فسحة الصيف.. عندما عارضت الملا عمر ورفضت العودة إلى وزارة الدفاع- الحلقة 22

ملا ملا

.

الملا عبد السلام ضعيف، رجل من رجالات الصف الأول في أفغانستان، وأحد الذين شاركوا في المفاوضات التي أددت إلى نشوء حركة طالبان، كان صوتا إعلاميا للزعيم الروحي لهذه الحركة الملا محمد عمر. مذكرات كتبها ضعيف بيده، وقال فيها كل شيء، باح بما له وما عليه: نشأته ودراسته في المدارس الدينية، ودوره في صد الحرب السوفياتية على أفغانستان. كشف خفايا علاقته بطالبان ما خبره من مفاوضات سرية وعلنية، داخلية وخارجية، وأسرار تقلبه في المناصب المتعددة التي تبوأها ومنها نائبٌ لوزير الدفاع ونائبٌ لوزير المناجم والصناعة. هنا في هذه المذكرات المثيرة، سيكشف الملا ضعيف، عن طبيعة العلاقة مع الأميركيين، وما يدور في ميدان المعارك، وخلف الكواليس السياسيّة من صفقات وأسرار. دوره منذ أحداث 11 شتنبر التي قلبت حياته وحياة بلده، وبعدها، حين كان صلة الوصل الوحيدة بين أفغانستان والعالم. قبل أن يصبح السجين رقم 306، في سجن غوانتانامو.

إعداد: عادل الكرموسي

بقيت أعمل في وزارة الدفاع لمدة عام ونصف، وكان الأمر متعبا لي. كلفت بمهمات أقلقت راحتي، إذ لم أعهدها على نفسي. عملت على التفتيش في سجلات الوزارة عن أسماء الشيوعيين الأفغان، الذين قلدوا ميداليات الشرف لقتلهم أفغانيين آخرين خلال الحكم الشيوعي. وأجريت تحقيقات حول أحداث “شومالي”. لكن النتائج التي صدرت لم تكن تقنعني بتاتا. هذا العمل الشاق المضني أثر في كثيرا ففضلت الانسحاب. تحملت مسؤوليتي كاملة وسلمتها بأمانة إلى خلفي وعدت إلى منزلي.

 بعد استقالتي من وزارة الدفاع، قضيت ثلاثة أشهر في منزلي بكابول. اكتشفت في وقت لاحق أن أحد أصدقائي القدماء مطيع الله إنعام كان يعمل في القسم اللوجستي، فقررت لقاءه والدراسة معه. ورغم سوء الأوضاع على مختلف الأصعدة، جراء مشكلاتي المادية التي لا تزال تقلق راحتي، فإنني شعرت بسعادة تفوق سعادتي وأنا في الوزارة. شعرت بأنني حر ولا أحد يستطيع تعكير صفوي.

 زارني الأصدقاء من وقت إلى آخر في منزلي الكائن مقابل مسجد وزير أكبر خان. واضطررت أحيانا إلى اقتراض المال لتأمين حاجات عائلتي، تقوقعت بعض الشيء على نفسي ووزعت جل وقتي بين المنزل والصلاة في المسجد. وذات صباح بعدما أديت صلاة الفجر وهممت بالعودة من المسجد اقترب مني رجل من طالبان، وقال لي سيأتي معاون صاحب لتناول الفطور في منزلك اليوم، ويقصد بمعاون صاحب الملا محمد رباني نائب قائد طالبان. عدت إلى المنزل وقمت بتحضير الشاي والفطور ووصل الحاج معاون الملا محمد رباني صاحب مع شروق الشمس إلى منزلي، كان الرجل هادئا ولطيفا وحلو الحديث، جلس واطمأن بتهذيب عن عائلتي وعملي وصحتي. ثم سألني عن سبب غيابي عنه في الأشهر الثلاثة الأخيرة. اعتذرت عن قدومي لزيارته ومبررا انشغالي بدروسي وعدم رغبتي في هدر وقته، ذلك أنني كنت أعلم بانتقالاته الكثيرة. قال الملا محمد رباني إنه “ناقش وضعي مع ملا محمد عمر صاحب، وارتأينا ضرورة عودتي إلى منصبي في وزارة الدفاع”.

 من الصعب علي أن أرفض طلبه لما أكن له من احترام بالغ. لكن موضوع عودتي إلى الوزارة كان مفروغا منه في نظري. انتظرت حتى أكمل حديثه وجلست صامتا لوقت طويل حتى وزنت كلماتي وقلت: “تعلم يا سعادة الحاج معاوية صاحب مقدار الاحترام الذي أكنه لكم، لكنني أود أن أشرح لكم الحقيقة بخصوص عملي. أنا أعتقد أن أمير المؤمنين ليس راضيا عني في الوقت الحالي ولا أدري لماذا؟ ولا يهمني هذا الأمر بالتحديد، لكنني لا أستطيع إطلاقا العمل في جو كهذا، كما تعلمون، أنا لست من الناس الذين يعملون لأجل المال أو المنصب أو الوظيفة، لذلك أحتفظ لنفسي بقرار العودة. لقد واجهت مشكلات عظيمة عندما كنت أخدم في وزارة الدفاع، ولا تزال تلك المشكلات قائمة حتى اليوم. وسيكون صعبا جدا علي أن أعود إلى الوزارة لأواجه العقبات نفسها من جديد، لهذا السبب قدمت استقالتي في المرة الأولى. لقد تعبت أريد أن أتابع دراستي ولا يهمني إطلاقا التدخل في شؤون العالم بعد الآن”.

نصحني الملا محمد رباني أن أتسلح بالصبر. وعبر عن أسفه للمشكلات التي واجهتني. قال وهو يغادر: “من الضروري أن نلتقي مجددا”، وأردف قائلا: “عما قريب”.

 بعد أيام قليلة، عاود الاتصال بي وأبلغني بوجوب سفري إلى قندهار للقاء الملا محمد عمر والتكلم إليه بنفسي. لم أشأ الذهاب، واختلقت الأعذار لتبرير تمنعي، لكن الملا محمد رباني أصر علي قائلا: “إن لم تذهب بنفسك فسأضطر إلى اصطحابك بنفسي”.

في اليوم التالي أقلتني رحلة “أريانا” المتوجهة من كابول إلى قندهار. مضيت لمقابلة الملا محمد عمر. توجهت من المطار مباشرة إلى مكتب الملا صاحب المحاذي لمنزل الحاكم. دخلت، ولمحته جالسا في غرفته ومعه بعض الحراس الشخصيين. تبادلنا السلام وفاتحني منذ اللحظة الأولى بالموضوع الساخن قائلا: “عليك بالعودة إلى وزارة الدفاع”.

أخبرته أنني أرفض ذلك، لكنه تجاهلني وتابع مهددا ستعود إلى الوزارة أو سأرمي بك في السجن. فكرت مليا فيما قاله قبل أن أتكلم من جديد. نظرت إلى عينيه وقلت له إنني لن أعود.

لم أكن جاهزا للعودة إلى وزارة الدفاع، ولو أراد أن يسجنني فليفعل ما راق له. فوجئ الملا محمد عمر بهذا الرد ونظر إلي وهو لا يصدق ما سمعته أدناه.

 وقال: “حسنا، بما أنك ترفض العودة إلى وزارة الدفاع، فستتولى منصبا في إحدى الوزارات المدنية، ثم سلمني حوالة بقيمة 400 ألف روبية باكستانية، إذ بلغته أنني كنت رازحا تحت ثقل ديوني. لكنني اعتذرت وأعدت المال إليه. طالبني بالعودة إلى كابول، حيث كان الحاجي معاوية صاحب في انتظاري”.