فسحة الصيف.. من تاريخ الطاعون إلى عقليات الطاعون- الحلقة 2

الطاعون الطاعون

.

محمد أبرهموش

يرى حسين بوجرّة أنّ الصّراع الفكري على مستوى العدوى والبدعة، ولّد مقاربتين: مقاربة الصّابرين المستسلمين للقضاء الإلهي، الذي لا مفرّ منه، ومقاربة المتحفّظين المحترزين من طعنات الوباء، مقدما مجموعة من الأمثلة من القرن التاسع عشر إلى القرن الرابع عشر، من أدبيات “الكرنتينة” إلى أدبيات الطواعين، في إطار مقاربة استرجاعيّة طويلة الأمد، كالسّجال الفكري الذي كان قائما بين التونسيين بيرم الثاني ومحمد المناعي حول الحجر الصحي. فالأول يقول بضرورة التحفظ من الوباء، بينما الثاني يرفض قضية العدوى.وتوقف عند الاختلافات القائمة بينهما في عملية التنظير والإفتاء، على ضوء انتماءاتهم المذهبية والفكرية. في المقابل رغم تعدّد الاجتهادات بالمغرب الأقصى، فقد سيطرت المواقف الفقهية الرافضة لقضية العدوى،كما تفصح عنها فتوى الناصري بصورة تركيبية في “حكم الكرنتينة”.

ويشير البزاز إلى انشطار مواقف فقهاء المغرب في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر لاتجاهين: الموقف الأول، يقرّ بضرورة الوقاية والاحتراز من الطاعون، أما الموقف الثاني، فقد كان معارضا للتّحفظ ويناهض حقيقة العدوى،وتحوّل”إلى سلاح فكري وأداة تبرير لرفض التنظيمات الصحية الوافدة”.

توقّف حسين بوجرة في القسم الثالث، عند إشكالية “العدوى وبدعة التّحرّز”، من منظور النّص الدّيني والفعل السياسي والواقع التلقائي. تتبع معظم الأحاديث المقرة بالعدوى والرافضة لها، وما أثارته تلك القضايا من تأويلات وتخريجات فقهية، قبل أن ينتقل إلى البحث والكشف عن أوجه التداخل بين المقاربتين الطبّية والفقهيّة، منذ الطاعون الأسود سنة 1348، حيث كان الأطباء يبحثون عمّا يبرّر موقفهم انطلاقا من النصوص الدينيّة، إذ كانت سلطة الدين تهيمن على ذهنيات المجتمع. وفي المقابل لجأت العقلية الفقهية والدينية إلى وسائل مادية تتكون من علاجات طبيعية، وكذا الأساليب الرمزية، كاللّجوء إلى بركة الأولياء والشيوخ مع ترديد الأدعية واستعمال الوصفات السحريّة، التي لقيت رواجا كبيرا في ظل عجز الهياكل الطبية.

وخصّص المؤلف الفصل الأخير للمقارنة بين موقف الدولة الحديثة من الطاعون بأوروبا، وطرق تعامل المخزن مع الأزمات الديموغرافية، التي تميّزت بالمواجهة واللامواجهة حسب السياقات والظروف التاريخية. وبالتّالي، تَوصّل إلى خلاصاتٍ عامةٍ تُؤكد على “ضرورة الإقرار بالتمييز بين فترتين في تعامل الدّول المغاربية مع الطاعون”، حيث تميزت الأولى بسيطرة السياسة الصّحية الرّسمية الشّخصية لحماية كوادر جهاز المخزن، بينما عرفت الثانية سياسة صحية منفتحة على الجميع، تهدف إلى حماية سكان الحواضر ومدن الموانئ وبعض الأهالي، خصوصا في تونس.

استحضر الباحث دور الهياكل الديموغرافية في تفسير المنعطفات السياسية،حيث لا يمكن فهم ميكانيزمات تعاقب أنظمة الحكم ومختلف التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بعيدا عن الواقع الديمغرافي. ويستمد هذا التّصور جذوره المرجعيّة من دراسة الباحثين روزنبرجي والتركي، حين فسّرا بعض المشاريع والانهيّارات السياسية على ضوء الأزمات الديموغرافية. لقد ساهم الموت الجماعي نتيجة أزمات الطاعون أو المجاعة أو الحرب وغيرها، في توفير التربة الخصبة لمشروع السعديين، عندما كانت البلاد منهكة بسلسلة من الكوارث الديموغرافية الجارفة. ومع بداية القرن السابع عشر أدت نفس العوامل إلى ضُعف سلطة السعديين بعد وفاة أحمد المنصور الذهبي سنة1603، مما فسح المجال أمام العلويين لتحقيق مشروعهم السياسي. لكن رغم هذا، لا يمكن الارتكان إلى المعطى الديموغرافي بشكل مطلق، ونفي العوامل الأخرى في تفسير البنيات والتحولات السياسية.

مقاربةٌ تاريخيّة مُركّبة

وظّف المؤلف منهجا مركبا يجمع بين الديموغرافيا التاريخية والأنثربولوجيا التاريخية والمعارف الطبية، قصد الكشف عن الحراك الاجتماعي والسياسي والثقافي والطبي في بلاد المغرب قبل الرجة الاستعمارية. إنه تصور منهجي يتطلع إلى الانتقال من “دراسة الطاعون والموت، إلى دراسة الهياكل الذهنية والعقليات”، موظفا المنهج المقارن بين البلدان المغاربية تارةً، وبينها وبين المجالات المشرقية والأوروبية تارةً أخرى،قصد الخروج من إطار التاريخ الإقليميّ الضّيق والانفتاح على العوالم الجغرافية الأخرى. 

يسهم التاريخ المقارن في تطور الكتابة التاريخية، عبر طرحه لإشكاليات منهجية وقضايا معرفية عميقة. في هذا الصدد، يشير الكاتب إلى أن هدفه من توظيف المنهج المقارن يتمثل في محاولة إثراء الكتابة التاريخية التونسية،بالانفتاح على بعض الفضاءات الجغرافية المتوسطية القريبة. ونظرا لصعوبة إنجاز دراسة مقارنة شاملة بين البلدان المغاربية، فقد ركز المؤلف على التاريخ التونسي.

وبهدف إغناء مصادره التاريخية وتجاوز مسألة الانغلاق وعدم التنسيق بين الدراسات الطبية والتاريخية، وظّف حسين بوجرة مادّة مصدريّة ومرجعيّة متنوعة تلامس موضوع الأوبئة والأزمات الديمغرافية، من أجل المساهمة في تأسيس “تخصص أكاديمي قائم على أساس تكوين طبي وتاريخي مشترك”، على منوال ما قام به المؤرخ المغربي بوجمعة رويان في أطروحته حول الطّب الكولونيالي الفرنسي بالمغرب.