سعيدة الكامل تكتب: المضربون عن الطعام شرهون!

سعيدة الكامل سعيدة الكامل

الرأي

كم مرة سنعد عدد أيام إضراب الجوع في السجون؟ كم مرة سنعد عدد المضربين وعدد ما أضربوا؟

وكم مرة سنعد عدد الصامتين والصارخين والموقعين والواقعين؟ كم مرة سنرى مشهد أمهات تعلمن الخطابة قسرا وصرن بليغات على منصات لم يعتدنها من قبل؟ كم مرة ستكفكفن دموعهن، كم مرة سيصلين باكيات؟ كم مرة سنسمع حرقة والد الزفزافي الذي صار شاهدا على زمن ممتد من الجمر إلى الحجر؟ كم مرة سنقرأ المناشدات ودعوات الفرج؟ وكم مرة سنعد عدد الوسطاء الفاشلين و”المغرقين” الناجحين؟ كم مرة سنعيش هذه الحكاية البئيسة؟ أمَا حان لها من نهاية؟ لا بد أن يكون لهذه التراجيديا من نهاية تليق بخيال المؤلف: هؤلاء المضربون متمردون على مهلة الحياة 20 عاما؛ لم يكونوا في حجم الرحمة التي نزلت على ناطق الحكم حين نطقه، كان يمكن أن يضعهم في السجن المؤبد لولا أنه ثار وغار على استقلاليته، كان رؤوفا، 20 عاما لا تساوي شيئا أمام أن يفرط في “هبته”، ولا تساوي شيئا إذا اختل الميزان الذي فوق رأسه، المهم ألا يختل الميزان!

 والآن يرفضون الأكل، واستحلوا طعم الماء والسكر، وعافوا ما “طاب” على نار مطبخ السجن! ماذا سيحدث إذا ما انتهى هذا المشهد المتكرر نهاية غير حالمة؟ نهاية واقعية! تشبه واقعنا وخيبتنا! لم يعد مشهد انتصار الأبطال في الروايات والأفلام مغريا بالمشاهدة، اليوتوبيا لا تغذي سوى مرض الأمل والتعلق بالوهم؛ فلنكن واقعيين، وهذا يتطلب أن يموت الأبطال، لقد رفضوا الأكل وتركناهم، فنحن نقدر الحرية، الحرية في أن يموت كل متى شاء، عفوا متى تمرد عن الطعام! هؤلاء لا يعرفون أن وجبات التامك تثير شهية من لم يجدوا إليها سبيلا، وأن الكتب والجرائد لا تحمل أخبارا تليق بالمقام، لماذا سنعكر صفوهم وندعهم يقرؤون أسى من هم خارج الأسوار؟ ولماذا سندعهم يطيلون في الكلام ونحن نعلم أن كثرة الحديث مع الأهل تصيب بداء الشوق والحنين والرغبة في عناق الوالدين أو من يحبون، وقد تتحول الرغبة في سماع صوت من يودون دقائق أكثر، إلى رغبة في لقاء ثم مجالسة وقد يتطور الأمر إلى رغبة في التجول معهم في مدنهم، أتعرفون معنى هذا!؟ إنهم يريدون الخروج ببساطة، وقد يتسللون من الهاتف! وهذه رغبة قاتلة، تجعلهم يصابون بوهم لقياهم خارج هذا المقام، من الأفضل لهم ألا يحلموا بحياة غير ما يمضونه في ضيافتنا.

مللتم المشهد المتكرر وتكرار عد الأيام؟ فلتتوقفوا على عادة عد الأصابع؟ تريدون نهاية للحكاية تليق بتشوقكم؟ ولما لا يتحقق ذلك؟ للأسف لم تدركوا بعد عبرة تكرار المشهد، عبرة التكرار أن تحفظوا الدرس جيدا، فنحن نعلم أن ذاكرة الحشد قصيرة وقد ينسوا بسرعة ما تتسبب فيه لعبة الحراكات، لا تلعبوا مرة أخرى هذه اللعبة، كي لا تصيبونا بالغضب عليكم ونضطر لتكرار المشهد، أما الآن فستكون النهاية التي تودون، نهاية تنهي الشوق وتنهي الملل وتنهي تعب المسافات لزيارة السجون، ماذا يوجد في السجون كي تزار؟ تحبون التعب وتطلبون منا تقريب المسافات، وإن فعلنا قد تطلبون فيما بعد أن تتحول إقامتهم إلى بيوتكم، وبيتوكم ليست أرحب من سجننا!

سننهي هذا المسار، لهذا وضعنا الطين بآذاننا كي لا نسمع صوت الأمعاء الفارغة، إنها تشبه شعارات حراككم ونحن أيضا مللننا سماعها؛ إنها معزوفة لا تطربنا، لكنها ستكون النهاية التي تسكن الذاكرة، فأنتم كسالى في الحفظ ووحدها هذه النهاية قد لا تنسى، مهما عددتم عدد الإضرابات وعدد الوعود فستنسون وقد تخطئون العد، لكن إذا مات الأبطال في نهاية هذا المشهد، فهذا لا يمكن نسيانه، لأنه لن يتكرر ولن تصابوا بالملل مرة أخرى، الموت يكون مرة واحدة، هل يعقل أن يموتوا ثم يعودوا ليموتوا مرة أخرى، ونضطر لحساب كم مرة كانوا وكم مرة عادوا؟ لا، هذا غير ممكن، الحل الجذري هو الحل، فنحن أيضا لنا راديكاليونا، وهم يشتهون أن تنتهي دواعي الإضراب، ودواعيه هي أنهم أحياء، كلما ظلوا أحياء سيطلبون وسيطلبون، اليوم يريدون فسحة أرحب وغدا قد يرغبون في فسحة كاملة خارج السجن.

 ماذا سيحدث لو مات الزفزافي جوعا؟ وماذا سيحدث إذا لم يغن نبيل أغنيته المزعجة: “الموت ولا المذلة”، وماذا سيحدث لو مات من لازال لهم فقط 12 أو 7 سنوات سجنا ولَم يصبروا؛ إنهم جاحدون، هل ستموت زليخة من “الفقصة” على فراق ابنها، هي تشبه ابنها على كل حال، أو ربما هو يشبهها، يا إلهي أخطأنا، سجنا شبلا وتركنا اللبؤة تزأر في وجوهنا؛ إنها أخطر من ابنها، لا بد أنها أرضعته ما في جيناتها من تجرؤ، هل ستدعو علينا والدة أحمجيق؟ لقد فعلت ذلك مرارا، تخيلوا أن نرأف وتصلنا دعواتها الحاقدة فيما بعد؟ لا، لن تخدعنا هذه المرأة، فقد تصلي وتدعو علينا عِوَض لنا إن نحن أطلقنا ألحانه.

في الحقيقة هناك أزمة ثقة عميقة، ماذا يضمن لنا ألا يتكرر ما جرى؟ من سيجبر ضررنا حينها؟ من سينصفنا نحن الساهرين على أمانكم؟ لا بد من ضمانة ألا يتكرر ما حدث، هكذا تُبنى الثقة، وهكذا يمكن أن نصدق أننا في طور الانتقال، ليست هناك أي ضمانة ألا يعاودوا فعلتهم فهم يحبون الغناء بالشارع، ولو تكرر ذلك فسيكون أسوأ، فقد تصل دبابة المهدواي حقا وقد يصير الزفرافي إماما بمسجد يصلي بالناس يوم الجمعة ويخطب فيهم بما لم نكتب، ويتذرع بانخفاض الصبيب ليصب ما يريد في آذان الناس.. لا، ليست هناك أي ثقة، ومن الأفضل أن تعدوا إلى أن يتوقف العداد، فهم لا يريدون مجرد فسحة، المضربون عن الطعام هم في الحقيقة شرهون، شرهون للحرية، وهي طبق باهظ الثمن.