أحمد البوز: تعديل الدستور تفرضه الحاجة إلى دمقرطة العلاقات السياسية

أحمد البوز أحمد البوز

أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة محمد الخامس في الرباط

أظن أن الحكم على وثيقة دستورية بعد كل هذه المدة التي مرت على دخولها حيز التنفيذ، يحتاج إلى الأخذ بعين الاعتبار ثلاثة معطيات أساسية. يتعلق المعطى الأول منها بالمضمون الذي حملته تلك الوثيقة، الذي كان متقدما مقارنة بالوثيقة الدستورية السابقة عنها، وبباقي الوثائق الدستورية الأخرى بما في ذلك دستور 1962، الذي يفضل البعض أن يعتبره تأسيسيا، سواء من ناحية إعادة ترتيب العلاقة بين السلطات، بما في ذلك العلاقة بين الملك والحكومة، أو من ناحية المساحة المهمة التي احتلها موضوع الحقوق والحريات في ثناياها، أو من ناحية المكانة والأدوار التي خص بها هيئات التمثيل والوساطة، وأيضا من ناحية تعزيز آليات إشراك المواطنين في الحياة السياسية وفي الدفاع عن الحقوق المخولة لهم، لكنه لم يكن كافيا للتأسيس لتجربة ديمقراطية حقيقية، تقوم على أساس ربط القرار بصناديق الاقتراع، ويحكمها دستور ديمقراطي من حيث المضامين التي يحتوي عليها، ومن حيث المساطر المتبعة في اعتماده. لذلك، بدا واضحا خلال التسع سنوات التي مرت أن التحفظات التي أثيرت حول تلك الوثيقة كانت مشروعة.

المعطى الثاني يهم ما يمكن تسميته بتعاطي الفاعلين السياسيين في واقع الممارسة مع تلك الوثيقة الدستورية، ولما نتكلم عن الفاعلين السياسيين تظهر المؤسسة الملكية في مقدمتهم. فهذه الأخيرة يبدو أنها ظلت على العموم محترمة لمقتضيات الدستور، وتدخلت في بعض الأحيان للدفاع عنها، كما حدث عندما كانت الحكومة تتجه لفرض احتكار حق المبادرة في مجال القوانين التنظيمية، كما ظهرت في الحرص على تعيين رئيس الحكومة من الحزب المتصدر لنتائج الانتخابات، لكن ذلك لم يمنع أننا كنا نشعر في بعض الأحيان بوجود نوع من “الحنين”، إذا جاز هذا التعبير، لمرحلة ما قبل دستور 2011، وكان هناك من يدفع في اتجاه إقناع الملكية بأن التنازلات التي تمت أثناء وضع الدستور كان مبالغ فيها، وأنه آن الأوان اليوم مع المسار الذي اتخذه ما يعرف بالربيع العربي لاسترجاع عبر الممارسة ما أعطي من خلال النص. وهذا الأمر برز ليس في عقد جلسات العمل في حد ذاتها، إذ يمكن اعتبارها ممارسة سياسية جائزة، وإنما في الطريقة التي تتم بها، والتمثل الذي يصبح لما يفيض عنها من قرارات ومبادرات، لكنه برز أكثر في تلك الجملة التي وردت في بلاغ الديوان الملكي، الذي صدر إبان ما عرف بـ “البلوكاج السياسي”، والتي تشير إلى قرار الملك بتعيين شخصية من حزب العدالة والتنمية في منصب رئيس الحكومة، لكنها تشير في نفس الوقت إلى أن ذلك كان خيارا من بين خيارات أخرى ممكنة يتيحها الدستور، لأن أي خيار آخر غير حل مجلس النواب وتنظيم انتخابات سابقة لأوانها، كان يعتبر قراءة جديدة للدستور وللفصل 42 منه، تعيد إلى الأذهان التوظيف الذي خضع له الفصل 19 الشهير في واقع الممارسة السياسية والدستورية في بلادنا، التي يفترض أن الدستور الحالي جاء لكي يقطع معها.

في هذا الجانب المرتبط بتعاطي الفاعلين السياسيين مع النص الدستوري، يبرز أيضا دور البرلمان، الذي وجد نفسه بعد الدستور أمام لحظة مهمة لكتابة نصفه الآخر كما يقال، وخاصة مع العدد الكبير من القوانين التنظيمية التي أحال عليها الدستور. وهنا إذا كان من الإجحاف تبخيس الدور الذي قامت به المؤسسة التشريعية على هذا المستوى، فإن من النزاهة الفكرية والموضوعية القول إن هذه المؤسسة اتجهت نحو “عقلنة” وتقييد التفعيل التشريعي لعدد من القواعد الدستورية، وكرست بالتالي ممارسات لا تساير “روح التغيير”، التي طبعت المسار الذي قاد نحو إصدار هذه الوثيقة الدستورية، تبرز في تقوية سلطات الملك في مجال التعيينات المحددة في الفصلين 49 و92 من الدستور، وتضييق دائرة الاستفادة من الحقوق، وهنا يمكن أن نستحضر الطريقة التي تم بها تفعيل ما ينص عليه الدستور من حقوق سياسية للمغاربة المقيمين بالخارج، حيث كان التصويت بالوكالة عمليا إعداما لهذه الحقوق.

في هذا الجانب أيضا، لا بد أن نستحضر كذلك سلوك الأحزاب السياسية في تمثلها للوثيقة الدستورية ولمضامينها، إذ يبدو أنه لم يخرج لدى عدد منها عن دائرة التعاطي الظرفي والمؤقت، والسعي نحو الزج بالقواعد الدستورية في لجة الصراعات السياسية، أو على الأصح توظيفها في الصراع مع الخصوم والمنافسين، والتضييق على بعض الحقوق التي يخولها لهم الدستور، وفي هذا الإطار، يفهم مثلا النقاش الذي يثار أحيانا حول إمكانية تعديل الفقرة الأولى من الفصل 47، التي تنص على تعيين رئيس الحكومة من الحزب المتصدر لنتائج الانتخابات، حيث لا يمكن أن يفهم إلا كمحاولة لقطع الطريق عن استمرار حزب معين في قيادة الحكومة. إن سلوك هذه الأحزاب ليس ثابتا على هذا المستوى، حيث أظهرت مثلا دفاعا قويا عن احترام الدستور واحترام الاختيار الديمقراطي الذي ينص عليه، لما أثيرت أثناء أزمة “كوفيد”، التي لا زالت مستمرة، بعض الدعوات مطالبة بحكومة تكنوقراطية أو بتأجيل الانتخابات.

أما المعطى الثالث والأخير، فيهم في نظرنا دور القضاء الدستوري، الذي عد دورها مهما جدا في حماية قواعد الدستور، وفي جعله القواعد التشريعية التي تصدر تنفيذا لما ينص عليه ليس فقط لا تتعارض معه، وإنما تستلهم الروح التي قصدها المشرع الدستوري وهو يضع الوثيقة الدستورية، لذلك هناك من يعتبر أن الدستور ليس ما هو مكتوب في الوثيقة التي تحمل هذا الاسم، وإنما ما يصدر عن القضاء الدستوري، سواء أكانت تجسده محكمة عليا أو محكمة دستورية أو مجلس الدستوري. وعلى هذا المستوى، أقل ما يمكن أن يقال عن دور القضاء الدستوري المغربي إنه كان محافظا، واتجه في أكثر من الأحيان إلى تكريس الطابع “الرئاسوي” للنظام الدستوري المغربي. الشيء الذي برز في اتجاه نحو عقلنة صلاحية الحكومة في علاقتها بالملك، مثلا في مجال تعيين الأمناء العامين للمؤسسات الدستورية المنظمة بقوانين تنظيمية، مثل المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، وتطويع مقتضيات الدستور لتبرير سن إجراءات وتدابير تشريعية ليس لها سند دستوري، مثلا قضية التمييز الإيجابي لفائدة الشباب، وكذلك التصويت بالوكالة الذي تحدثنا عنه، ثم تقليص سلطات البرلمان مجال مراقبة وتتبع بهيئات الحكامة بداع استقلاليتها، والحال أن تلك الاستقلالية يجب أن تفهم في العلاقة مع السلطة التنفيذية وليس السلطة التشريعية.

لذلك، أعتبر أن الدستور في حاجة إلى تعديل، لكن في اتجاه المزيد من تعزيز ديمقراطية العلاقات السياسية التي يفترض أنه يحكمها، والمزيد من تعزيز ربط المسؤولية بالمحاسبة، بالمعنى الذي يجعل كل ممارسة لسلطة سياسية تقابلها إمكانية للمحاسبة، وأيضا في اتجاه تدقيق موقف المشرع الدستوري من كونية حقوق الإنسان ومكانة القانون الدولي في علاقته بالقوانين الوطنية، وليس من منطلق التوظيف السياسي للتعديل لخدمة أجندات معينة، وترتيبات محددة، لا علاقة لها بحقيقة صناديق الاقتراع.