فسحة الصيف.. كلفني بها الملا عمر.. من خفايا مفاوضاتي مع شاه مسعود

ملا ملا

.

الملا عبد السلام ضعيف، رجل من رجالات الصف الأول في أفغانستان، وأحد الذين شاركوا في المفاوضات التي أددت إلى نشوء حركة طالبان، كان صوتا إعلاميا للزعيم الروحي لهذه الحركة الملا محمد عمر. مذكرات كتبها ضعيف بيده، وقال فيها كل شيء، باح بما له وما عليه: نشأته ودراسته في المدارس الدينية، ودوره في صد الحرب السوفياتية على أفغانستان. كشف خفايا علاقته بطالبان ما خبره من مفاوضات سرية وعلنية، داخلية وخارجية، وأسرار تقلبه في المناصب المتعددة التي تبوأها ومنها نائبٌ لوزير الدفاع ونائبٌ لوزير المناجم والصناعة. هنا في هذه المذكرات المثيرة، سيكشف الملا ضعيف، عن طبيعة العلاقة مع الأميركيين، وما يدور في ميدان المعارك، وخلف الكواليس السياسيّة من صفقات وأسرار. دوره منذ أحداث 11 شتنبر التي قلبت حياته وحياة بلده، وبعدها، حين كان صلة الوصل الوحيدة بين أفغانستان والعالم. قبل أن يصبح السجين رقم 306، في سجن غوانتانامو.

 

على الرغم من أن السنوات الأولى من حياة الحركة تميزت بالعمليات العسكرية لتوسيع رقعة السيطرة، إلا أن المفاوضات كانت دوما تجد لها مكانا في قلب استراتيجية طالبان، إذ شددنا على أهميتها وسعينا إلى تفعيلها، تجنبا للقتال مع مختلف القادة.

وهذه الاستراتيجية استمرت حتى سقوط النظام في عام 2001، وقد شاركت بنفسي مرتين في محادثات السلام مع مجموعة مسعود، إحداهما معه مباشرة، والثانية مع مجموعة من ممثليه. في المناسبة الأولى اتصل مسعود بأمير المؤمنين وأبلغه أنه يريد تدليل الخلافات بينهما عبر الحوار، تكلما باختصار عبر الهاتف وتم الاتفاق أن أقابل مسعود للدخول في تفاصيل الأمور، ورغم معارضة عائلتي وأصدقائي، فقد توجهت إلى بغرام ومن هناك إلى منطقة تسمى ساراك النو تقع تحت سيطرة مسعود ورجاله.

نصحني الكثيرون بالتفتيش عن منطقة محايدة لإجراء المفاوضات، لكن كل المحادثات مع مسعود لإيجاد مكان آخر كان مصيرها الرفض، إذ كان يخشى أن يقع في فخ طالبان فيقتلونه، أو يلقون القبض عليه، فيما لو تم الاجتماع في أي مكان آخر.

أخبرته أنني سألتقي به في بانجيشير، وإن شاء الله نتوصل إلى حل سلمي. دامت المفاوضات قرب بغرام لمدة أربع ساعات، قضيت معظمها أجيب عن أسئلة مسعود. غادرت كابول مع بعض الحراس منتصف الليل وكان مسعود ورجاله بانتظاري على جانب الطريق، بسطنا عباءاتنا أرضا في ليل لا ينير ظلامه سوى ضوء القمر. وجلسنا تحت الشجر في ما هو أشبه باللامكان.

عرض مسعود خطته لتحقيق السلام ومن ضمنها ترتيباته لتحالف عسكري مشترك، قبل انطلاقي لمقابلة مسعود والملا محمد عمر حول نقاط الحوار. وأبدى لي تحفظه عن موضوع التحالف العسكري. لم يكن الملا عمر يمانع أن يمنح مسعود مراكز في القطاع المدني أو السياسي، لكنه كان يجد في من الخطير مشاركته في السلطة العسكرية. فبرأي الملا صاحب سوف يولد منح مسعود قوة عسكرية مشكلة أكثر من تلك القائمة أصلا. في المقابل، شدد مسعود على أهمية المشاركة في القرار العسكري، وعزز موقفه بحجة أننا “قاتلنا في الجهاد المقدس على حد سواء، فمن حقنا أن نحصل على حصص متساوية بالحكومة”. إننا نحترم مسعود وقد كنا مجاهدين معا وشاركنا معا في الجهاد، لكن الاستراتيجية العسكرية تفرض علينا توحيد القيادة. أحد أولى البنود على جدول أعمال الاجتماع كان التحضير لتبادل الأسرى، لكن مسعود ربط الموضوع بالتفاهم على القضايا الكبرى، فانتهت المفاوضات دون أن نصل إلى أي نتيجة سوى أننا اتفقنا على متابعة المباحثات في المستقبل. وعندما شارفنا على اختتام الجلسة أخبرت مسعود أنني شخصيا كمجاهد أحترم جهاده، الذي انخرط فيه أيضا كل الشعب الأفغاني.

قلت له: “لقد أخذ كل منا قسطا من هذا الواجب المقدس، كل بحسب طاقته، ويجدر بنا جميعا أن نقدم التضحيات، لكنني كمجاهد أرى أن المسألة مسألة وحدة. والوحدة لا تهتم بأمر من يتولى القيادة، الشمال أو الجنوب، بل تعمل على وضع مصلحة الأمة في جوهر كل القرارات. يتوجب علينا اليوم أن نضع احتياجات بلدنا على رأس سلم الأولويات، بينما ستذهب أسماء المجاهدين الذين اشتهروا بالنزاهة والفضيلة إلى الظل. ويكفي ما حدث حتى الآن من خراب ودمار.

مرت أشهر عدة قبل أن أعود لألتقي من جديد ممثلين لمسعود كان الوضع قد تدهور، وبات مسعود رافضا فكرة اللقاء الشخصي به.

انتدبني الملا عمر لأترأس المفاوضات، اصطحبت المولوي آغا محمد والمولوي عبد الحي، جرت المحادثات في المنطقة العازلة التي أقيمت بين الخطوط الأمامية بين طالبان ومسعود.

أرسل مسعود المولوي عطا الله وشخصا آخر لم أعد أذكر اسمه للقيام بالمفاوضات، كان الجو إيجابيا لكن مشكلة جديدة نشأت هذه المرة، وهي قضية العلماء، أراد رجال مسعود أن يناقشوا وضع العلماء، واقترحوا إنشاء مجلس مشترك للعلماء، تقضي الخطة بأن يعين كل طرف 50 عالما لكي تتحقق المساواة داخل المجلس، كان القلق باديا في مواقف مسعود من أن يعيد التاريخ نفسه وتتكرر قصة حبيب الله كلكاني، ونظير خان، لذلك سعى إلى التمسك.

من ناحيتنا، بذلنا جهدنا لتفادي حصول أمور كهذه، فبرأينا المسألة سهلة. حاولنا أن نشرح لهم أن دور العلماء ينحصر في مناقشة الأمور الدينية، والبث في أمور الشريعة، التي هي من اختصاصهم، وهم بالتالي سيحرصون على أن تتماشى كل مشروعاتنا ومخططاتنا مع الشريعة الإسلامية، فإن كانت جماعة مسعود تحاول تقسيم القوة العسكرية عبر تقسيم مجلس العلماء، فذلك دليل واضح على أن هدفهم من المجلس سياسي ولا يمت إلى الشريعة بصلة.