فسحة الصيف.. هكذا تعرض الملا عمر لأول محاولة اغتيال- الحلقة 18

ملا ملا

.

الملا عبد السلام ضعيف، رجل من رجالات الصف الأول في أفغانستان، وأحد الذين شاركوا في المفاوضات التي أددت إلى نشوء حركة طالبان، كان صوتا إعلاميا للزعيم الروحي لهذه الحركة الملا محمد عمر. مذكرات كتبها ضعيف بيده، وقال فيها كل شيء، باح بما له وما عليه: نشأته ودراسته في المدارس الدينية، ودوره في صد الحرب السوفياتية على أفغانستان.

كشف خفايا علاقته بطالبان ما خبره من مفاوضات سرية وعلنية، داخلية وخارجية، وأسرار تقلبه في المناصب المتعددة التي تبوأها ومنها نائبٌ لوزير الدفاع ونائبٌ لوزير المناجم والصناعة. هنا في هذه المذكرات المثيرة، سيكشف الملا ضعيف، عن طبيعة العلاقة مع الأميركيين، وما يدور في ميدان المعارك، وخلف الكواليس السياسيّة من صفقات وأسرار.

دوره منذ أحداث 11 شتنبر التي قلبت حياته وحياة بلده، وبعدها، حين كان صلة الوصل الوحيدة بين أفغانستان والعالم. قبل أن يصبح السجين رقم 306، في سجن غوانتانامو.

 إعداد: عادل الكرموسي

زارنا الصحافيون من حين إلى آخر، لكننا لم نكترث لأمرهم، فقد كانت طلباتهم كثيرة. طلب صحافي مرة محادثتي. ولأننا ممنوعون من التحدث إلى الصحافة، قلت له إن عليه الرجوع إلى القيادة، لكنه اعتبر ما قلته دعوة لطرح المزيد من الأسئلة عن قيادة طالبان. قلت له إن الملا محمد رباني والملا برجان هما القائدان، وإنهما ليسا في القاعدة الآن. كما حاول صحافيون كثر إيجاد من يحاورونه. ولكن طالبان حافظوا على خصوصيتهم.

 برحيل صالح، استطاعت طالبان إخلاء كل حواجز الطرق، ومن دون قتال معظم الأحيان. وكان أحد هذه الحواجز يخضع لسيطرة نادر خان، ويقع على تقاطع ثلاث مرات طالبين إليه الرحيل ولم يمتثل. لكنه بمجرد أن أحس بقرب القتال هرب، وبرحيله لم يبق من حواجز سوى تلك التي سيطر عليها سر كاتب عطا محمد والأستاذ عبد الحليم. وبدا لنا أنهما يملكان رجالا أكثر من المجموعات الأخرى التي واجهناها وأنهما أقوى منها.

حتى ذلك الحين، كنا نمر بحرية عبر الأراضي التي يسيطران عليها، لكن العداء بيننا كان علنيا، وكانا يتصرفان بعدائية كلما مررنا في أراضيهما ونحن لا هدف لنا سوى التخلص من كل المجموعات المسلحة المنتشرة على الطرقات، ومصادرة كل الأسلحة الثقيلة، لكن سر كاتب والأستاذ عبد الحليم، رفضا تسليم أسلحتهما لطالبان، ونتيجة لذلك، توترت الأجواء بين الملا نقيب وسر الكاتب، وراح القتال يدور بين قوتيهما يوميا.

حاولت طالبان مرارا أن تقنع سر كاتب بالانضمام إلى قواتها، لكنه كان يرفض في كل مرة، كما أرسلنا ثلاثة وفود عرضت عليه سيارات وأسلحة كلاشنكوف والسماح له بالمرور عبر أراضينا مقابل رحيله. لكنه أوقف أعضاء الوفود وسجنهم. تبين لنا حينها أننا أتحنا له كل الفرص الممكنة، لكن الأوضاع راحت تسوء يوما بعد يوم. بعد ذلك، تلقينا تقريرا فحواه أن سر كاتب ينوي اغتيال الملا محمد عمر. وقضت خطته بأن يهاجم موكب قائدنا على الطريق الذي يصل منزله بالمدينة، لذلك اضطر الملا محمد عمر إلى أن يتوقف عن المرور بتلك الطريق لأنها لم تعد آمنة.

توسعت الحركة في جميع أنحاء قندهار في مقاطعات عدة في آن، حتى أصبحت 3 فصائل مختلفة تعمل بشكل شبه مستقل الواحدة عن الأخرى. عندها قرر الملا محمد عمر ضرورة توحيد الحركة، فدعا الملا محمد رباني آخوند والمولوي عبد الرزاق، لاجتماع أقسم من خلاله الاثنان على القرآن الكريم باتباع الملا محمد عمر. وبذلك توحدت الفصائل الثلاثة تحت قيادته.

 بعد ذلك، نفذنا هجوما مفاجئا على مركز مقاطعة بولدان قرب الحدود الباكستانية، فأرسلنا شاحنات عدة إلى السوق الأساسية، وترجلت قواتنا فجأة من الشاحنات قرب مركز الشرطة. يوم ذاك، سيطرنا على المقاطعة بأكملها في خلال 15 دقيقة فقط. وبعد هذا الهجوم، هرب الملا أخطر خان. أما رجاله، فانضم معظمهم إلى طالبان، ورجع الباقون إلى منازلهم. فقد سحب رجاله، الذين أدمنوا تدخين الحشيش والغليون، من حاجز الطريق قبل وصولنا. بيد أن المنطقة الواقعة كانت تحت سيطرة منصور الذي استعد ورجاله للقتال وكنت حينها في منطقة هندو كوتاي.

وضع تحت إمرتي 15 رجلا. وطلب إلي أن أسيطر على منطقة مكتب قرب مقر الأستاذ عبد الحليم، وأن أصد أي هجوم محتمل.

وعلى الرغم من أنني لم أرد تولي أي مسؤولية، وأنني قمت بعدة محاولات لتجنبها، فإن معركة قاسية دارت من جهة تختبول خلال ذلك الوقت، مما أجبرني على التصرف. وفي ظهيرة ذلك اليوم، أرسل سر كاتب والأستاذ عبد الحليم عسكرهما. استخف رجال الأستاذ بقدراتنا وراحوا يقولون للجميع: “إذا احتجتم إلى أقمشة لعمائمكم، فتعالوا غدا وخذوا كل ما أردتم من جثث رجال طالبان”.

يومها، تمركزوا عند مدخل السجن في حين لم يكن بحوزتنا سوا آر .بي. جي واحد، وبعض رشاشات الكلاشنكوف. كانت أسلحتهم أكثر وأقوى من أسلحتنا، وكان علينا إحضار أسلحة أفضل سريعا. عدت بسرعة إلى هندو كوتاي، لأحضر سلاحا من عيار 82 ملم. ورأيت الملا نقيب والملا مرجان جالسين معا في القاعدة، وبعد التحية، شرحت المشكلة للملا مرجان. وقلت له إنني بحاجة إلى سلاح من العيار 82 ملم، لأن قوات الأستاذ أتت على متن دبابتين، فقال “الملا نقيب” إن قلق رجل واحد يؤثر أحيانا على الجميع يا طالب!، لا تقلق! إذا أحضروا دبابتين، فامض إليهم بثلاث!” قلت له: “لكننا لا نملك دبابات يا ملا صاحب”، فنظر إلي وابتسم، وأشار إلى مبنى القوات العسكرية قائلا: “هذا المبنى مليء بالذبابات وكلها في خدمتك”. كنت ولا أزال ممتنا للملا نقيب بخصوص كلماته المشجعة في تلك المناسبة. بعدها رجعت إلى موقعي.6