لبريمي: يجب التفعيل العملي لمقتضيات القانون المتعلق بالمقالع والاجتهاد التشريعي في تطويره -حوار

maxresdefault maxresdefault

*الدكتور مصطفى لبريمي أستاذ التعليم العالي، خبير دولي في علم البحار

من خلال تجربتكم ومساركم العلمي، كيف تنظرون إلى نشاط جرف رمال البحر في المغرب؟

جرف الترسبات ارتبط في المغرب بتشييد الموانئ وصيانتها، وعلى طول الساحل الوطني الذي يمتد لحوالي 3500 كلم، حيث جرى تشييد عدة موانئ تختلف في حجمها وفي وظائفها الاقتصادية بين النشاط التجاري في السلع ونقل المسافرين، وكذلك الموانئ الترفيهية المرتبطة بالسياحة، هذه التجهيزات الأساسية تحتاج إلى صيانة خاصة، تهم عمق أحواضها لتمكين ولوج البواخر إليها.

هذه الأحواض تشكل وسطا تنعدم فيه الحركة إلا في ظروف مناخية معينة نادرة، وبالتالي فهي تحتضن ترسبات متعددة ومتنوعة، أول هذه الترسبات تأتي من البحر المجاور، حيث إنه من المعروف أن هناك تيارات ساحلية تنقل الترسبات الشاطئية بصفة موازية للخط الساحلي وتدخل هذه الترسبات إلى الميناء عبر المد، وتختلط بكل ما يتسرب من البواخر مثل الزيوت وغيرها. كما أنها تدمج كل المواد التي يأتي بها السيلان بعد الأمطار إضافة إلى أشياء أخرى، ولتحصين الموانئ وصيانتها أنشئت شركة وطنية لهذا الغرض، وهي “درابور” التي ستتم خوصصتها سنة 2006.

هذا الانتقال من القطاع العام إلى القطاع الخاص سيرافقه تغير في طبيعة أنشطتها، حيث أضافت إلى عملها الرئيس وهو جرف الصيانة، نشاطا آخر هو جرف الاستغلال، وفي أعقاب عملية الخوصصة جرى إبرام اتفاقية استثمار مدتها 10 سنوات بين “درابور” والحكومة المغربية تهم استغلال مناطق بحرية ساحلية بمصبات اللوكوس، سبو وأم الربيع بالخصوص، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن جرف الاستغلال لم يكن مؤطرا من الناحية القانونية، حيث إن المقالع بما فيها البحرية والتي توجد في الأنهار، لن يتم تقنين استغلالها سوى بعد مخاض طويل، وذلك بعد صدور القانون 27.13 المتعلق بالمقالع، لكن الفترة التي تميزت بغياب إطار قانون عرفت نشاطا ملحوظا لجرف الاستغلال بكل من مصب اللوكوس، سبو وأم الربيع، تميزت بانعكاسات على الوضعية البيئية لهذه المصبات، أثرت عليها إلى درجة إتلاف وتآكل الخط الساحلي، ما جعل جرف الساحل البحري خطا أحمر سطرته دراسة تقدمت بها كتابة الدولة المكلفة بالبيئة، في إطار تهييئ التصميم الوطني للساحل تطبيقا لمقتضيات القانون 81.12 المتعلق بالساحل.

ما هي وضعية جرف الرمال البحرية على المستوى الدولي؟

بداية لا بد من التأكيد أن تدبير الموانئ على الصعيد الدولي، وكذلك التوسع العمراني بالساحل البحري في دول مختلفة، كهولندا أو بعض دول الشرق الأوسط، جعل من جرف الرمال البحرية محط مساءلة وتقنين، وكذلك موضوعا للبحث العلمي قصد تأطير وقياس انعكاسه على البيئة بصفة عامة، فمن الناحية العلمية وانسجاما مع الدراسات العلمية المتنوعة والمتجددة، هناك 3 مواثيق دولية تعتمد في تدبير الجرف وفي مصير الترسبات المستخرجة بواسطته، وهي ميثاق حماية الوسط البحري للمحيط الأطلسي الشمالي الشرقي المعروف بـ OSPARوبروتوكول لندن الناتج عن تحيين ميثاق لندن، ثم ميثاق برشلونة لحماية البحر الأبيض المتوسط، وهناك تنظيمات مهنية دولية تهتم بالجرف منظمة في إطار (WEDA) World Organisation Of Dredging Associations ، وهناك منظمات متفرعة عنها تهم كلا من شمال ووسط وجنوب أمريكا (WEDA)، وفي أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط (CEDA) ، ثم آسيا وأستراليا ومنطقة المحيط الهادي (EADA)، وتتعاون شركات الجرف فيما بينها لتبادل الخبرة واحترام القوانين والجوانب التقنية المنظمة للجرف وبالخصوص الحفاظ على البيئة البحرية وعلى المنطقة الساحلية، كما تعمل على نشر توجيهات تهم كل مراحل أنشطة الجرف، بالتأكيد على ضرورة المعرفة العلمية الجيدة لمواقع الجرف والمخاطر المحدقة بها، كي لا تتحول صناعة الجرف إلى آفة وخطر على المواقع المستغلة، ويمكن الإشارة فيما يخص بلادنا، إلى أن مقتضيات قانون 27.13 المتعلق بالمقالع التي تتناول نشاط الجرف، منسجمة مع المعطيات القانونية والتدابير الاحترازية الواردة في مضامين ما تنشره تلك المنظمات المهنية الدولية، كما تجدر الإشارة إلى أن هناك عدة مراكز دولية للبحث العلمي تهتم بالجرف البحري وبعواقبه، وبما يخلفه من آثار على البيئة ومواردها الحية، ولذلك تقام على الصعيد الدولي عدة مؤتمرات وندوات لتبادل الخبرة والمعرفة وتطوير المقاربة القانونية، وجعل صناعة الجرف متلائمة مع التنمية المستدامة المنشودة .

هناك جدل علمي وقانوني حول تصنيف رمال الجرف، هل هي بالفعل رمال ولها كل المواصفات الفيزيائية، أم إنها مجرد ترسبات ونفايات، خاصة تلك التي يتم جرفها في مصبات الأنهار، ما تعليقكم؟

أستسمح أولا بتصحيح المفهوم كي لا نقع في مغالطات، إن الجرف يستخرج ترسبات مكونة من خليط من الرمال والحصى وكائنات حية وكل ما هو موجود في قاع البحر الساحلي ويتم شفطه، ومن ثم فإن كل الدراسات العلمية والمواثيق الدولية تسعى إلى ضبط مواصفات المواد المستخرجة بالجرف بكل أنواعه، بل إن كل الاحتياط واجب في عملية غمر هذه الترسبات في عرض البحر، نظرا لما تتسبب فيه من ضحالة ينتج عنها منع مرور النور إلى قاع البحر، وخنق الكائنات الحية الموجودة فيه وتحفيز انبعاث الملوثات في الماء.

كما أن العمل على تثمين هذه الترسبات مطوق بضرورة احترام عدة معايير، بداية من غسل تلك الترسبات لتخليصها من الملح البحري أو الملوحة الناتجة عن دخول المد في المصبات، وكل المواثيق الدولية والدراسات العلمية تعتبر أن مستخرجات جرف الصيانة هي نفايات يجب التعامل معها بكل حيطة وحذر وطبقا لمعايير تصنف خطورة هذه الترسبات، وعلينا أن نعرف أن المصب هو الواجهة بين البحر وحوض مائي يمتد لمئات الكيلومترات المربعة، وتوجد عليه أراضٍ فلاحية ومنشآت صناعية ومجمعات سكانية، حيث تلقي هذه البنيات بنفاياتها الكيماوية والمنزلية عبر الصرف الصحي في اتجاه المصب، ولهذا تتحكم شروط الوقاية الصحية والوقاية العامة في التعامل مع مستخرجات جرف المصبات عبر العالم، زد على ذلك ضرورة المعرفة الكاملة لحركية المصب وتطوره كي لا يؤثر الجرف على تغيير التضاريس الأساسية لهذه الواجهة الساحلية المهمة، وإن حصل وتم جرف الرمال بالمعنى الجيولوجي للكلمة، فهذا يعني أن الجرف خرج عن حدوده وترامى على مناطق مكونة من الرمال، ما سيكون له عواقب وخيمة على بيئة الموقع وموارده الحية، بل أكثر من ذلك على تواجده ومظهره وتضاريسه وتوازن طبيعته.

يعرف مصب أم الربيع كارثة بيئية منذ سنوات، بلغت اليوم مستوى تحوله إلى بركة بسبب الانغلاق الكلي للمصب، البعض يرى أن ذلك يرتبط بتوقف عمليات جرف الرمال، والبعض الآخر يعتبر ذلك نتيجة لتلاعب شركة جرف الرمال على مدى سنوات، ما هو تقييمكم العلمي لما يحدث في مصب أم الربيع؟

أنا شخصيا من مواليد أزمور، وطبع مصب نهر أم الربيع طفولتي وجزءا من شبابي وأتأسف لوضعيته الكارثية التي يوجد عليها هذا المصب، والأمل أن يرجع إلى ما كان عليه في السابق. بخصوص سؤالكم ومن باب المسؤولية العلمية والحس الوطني، فإنني أحمل مسؤولية وقوع هذه الكارثة البيئية بمصب أم الربيع لتلاعب شركة جرف الرمال، إذ باشرت استخراج ما يهمها من الموقع لمدة 10 سنوات على الأقل، وذلك أولا لعدم احترامها لدفتر التحملات، ثانيا لعلمي بوجود دراسة علمية موضوعها هو تطور مصب أم الربيع والعوامل التي تتحكم في هذا التطور، وهذه الدراسة من إنجاز أطر إدارة شركة الجرف نفسها، وبالتالي نحن أمام أمرين كلاهما مر، فإما أن الشركة لا علم لها بالدراسة، دون اعتبار للمعرفة العلمية بالموقع ووجوب احترام البنود الواضحة في دفتر التحملات، وهذا عبث، وإما أن الشركة على علم تام بما تضمنته تلك الدراسة التقنية، وما تضمنته من عوامل تطور مصب نهر أم الربيع، ومع ذلك ركزت على استخراج ما يهمها وتركت المصب يصل إلى ما وصل إليه من انغلاق وانسداد، ما أدى إلى تحوله إلى بركة تلوثها المياه العادمة، وهذه جريمة مع سابق الإصرار كما يقال.

قد يقول البعض إن تقديرات شركة الجرف مفادها أن الاتفاقية مع الدولة لها أمد محدود، وإن التأطير القانوني للمقالع سوف لن يسمح لها بالامتيازات التي كسبتها من وراء الخوصصة، وبالتالي عمدت إلى إعدام المصب لكي تقوم القيامة وتتحول إلى المنقذ الذي لا يمكن الاستغناء عنه، وأن تجعل الساكنة في حيرة من أمرها بين الروائح الكريهة وتلوث النهر وانسداد المصب، وبين الاستغلال الفاحش واللاقانوني لرمال المنطقة الساحلية دون مراعاة لأي اعتبار، إذ لا يتم احترام القانون 27.13 المتعلق بالمقالع ولا القانون 81.12 المتعلق بالساحل، ولا دراسة التأثير على البيئة التي لم تحصل على الموافقة منذ بداية الاستغلال التجاري من قبل صناعة مخربة ولا وطنية، فعندما يصبح المقاول مهيمنا على السوق، فإنه لا يعطي أية قيمة للمنافسة ولا يبالي بها، لأنه يطغى ويرفع التحدي ويشيع الفساد في الأرض، والرد على كل ذلك يتمثل في احترام دستور المملكة وقوانينها وتفعيل مضامينها وتعبئة المجتمع في إطار ثقافة التنمية المستدامة، لاستغلال الموارد الطبيعية دون الإفراط في حقوق الأجيال المقبلة.

دراسات دولية أتثبت أن الرمال تمثل ثاني مادة تستهلك على مستوى العالم بعد المياه، وأن هذه المادة الحيوية ستندثر من على الكوكب بحلول العام 2100. بصفتكم مختصا في المجال، ما هي خيارات المغرب للحفاظ على هذه الثروة الوطنية بالشكل الذي يحقق التوازن بين التنمية الاقتصادية والمحافظة على التوازنات البيئية؟

لا أتفق مع هذه التنبؤات لسبب بسيط، وهو أن اندثار الرمال من على وجه الأرض يعني اندثار كل الجبال والتضاريس وتغيير كل ما نعرفه عن عوامل التعرية وما ينتج عنها، ورغم ما تعرفه الأرض من تغيرات مناخية، فذلك التوقع مستبعد بالمرة، لأن كل الحقب الجيولوجية عرفت إنتاج الرمال وتحويلها منذ ملايين السنين، لكنني أتصور أن الحديث عن اندثار الرمال العرض منه هو لفت الانتباه للاهتمام بهذه المادة وترشيد استغلالها دون مغالاة وإفراط، فتجارة الرمال أضحت تمثل مشكلة دولية دفعت الأمم المتحدة إلى دق ناقوس الخطر ونشر تقارير توضح مدى خطورة الإخلال بالتوازنات البيئية الناتجة عن الاستغلال المفرط والفاحش والفوضوي للرمال، نظرا إلى وجودها في الشريط الساحلي وتهديد هذا الأخير بالتآكل والاندثار، إذ إن تقهقر وضعية الساحل له انعكاس على الفرشة المائية وجودة مياهها، وبالتالي على قدرتها في الإنتاج الفلاحي، كما أن هذا التقهقر يغيب التنوع البيولوجي ويتلف السلسلة الغذائية بالبحر وعدة منافع أخرى، والمغرب له تراب وطني متميز بطبيعته الجيولوجية المتنوعة، ولا خوف مما يتحدث عنه البعض من اندثار مادة الرمل، فالندرة التي يتكلمون عنها منذ السبعينيات من القرن الماضي لم تحصل وأن الاكتفاء موجود، لكن ذلك لا يعني أن إشكالية استغلال الرمال لا تطرح إشكالات، فهي كما جاء في سؤالكم مرتبطة بتحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية والمحافظة على التوازنات البيئية، لذلك يجب التفعيل العملي لمقتضيات قانون 27.13 المتعلق بالمقالع والاجتهاد التشريعي في تطويره، وملاءمة القوانين المرتبطة به وإخراج وتنزيل التصاميم الجهوية لاستغلال الرمال، وتكثيف المعرفة العلمية بكل الجوانب المتعلقة بها برا وبحرا.