عادل بنحمزة يكتب: ليبيا بين نجاح التسوية أو التحول النهائي إلى دولة فاشلة

بنحمزة بنحمزة

.

لا يعد مفهوم الدولة الفاشلة بأبعاده الفكرية والسياسية مفهوما جديدا، للدلالة على واقع الدول في علاقتها بوظائفها الأساسيةالأمنية، الاقتصادية، الاجتماعية والسياسية، فسجل التاريخ حافل بنماذج كثيرة لدول في مرحلة من مراحل تطورها، فقدتالسيطرة الأمنية/العسكرية على كل أو جزء من ترابها الوطني، أو عجزت عن تلبية جزء أو كل من الطلب الاقتصاديوالاجتماعي والسياسي لسكانها. هذه الوضعية إما أنها تنشأ لاعتبارات داخلية بخلفية مناطقية أو طائفية تنازع في شرعيةالسلطة الحاكمة أو في عدالة سياساتها على المستوى الترابي، أو أنها تنشأ بفعل عامل خارجي نتيجة للموقع الجغرافي أوالصراعات الإقليمية والدولية على المصادر الطبيعية والممرات البحرية والنهرية، وقد تجتمع هذه العوامل كلها، خاصة عندماتصادف ضعفا بنيويا في طبيعة تكوين الدولة نفسها، وقد مثلت دراسات كل من هيرمان وراتنر وزارتمن في بداية التسعينياتمن القرن الماضي أولى الدراسات المحكمة التي استهدفت الإحاطة العلمية بمفهوم الدولة الفاشلة. وعموما يمكن القول إنهليس هناك اتفاق حول تحديد دقيق لتصنيف دولة ما على أنها دولة فاشلة، وإن كانت المعطيات المتعلقة بشرعية السلطة وقدرتهاعلى احتكار العنف ودرجة الاستجابة للطلب الاقتصادي والاجتماعي والسياسي تعتبر محددا حاسما في هذا التصنيف.

تمثل ليبيا أحد ثلاث دول الأكثر تقدما في مؤشر الدولة الفاشلة سنة 2020، حسب المؤشر العالمي لقياس الدول الفاشلة FSI المعتمد من قبل صندوق السلام FFP، وذلك إلى جانب كل من الشيلي والموزمبيق، هذا المؤشر تتصدره اليمن كأكثر دولةفاشلة في العالم وتتذيل الترتيب فيه دولة فنلندا، علما أن ليبيا قد تصدرت دول العالم على مستوى ارتفاع المؤشر في العشريةالأخيرة بـ 25.8 نقطة.

تشير الإحصائيات أن ليبيا سجلت نزوح 300 ألف ليبي منذ انهيار نظام العقيد القذافي، فما يجري اليوم في ليبيا هو بكلتأكيد جحيم لا يمكن لأي إنسان أن يقبله، ويشكل خطرا، ليس فقط على مستقبل ليبيا، بل أيضا يمس الأمن الاستراتيجيللدول المغاربية وبلدان حوض المتوسط، خاصة بعد تصاعد الصراع في شرقه حول مصادر الطاقة، واختلاف القوى الدوليةوالإقليمية ذات الصلة بالنزاع في ليبيا لاعتبارات اقتصادية وسياسية متباينة.

شكلت ليبيا عشية ثورة 17 فبراير حالة خاصة تختلف جوهريا عن تونس ومصر، إذ إنها كانت تحمل إرثا سياسيا وتنظيمياخاصا، يكفي التذكير أنها كانت كما وصفها العقيد القذافي، أول جماهيرية في التاريخ، فالقذافي لم يحدث دولة بالمعنىالمتعارف عليه دوليا، بل إنه دمر إرثا مهما خلفه الملك السنوسي، إذ كانت الملكية الليبية الناشئة تضع اللبنات الأولى لدولةمركزية حقيقية، في الوقت الذي كان الواقع يشهد على انقسام فعلي كرسه أول دستور للبلاد سنة 1951 بين ثلاثة أقاليمرئيسة هي: برقة، طربلس وفزان، وقد تأسست المملكة في البداية باسمالمملكة الليبية المتحدة، الذي استمر العمل به حتى26 أبريل 1963 حين عُّدل إلى «المملكة الليبية»، وذلك بعد إلغاء النظام الاتحادي الذي كان يجمع بين الولايات الليبيةالثلاث طرابلس برقة وفزان، وكانت مدينة البيضاء عاصمة لها، غير أن هذا الإلغاء لم يلغ واقع الحساسيات الإقليمية بين شرقوغرب ليبيا عبر مركزين رئيسين هما بنغازي وطرابلس، وليس صدفة أن هذه الثنائية هي التي تغذي الصراع إلى اليوم.

 لم يؤسس العقيد القذافي جيشا نظاميا بعقيدة واضحة تتمحور حول الدولة الليبية، بل أحدث مجموعات من المليشيات الموزعةبين أبنائه والمقربين منه، كان العقيد بذلك يسعى إلى تأمين قبضته خوفا من انقلاب عسكري، وجعل عقيدة تلك المليشياتمتمحورة حوله شخصه وحول أتباعه، القذافي رفع شعارمن تحزب خانفقضى على كل تعابير دولة متحضرة ودفع النخبالليبية إلى منافي العالم، والتي بقيت في ليبيا، إما تم إعدامها أو انخرطت في نظامه طمعا أو تَقية، كما ساهم في تشتيتالقبائل الليبية وهي الوحدة الاجتماعية الرئيسة في البلاد التي حافظت على وجودها في زمن ما سمي بالجماهيرية، بعدماقضى على كل إمكانية لبروز مؤسسات الوساطة من أحزاب ونقابات ومجتمع مدني، وعزل الشعب الليبي فيدولةكانتأقرب إلى غيتو وسجن كبير..

لقد اغتصب القذافي السلطة وأنهى ملكية وحدة الشعب الليبي الموزع على القبائل والعشائر، كانت تسير بخطى حثيثة علىدرب الديمقراطية لم يسجل عليها أية إساءة أو خيانة للشعب الليبي، ولم تمض في الحكم سوى فترة قصيرة، حيث كان الملكإدريس هو الملك الأول والأخير في تاريخ ليبيا، كما ألغى القذافي دستور المملكة الذي كان متقدما في زمانه وكان يمكن أنيوفر تربة خصبة لتطور ديمقراطي حقيقي، بجانب ثروة نفطية هائلة وعدد محدود من السكان، مع موقع جغرافي في قلبالضفة الجنوبية للمتوسط، ومئات المواقع السياحية التاريخية التي قام بإبادتها.

ليبيا اليوم تدخل المنعطف النهائي كدولة فاشلة، لكنها تقدم لنا دروسا عن كيف يمكن أن يتم اقتياد الجماهير بشعارات كبيرةوخطب رنانةلتكون ضد مصالحها ومستقبلها، وأن تقبل أو ترضخ لسنوات لحكم مجنون وهي تعتقد أنها تتحرر.. ليبيااليوم، لا تملك سوى أحد الخيارين، إما أن تنجح في تسوية النزاعات الداخلية وتحد من التدخلات الأجنبية، وهي ليست عمليةسهلة، لكنها ضرورية ومصيرية، أو أن تسقط السقوط النهائي في وضعية الدولة الفاشلة، والتي لا أحد يستطيع توقع ماستؤول إليه الأمور.