فسحة الصيف.. الجوائح في ظرفية التمهيد للسيطرة الاستعمارية  2/2

الطاعون الطاعون

,

عبدالأحد السبتي 

يظهر إذن أن أزمات القرن التاسع عشر كانت مرتبطة إلى حد كبير بالتحولات الجارية آنذاك. فقد أصابت المغرب في وضعية “اختلال التوازن الاجتماعي الاقتصادي”، حيث كان تزايد حجم المبادلات البحرية، وبداية التغلغل العقاري الأوربي، والصعوبات النقدية. وساهمت الكوارث بدورها في احتداد مختلف التحولات الناتجة عن “الانفتاح” وأشكال ردود الفعل من جانب المجتمع والدولة. فقد تزايد التفاوت الاجتماعي لصالح فئات المحميين والبورجوازية الحضرية والنخب المخزنية والدينية. ودفعت موجات الهجرة الداخلية بأعداد من الجياع نحو المدن، ولا سيما مدن الساحل الأطلنتي. وفي مستوى آخر، تولدت الأزمات عن الضغط الجبائي، وأدت بدورها إلى احتداد التوتر الاجتماعي، مثل ظواهر قطع الطرق وعداوة سكان البوادي إزاء سكان الحواضر.

لا شك أن موضوع الأزمات الديمغرافية يضع المؤرخ أمام شبكة معقدة من الأسئلة. فهو مطالب بأن يصف الظواهر المدروسة ويقيسها ويحللها. وينبغي عليه في آن واحد أن يقارب الظواهر في حد ذاتها، وفي تفاعلاتها وتأثيرها في مختلف جوانب المعيش الجماعي. والملاحظ أن البزاز نبهنا في مقدمة الكتاب إلى أن هناك فرقا بين القرنين المدروسين فيما يخص الإمكانيات الوثائقية، إذ يوفر القرن التاسع عشر رصيدا من الأرشيفات المخزنية والأوربية، على خلاف القرن السابق الذي يفرض على الباحث أن يكتفي بمعطيات وشذرات متفرقة عبر المصنفات التاريخية التي تعود لتلك الحقبة. ورغم الثراء المصدري النسبي للقرن التاسع عشر، فإن أية محاولة لانتهاج المقاربة الكمية تصطدم بغياب الحالة المدنية أو مؤسسات أخرى تسجل المعطيات الديمغرافية بشكل يتسم بالدقة والاستمرارية.

ومعنى ذلك أن يقدم لنا ثمار تحريات صعبة، خاصة وأن الكتاب يخترقه هاجس التوفيق بين وصف الأزمات الديمغرافية وبين رصد آثارها المتعددة. ورغم ذلك فإن الباب الثالث المخصص لردود الفعل يستدعي بعض الملاحظات. فقد تناول المؤلف في أحد الفصول موضوع “الإنسان والمجاعة”، وجمع فيه بعض الجوانب التي لامسها بشكل سريع، مثل طقوس الاستسقاء، ذات الصلة بالتمثلات الدينية، أو تقليد خزن الأغذية، إلى جانب عناوين مثل “تأثير الجوع على السلوك الاجتماعي”، حيث يرد الحديث عن مواضيع متفرقة مثل أكل لحوم البشر والدعارة وقطع الطرق.

 وفي مكان آخر، يؤكد المؤلف “الوظيفة الاجتماعية للمخزن في أوقات المجاعات”. وهنا دخل البزاز في سجال قوي اللهجة ضد صورة الدولة المغربية التقليدية في أدبيات الحقبة الاستعمارية، غير أن هذا السجال يؤدي أحيانا إلى مواجهة الاختزال الاستعماري باختزال مضاد. يشير البزاز مثلا إلى مراقبة الأسواق، وتحديد الأسعار ومكافحة الاحتكار، بل يذهب إلى حد الحديث عن “مساعدة العالم القروي على النهوض”. لكن هناك أسئلة من قبيل: كيف كانت الفعالية الحقيقية لمؤسسة الحسبة؟ وما هي دلالة المسافة البنيوية التي سجلها المؤلف بين الإجراءات المعلنة وبين “صعوبات التطبيق” داخل نفس الجهاز الحاكم؟

وفيما يخص الفصل الذي خصصه المؤلف لأدب الطواعين و”الكَرَنْتِينَة”، ينبغي تسجيل بعض الملاحظات. فبالنسبة إلى الموضوع الأول، نحن أمام جنس خاص، تناول البزاز أهم ملامحه بإيجاز، حيث عرف ببعض النماذج التي تعبر عن الموقفين السائدين تجاه الوباء. أما الموضوع الثاني، فهو يرد في الواقع في مؤلفات ذات اهتمامات أوسع. ويلفت انتباهنا تشدد الفقهاء في رفض “الكرنتينة”، وهو ما ينعكس، على المستوى المخزني، في غياب المسألة الصحية في برامج الإصلاحات التي خططها السلطانان محمد بن عبد الرحمان والحسن الأول. غير أن الأدبيات المتعلقة بالأوبئة تدل المؤرخين على موضوع بكر لم يحظ بعد بالاهتمام، وهو متخيل الأزمات الديمغرافية. وتحضر معطيات هذا الموضوع بشكل غير مباشر، وبشكل مباشر في بعض الحالات، عبر كتب الأخبار وأدب المناقب، وهو ما يساعد على فهم أفضل لخطاب هذه المصادر في تناولها لأخبار الأزمات.

وفي مستوى آخر، يذكر البزاز في خلاصة كتابه بالدور التاريخي الذي لعبته الأوبئة والمجاعات كعامل جمود وتخلف. ويقارن بين الانهيار الديمغرافي الذي عاشه المغرب مع “الطاعون الأسود”، وبين التجربة الأوروبية حيث استفاد نمو الرأسمالية من مكافحة الأوبئة وتراجع موجات المجاعات ابتداء من القرن الثامن عشر. إنها مقارنة تستحق أن تعمق أكثر.

ما هي خصوصيات “النظام القديم” للديموغرافيا المغربية؟ ومن جانب آخر، يجدر التذكير بأن “الطاعون الأسود” لمنتصف القرن الرابع عشر لم يعرقل مسلسل التحولات التي كانت جارية في أوروبا آنذاك. هناك عدة أسئلة يمكن أن تكون منطلقا لفرضيات جديدة لا تكتفي بتسجيل إيقاع تكرار الأزمات الديموغرافية.

 وعلى العموم، فكتاب محمد الأمين البزاز يعد مساهمة مهمة في ملف تاريخي ينتظر منه أن يعرف تراكما في الأعمال وتعددا في المقاربات.