأتراك.

تكشف التناقضات في المواقف سواء بين الدول العربية المعنية بالأزمة الليبية، أو مواقف الدول الأوروبية المتدخلة في الأزمة نفسها، علاوة على تقلبات الموقف الأمريكي والروسي، عن شيئين: أولا، صعوبة بناء توافق بين تلك المصالح المتناقضة، وثانيا، تسارع التغيير في تلك المواقف، نموذج ذلك الموقف الأمريكي والإيطالي.

تغير سريع في المواقف

على سبيل المثال تغيرت مواقف إيطاليا، خلال الأسبوعين الأخيرين فقط، أكثر من مرة ذهابا وإيابا بين الشرق، حيث يسيطر الجنرال حفتر وقواته، والغرب حيث تسيطر قوات حكومة الوفاق، والمرجح أن التبدل في المواقف هو نتيجة للمساومات التي تجري خلف الكواليس، حيث يسعى كل طرف ليبي مسنودا بحلفائه إلى حشد التأييد لصالحه. وتفيد تقارير صحافية كيف أن تركيا، مثلا، في الوقت التي تقود المعارك العسكرية إلى جانب قوات حكومة الوفاق، تقود كذلك مفاوضات سياسية مع القوى الأوروبية وأمريكا وروسيا حول الحل السياسي الممكن في ليبيا، بهدف الوصول إلى تحالف واسع يقف وراء حكومة الوفاق، وبالتالي، الدفع في اتجاه إنهاء الأزمة سياسيا وعسكريا.

تحركات تركيا تكشف عنها تطورات المواقف لدى حكومة الوفاق الليبية، التي أظهرت استعدادها للحوار مع القوى الأوروبية وأمريكا، وامتلاكها لتصور للحل السياسي والعسكري، وبينما السباق حثيثا نحو سرت، أعلنت عن تصورات بخصوص هيكلة الكتائب القبلية، وهيكلة الجيش على قواعد مهنية بالتعاون مع شركات أمريكية وتركية، بالإضافة إلى إعلانها التصدي للقوى المتطرفة داخل طرابلس، كاعتقال محسوبين على تنظيم داعش، و”توقيف ثلاثة من أسماء ليبية متهمة من جانب الاتحاد الأوروبي بقيادة مجموعات متطرفة”. لقد سعت حكومة الوفاق في المرحلة الأخيرة لأن تُظهر بأنها ليس الكيان المعترف به من الأمم المتحدة فقط، ولكن الطرف الأكثر جدارة بالثقة في الوقت الراهن، نظرا لما قدمته من أدلة بشأن نواياها حول إقامة دولة مدنية بشكل متماسك تضمن عدم تحول ليبيا إلى بؤرة جديدة للجماعات والمليشيات المتطرفة.

كل ذلك أدى إلى تغير المواقف الأمريكية والأوروبية، باستثناء فرنسا، لصالح حكومة الوفاق، ويتجلى، أيضا، في الضغوطات التي تمارسها هذه الدول على الإمارات، لثنيها عن استمرار تحركاتها في الشرق الليبي، حيث تسعى إلى تجنيد وتسليح مقاتلي قبائل ليبية وتشادية وسودانية في الجنوب، استعدادا لحرب حاسمة مع قوات حكومة الوفاق على أبواب سرت والجفرة، في حال لم يتم الوصول إلى اتفاق حول إجراء مفاوضات سياسية.

لذلك تفيد تقارير صحافية تركية أن “الاندفاع المصري الأخير في الملف الليبي سببه أبوظبي بشكل رئيس”. ومعنى ذلك، أن التلويح المصري بالتدخل العسكري ينطوي على هدف آخر، يتمثل حسب البعض في محاولة القاهرة امتصاص الغضب الإماراتي الذي يدفع نحو حرب شاملة يخوضها الجيش المصري بالنيابة، على أن تمولها الإمارات والسعودية. إن التهديد المصري بالتدخل العسكري، حسب هذه القراءة، ما هو إلا محاولة لترضية الإمارات، بينما تريد مصر شيئا آخر، هو أن يكون لها وضع قدم في المفاوضات المقبلة أساسا.

خيارات صعبة

في ضوء تلك التطورات وتناقضات المواقف بين القوى المتصارعة في الأزمة الليبية، بل تناقض المصالح داخل المحور الواحد، تبدو الخيارات أمام أي تحرك مغربي صعبة ومحدودة جدا، لأسباب عديدة. فهو أولا، لا يريد الانضمام إلى أي محور، ويحاول الحفاظ على مسافة واحدة من طرفي الأزمة، ومافتئ يدعو إلى الإنصات للجميع، دون إقصاء. لكن هذا الموقف المحايد لا يبدو مرحبا به من قبل القوى المتصارعة، التي تسعى كل قوى منها لكي تجعل من المغرب سندا لها. طبعا، لم يكن المغرب ليجد نفسه في هذا الموقف الصعب، لولا الانقسام العربي، وجمود العمل المغاربي. ويبدو أن فهم المقترح المغربي المتمثل في تشكيل فريق عربي مصغر لبلورة تصور استراتيجي مشترك لتسوية الأزمة الليبية يجد تفسيره في هذا الوضع المعقد.

في الأسبوع الماضي، وفي كلمته أمام وزراء الخارجية العرب، عبر ناصر بوريطة عن مقترحين مغربيين جديدين؛ الأول، يتعلق بإنشاء فريق عربي مصغر من دول عربية معنية بالملف الليبي، يتولى وضع تصور استراتيجي، للتحرك العربي الجماعي للإسهام في التسوية بليبيا. فيما حث الثاني الدول العربية على “ضرورة الانفتاح على الأطراف الليبية كافة، والاستماع إليها وتقريب وجهات نظرها”.

وإذا كان المقترح الثاني يعكس توجه الدبلوماسية المغربية، التي حافظت دائما على علاقاتها مع جميع الأطراف الليبية المتصارعة في ليبيا، فإن المقترح الأول المتعلق بإنشاء فريق عربي مصغر يبدو جديدا، ويُعلن عنه لأول مرة، وينطوي في طياته على رغبة مغربية لدفع الدول العربية للخروج من واقع الانقسام، نحو البحث عن آلية قد تمهد الطريق نحو بلورة موقف موحد إزاء الأزمة الليبية.

الوزير بوريطة أوضح أن هذين المقترحين، “نابعين من ثوابت وتساؤلات، تتعلق بمدى توفر الجامعة العربية على تصور استراتيجي مشترك، يفتح مسارا يمكن المضي فيه للإسهام الفعلي في التسوية، وكذا مدى قدرتها على فرض نفسها كتكتل إقليمي، يؤثر في اتخاذ القرار فيما يخص القضية الليبية ويسهم في تنفيذه”.

هنالك موقف ثالث عبّر عنه الوزير بوريطة ويتمثل في استعداد المغرب لتعديل اتفاق الصخيرات، كونه أصبح يتضمن بنودا متجاوزة، وهو الاتفاق الذي ترفضه أطراف ليبية مثل الجنرال خليفة حفتر، وربما، تتحفظ عليه دول عربية أخرى، مثل الإمارات ومصر لأنه لا يسمح بأي خيار عسكري في ليبيا. بوريطة أشار إلى ذلك ضمنا حين تساءل قائلا: “هل يمكن تخطي اتفاق الصخيرات بدون بديل، ينال على الأقل القدر عينه من التأييد الليبي والدولي، علما بأن هذا الاتفاق يتضمن بنودا أصبحت متجاوزة وتحتاج إلى تحديث”، مستطردا “إذا تجاوزنا هذا الاتفاق السياسي الليبي، فكيف سنتعامل، في أي إطار كان مستقبلا، مع الأطراف الليبية التي تستمد أصلا شرعيتها منه؟”.

تقوم المقاربة المغربية بشأن النزاع الليبي على مسلمات تتمثل في “الحفاظ على اللحمة الوطنية لليبيين، والوحدة الترابية لدولتهم وسيادتها على جميع أراضيها، ورفض أي تصور أو مؤشر للتقسيم بدعوى البحث عن تهدئة الأوضاع”. وهو موقف ثابت وراسخ لدى المغرب اتجاه أي دولة عربية أخرى، وفي ضوء ذلك فإن المغرب “يرحب بأي مجهودات أو مبادرات تصب في اتجاه التقريب بين الليبيين، والدفع نحو حل هذه الأزمة التي تدوم منذ تسع سنوات”.

التصور المغربي إذن، يقوم على التشبث باتفاق الصخيرات، كونه الاتفاق الوحيد الذي يوفر الشرعية للمؤسسات والقوى المتصارعة اليوم في ليبيا، فحكومة الوفاق التي تُنعت بالشرعية والمعترف بها من الأمم المتحدة حصلت على ذلك بموجب اتفاق الصخيرات، وكذا الأمر بالنسبة إلى برلمان طبرق، الذي يوفر الغطاء السياسي لقوات الجنرال حفتر. لكن بوريطة لم يوضح ما هي البنود التي أصبحت متجاوزة في اتفاق الصخيرات، إلا أنه تقدم بمقترح إنشاء فريق عربي يتولى وضع تصور استراتيجي تتحرك على أساسه الدول العربية بوصفها تكتلا إقليميا موحدا.

لكن لا يبدو أن وزراء الخارجية العرب تقبلوا هذا الاقتراح، بدليل مضامين البيان الختامي للمجلس، الذي حرص على ترضية جميع الأطراف المعنية بالأزمة الليبية مثل مصر والجزائر، دون أي إشارة إلى المقترح المغربي أو غيره.

ففي البند الثالث من بيان الاجتماع حصلت ترضية بالنسبة إلى المغرب، من خلال التوكيد على “أهمية الحل السياسي الشامل للأزمة الليبية، ودعم المجلس للتنفيذ الكامل للاتفاق السياسي الليبي الموقع في مدينة الصخيرات بتاريخ 17/12/2015، وكذا التشديد على دور كافة المؤسسات الشرعية المنبثقة عن الاتفاق السياسي الليبي”، لكن مع الإشارة إلى “مخرجات مختلف المسارات الدولية والإقليمية، وآخرها مؤتمر برلين”.

أما البند الرابع، فقد خصص لدعم المقاربة الجزائرية، من خلال التوكيد على “الدور المحوري والأساسي لدول جوار ليبيا، وأهمية التنسيق فيما بينها في جهود إنهاء الأزمة الليبية، والترحيب بالبيان الختامي الصادر عن اجتماع وزراء خارجية دول جوار ليبيا الذي عقد في الجزائر برعاية كريمة من فخامة الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون بتاريخ 23/1/2020”.

لكن الخلاف ظهر مرة أخرى حول الموقف من مبادرة “إعلان القاهرة”، الذي وردت الإشارة إليه في البند الثامن. ومفاده أن الاجتماع يرحب “بكافة المبادرات والجهود الدولية وجهود دول الجوار الرامية إلى وقف العمليات العسكرية، واستئناف العملية السياسية في ليبيا برعاية الأمم المتحدة، وفي هذا السياق، الترحيب بإعلان القاهرة بشأن ليبيا الصادر يوم 6/6/2020، والذي يرتكز على أن الحل في ليبيا يجب أن يستند إلى الاتفاق السياسي الليبي وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، ومخرجات مؤتمر برلين والقمم والجهود الدولية الأممية السابقة التي نتج عنها طرح حل سياسي شامل يتضمن خطوات تنفيذية واضحة في المسارات السياسية والأمنية والاقتصادية، واحترام حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، والطلب من كافة الأطراف الليبية والدولية التعاطي بإيجابية مع هذه المبادرات”.

لكن ليبيا وتونس وقطر والصومال عبرت عن تحفظها إزاء البند الثامن من البيان الختامي، واعتبرت حكومة الوفاق الليبية أن «من يريد لعب دور الوساطة يجب أن يكون على مسافة واحدة من جميع الأطراف، وألا ينحاز إلى طرف دون آخر، ونظرا إلى أن حكومة الوفاق، الحكومة الشرعية، لم تُدع ولم تُستشر بشأن هذه المبادرة التي لا تستند إلى مرجعيات التسوية السياسية في ليبيا، سواء الاتفاق السياسي الليبي الموقع في مدينة الصخيرات، أو مبادرة برلين أو قرار مجلس الأمن 2510».

دلالة كل ذلك، أن التحرك المغربي من داخل الجامعة العربية يبقى رهانا غير ذي جدوى، بسبب الانقسام كما يعكس البيان الختامي ذلك، لذلك كان أقصى ما يمكنه أخذه هو التأكيد على محورية اتفاق الصخيرات، غير أن التلويح بهذا الاتفاق من حين لآخر لا يبدو أنه بات مثيرا للاهتمام، كونه لم يشفع من قبل للمغرب الحضور إلى اتفاق برلين، ولا مؤتمر باليرمو قبله. وبالتالي، يبقى  الخيار العربي بدون جدوى على الأقل في الظرفية الحالية بكل تناقضاتها.

يطرح البعض إمكانية التحرك ضمن الخيار المغاربي، وهو موقف ترغب فيه تونس أساسا، الذي أشار رئيسها قيس سعيّد مؤخرا في حوار مع “فرانس 24” إلى أنه يمكن أن يكون هناك موقف مغاربي مشترك بشأن ليبيا، معتبرا أن المبادرة يجب أن تكون صادرة عن دول المغرب العربي، لأنها المعنية بالأساس، وحذر من أن تقسيم ليبيا قد يؤدي إلى تقسيم دول أخرى.

لكن، لا يبدو أن الجزائر مستعدة للجلوس مع المغرب حول طاولة واحدة للتفكير في حل مغاربي للأزمة الليبية، ولم تعبّر لحد الآن، عن أي إشارة في هذا الاتجاه، بل تفيد بعض المعطيات أنها الطرف الأساسي، رفقة مصر، الذي عمل على إبعاد المغرب من “مجموعة دول جوار ليبيا”، ومنذ وصول الرئيس عبدالمجيد تبون إلى الرئاسة الجزائرية، والدولة تسوّق خطابا عنتريا حول أزمات المنطقة بما في ذلك الأزمة الليبية، ولا يبدو أن المغرب يمكن أن يقبل بمثل ذلك الخطاب المتجاوز.

ما الذي بقي للمغرب إذن، للتحرك في أزمة ليبيا؟ يرى المساوي العجلاوي، الخبير المغربي في الشؤون الإفريقية والمغاربية، أن قوة الموقف المغربي تكمن، أولا، في اتخاذه مسافة واحدة من جميع الأطراف، والتي مافتئت تلبي دعوة المغرب كلما دعاها إلى الرباط، وثانيا، للمغرب ورقة أقوى، أيضا، تتمثل في اتفاق الصخيرات، مؤكدا أنه “لا مفر للأطراف المعنية من العودة إلى اتفاقية الصخيرات، وجعلها منطلقا لحل الملف، لأنه دون العودة إلى اتفاقية الصخيرات، الموقعة في 2015، فإن مصير ليبيا سيكون التقسيم”. وهذا يشكل خطرا حقيقيا على المنطقة التي يعتبر المغرب جزءا لا يتجزأ منها. وخلص العجلاوي إلى أن “المغرب ممكن أن يقود هذه المرحلة كما وقع في الصخيرات”.

يبدو أن الخيارين العربي والمغاربي بدون أفق بالنسبة إلى التحرك المغربي في ليبيا، وإذا كان المغرب يرفض الاصطفاف إلى جانب أي من المحاور المتصارعة، ويفضل العمل مع الليبيين بشكل مباشر، فهو مهدد بفقدان أي موقع له حول طاولة المفاوضات المقبلة حول ليبيا، إلا إذا ضغط بقوة من أجل أن ترعى القوى الكبرى، خصوصا الولايات المتحدة، مصالحه وموقعه في المنطقة.