جواد غريب: تداريب الماراثون نزهة فوق الأشواك -حوار

جواد غريب جواد غريب

الحلقة 2

في الحلقات التالية، التي سيروي فيها عداؤون وعداءات مغاربة صنعوا التاريخ، تفاصيل غير مسبوقة عن سباقات أسطورية كانوا أبطالها، سيجد القارئ نفسه إزاء حكايات مثيرة، مروية بلسان أصحاب الإنجاز.

بطل العالم يحكي لـ”أخبار اليوم” عن الاستعداد لبطولة العالم بباريس 2003

جاءت مشاركتك في بطولة العالم لنصف الماراثون لتؤكد أنك بلغت مستوى عال. أليس كذلك؟

نعم، فقد تمكنت من إبراز قدراتي، وتوجت وصيفا للبطل. وفي الواقع، كنت قريبا من الفوز باللقب. أنهيت السباق في زمن قدره ساعة وصفر دقيقة و42 ثانية، ولم يفرق بيني وبين المركز الأول، الذي فاز به الكيني بول كوجي، سوى أربع ثوان لا غير. والسبب في ذلك أنني ضللت الطريق إلى خط النهاية في اللحظات الأخيرة، ولم يكتب لي التتويج بالبطولة.

ثم جاءت ساعة الماراثون. كيف حدث ذلك بالضبط؟

حين عدت إلى المغرب، والتقيت بمدربي مولاي إبراهيم بوطيب، سألني: “علاش ما ديرش الماراثون؟”. قال لي: “طلع حيد من هدشي، ودير الماراثون”.

كانت تلك أول مرة ستسمع بالماراثون في مسارك الرياضي الاحترافي. أليس كذلك؟

نعم. ثم حدثت واقعة ستجرني إلى الماراثون جرا. ذلك أنني كنت مقبلا، في محطة من المحطات، على المشاركة في سباق 5 آلاف متر، ضمن ملتقى من الملتقيات الدولية. وحين رحت أستعد له، فرضت على نفسي تداريب قاسية جدا.

بمعنى؟

أنت تعرف أن أي عداء يريد الوصول إلى مواقيت جيدة في التداريب يتعين عليه الاستعانة بأرانب للتدريب. غير أنني أجريت حصة تدريبية، نصحني بها مولاي إبراهيم بوطيب، بمفردي، ومع ذلك بلغت توقيتا ممتازا.

كانت حصة صعبة للغاية، وأدركت فيها مواقيت للعبور من مسافة إلى أخرى لا تضاهى. وأؤكد لك أنها كانت مواقيت تشبه تلك التي كان يعبر فيها بيكيلي أثناء المنافسات، ويشهد عليها مولاي إبراهيم بوطيب. فمثلا، أنهيت مسافة 3 آلاف متر في زمن 7 دقائق و47 ثانية، بعدما قطعت الألف متر الأولى في حوالي دقيقتين و23 ثانية. ثم أنهيت مسافة ألفي متر، التي طلب مني المدرب جريها، في زمن 5 دقائق و15 ثانية. ثم طلب مني، بعد فترة من الراحة، أن أركض كيلومترا، بحيث جريته في زمن قدره دقيقتين و31 ثانية.

ولو أنك قلت لأي كان؛ سواء أكان مدربا أو عداء أو أي شخص مهتم بألعاب القوى إن غريب عبر من مسافة إلى مسافة في زمن قدره كذا وكذا، وبأنه كان يتمرن منفردا، لما صدق ذلك. فالأمر يحتاج بالفعل إلى فريق عمل، بأرانب تدريب محترفين، قد يصل عددهم إلى ستة.

ثم ماذا حدث مع سباق 5 آلاف متر الذي كنت تستعد للمشاركة فيه؟

كان مفترضا أن أنهي ذلك السباق، عطفا على تلك التداريب القاسية، في حدود 12 دقيقة و56 أو 57 ثانية. فمواقيت العبور من مسافة إلى أخرى كانت واضحة، وحسابيا كانت تعطي زمنا يقل عن 13 دقيقة في سباق 5 آلاف متر.

ما حدث، حينها، أنني أنهيت السباق في توقيت لا علاقة له بكل التداريب التي أجريتها، بزمن قدره 13 دقيقة و22 ثانية و94 جزءا من المائة (ستوكهولم بتاريخ 16 يوليوز 2002). فقررت، مباشرة بعدها، أن أنهي علاقتي بالمضمار، وأن أنتقل، فورا، إلى سباقات الطريق، وعلى الخصوص إلى سباق الماراثون.

“درت كروا على البيست. صافي، ما بقاتش”. وألغيت كل السباقات التي كانت مقررة في برنامجي، لأنتقل إلى السباق الطويل. كان ذلك آخر عهدي بالمضمار.

فكيف بدأت المرحلة الجديدة؛ مرحلة الماراثون؟

بدأت بالاستعداد جيدا للمشاركة في ماراثون روتردام الهولندي، الذي كان مقررا بتاريخ 13 أبريل من سنة 2003. ثم إذا بمولاي إبراهيم بوطيب ينصحني بالمشاركة في بطولة المغرب للعدو الريفي، على اعتبار أنها ستكون محطة تدريبية ممتازة قبل الدخول إلى غمار الماراثون الهولندي.

جرت البطولة المغربية، حينها، بتاريخ 02 مارس، بمدينة أبي الجعد. ورغم أن المتدرب على سباق الماراثون يفتقد، بفعل الاهتمام بالحجم (الإيقاع الطويل)، إلى السرعة، “كتهرب ليه الفيتاس”، فإنني أنجزت سباقا خياليا، وفزت بالمركز الأول.

ثم توجهت، برفقة مولاي إبراهيم بوطيب، إلى روتردام، للمشاركة في السباق المستهدف لتلك المحطة، وهو الماراثون. ولم يكن في نيتي أن أنافس أولئك العدائين الذين يقطعون نصف الماراثون في زمن ساعة ودقيقة، مثلا. بل كنت أستهدف إنهاء السباق، ليس إلا، على اعتبار أنني مبتدئ، ولا يجد ربي العمل على الفوز.

كانت الخطة واضحة في ذهني؛ يتعين علي إتمام مسافة 42 كليومترا و195 مترا، كي أعرف مدى تحملي، وأختبر قدراتي، وأستكشف هذا السباق الذي لطالما حلمت به، وحركني كي أصبح عداء، وأغير حياتي كلها.

ومع ذلك، فقد أنهيت ماراثون روتردام بين الأوائل. كيف كان شعورك وأنت تنهيه، وبزمن جيد، وضمن الأوائل؟

أشير أولا إلى أنني طبقت الخطة كما كانت مرسومة في ذهني، بحيث لم أمض في أثر الأوائل، بل ركضت جنبا إلى جنب مع الكوكبة الثانية. وكنت أعي جيدا بأن كوكبتي تضم العدائين الذين يعبرون نصف الماراثون في زمن ساعة وثلاث دقائق أو أربع.

ومع مرور الوقت، وقد شعرت بأنه في الإمكان التقدم، إذا بي أكتشف أني ألتحق بالعدائين الذين كانوا ضمن الكوكبة الأولى؛ واحدا واحدا. وفي الأخير، وجدت أنني على وشك إنهاء السباق في المركز الرابع، لولا أن عدائين كينيين لحقا بي عند خط النهاية، لأصبح سادسا في الترتيب العام، بزمن قدره ساعتين و9 دقائق و15 ثانية (الزمن الذي أنهى به الكينيان السباق هو ساعتان و19 دقيقة و14 ثانية).

ومع ذلك، فقد شعرت بسرور كبير. فمن ناحية أنهيت السباق، وبلغت هدفي، ومن ناحية أخرى أدركت زمنا لا يدركه إلا من يشاركون في عدد مهم من الماراثونات، بحيث أن زمن ساعتين و9 دقائق لم يكن، في تلك الآونة، متاحا لأي كان.

ثم لاحت في الأفق بطولة العالم التي كانت مقررة في باريس الفرنسية، شهر غشت. ألم يحدث، في الفترة الفاصلة بين مارس وغشت، أن اقترح عليك أحدهم تغيير السباق؟

كلا، لم يكن ذلك واردا عندي بالمرة. فقد كنت قررت الانتقال من سباقات المضمار إلى سباقات المسافات الطويلة على الطريق؛ من نصف ماراثون وماراثون، ولم يعد ممكنا، حينها، أن أغير وجهتي. ثم إن المحطات الإعدادية كانت موجهة لبطولة العالم بباريس، من بطولة العدو الريفي إلى ماراثون روتردام، إلى المشاركة في نصف ماراثون أيضا.

قبل الحديث عن نصف الماراثون بجوهانسبورغ، ترى كيف كانت المحطة التدريبية إعدادا لبطولة العالم؟

انطلقت إلى إيفران، حيث كنت سأبدأ معسكري الإعدادي. وهناك نوعت الحصص، كما هي العادة، بين الطويل والقصير، مع الاشتغال بالسلسلات الموحدة والسلسلات مختلفة الإيقاع (Serie et Fartleks). إذ كنت أركض كل يوم ما يقارب 31 كيلومترا، مقسمة بين 16 كيلومترا في الصباح و16 أو 17 أخرى في العشي.

بمعدل ماراثون في اليوم. أليس كذلك؟

نعم، بحيث أنطلق يوم الاثنين، مثلا، إلى “البلاطو” (منطقة ممهدة في غابة إيفران، حيث يجري العداؤون حصصهم التدريبية) إذ أجري حصة “الفوتينغ”، عبارة عن 17 كيلومترا. وحين أعود إلى مقر الإقامة وأستريح، أنطلق مجددا لأجري حصة تمتد على مسافة 16 كيلومتر، عبارة عن فوتينغ آخر.

وقد أشتغل بشكل مغاير عندما يتعين ذلك، بحيث أعمل يوم الثلاثاء، مثلا، على السلسلات الخاصة بالسرعة، إذ أركض ما يناهز 12 كيلومترا موزعة على مسافة كيلومتر إلى كيلومترين في كل مرة على حدة.

وهكذا، بحيث أنهي الأسبوع التدريبي وقد ركضت ما يناهز 180 حتى 200 كيلومتر. وهو ما قد يبدو بالكلمات بسيطا ومتاحا، مع أن الأمر ليس كذلك. فمن جهة يحتاج العداء إلى العزيمة، وهو ما يتأتى بالاشتغال على الجانب المعنوي وتحفيز الذات، ومن ناحية أخرى، يحتاج إلى القدرة على التحمل، وهو ما يلزمه المواظبة في التداريب.

إن الذهاب إلى حصة تدريبية، يعني أنك ستقطع 30 إلى 31 كيلومترا، وبالتالي، فالأمر ليس نزهة أو جلسة ممتعة في المقهى، بل لحظات من القسوة على الذات، تنتهي بعودتك منهكا، “كتدخل لدارك كاو”.

 قطعة من عذاب.

تماما. ومع ذلك، فقد كنت أختار لنفسي، مرارا، أن أقطع مسافة 28 إلى 30 كيلومترا في الحصة الواحدة، بحيث أجري حصة للإحماء، ثم أحزم رباط الحذاء، وأنطلق نحو “راس الما” في مدينة إيفران، الذي أقطع دورته، الممتدة على مسافة 17 كيلومترا، مرتين دون أي توقف. وفي أحايين أخرى كنت أركض حول “ضاية عوا”، على مسافة تمتد سبع كيلومترات، مكررة أربع مرات.

ولم يكن الأمر يقف عند إنهاء المسافة، بل إنهاؤها وفق ترتيب معين، وحسب مواقيت محددة في مسافات بعينها، حتى أشعر بالارتياح، وقد تيقنت بأنني أمضي في الطريق الصحيح إلى الهدف المرغوب.

غريب.. سيد التحمل

من بين المميزات التي شكلت شخصية العداء جواد غريب، قوة التحمل. فقد كسب، بفضل الوسط والطبيعة اللتين ولد فيهما وترعرع، التحمل، ثم كسب المزيد بفعل التداريب الشاقة، ثم صار سيد التحمل بفعل المنافسات المرهقة، التي تتطلب الكثير من الصبر والتصابر.

وحضرت في مرة لتداريب العدائين المغاربة المتألقين بمدينة إيفران، وقال لي محمد أمين وعبدالرحيم الكومري، يرحمه الله، على سبيل البسط: “هذا خينا ما تمشيش معه”. ثم قال أحدهما، وغيرهما، بجدية كبيرة: “جواد غريب عداء قوي جدا. قوي للغاية. أكثر مما تتخيل”.

وحدث أن لاحت الفرصة كي يؤكد غريب قوته وقدرته على التحمل، حين جرى نصف ماراثون جوهانسبورغ في ظروف قاسية جدا، وفاز به، ثم توج بطلا للعالم في باريس 2003 وهيلسينكي 2005، وكانت تلك واحدة من المرات القليلة جدا، عبر التاريخ، حيث يتوج عداء مرتين في سباق الماراثون.

وحافظ غريب على حضوره العالمي الكبير، عبر المشاركة في أبرز الماراثونات، بحيث نحت اسمه بقوة.. بقوة التحمل.