عادل بنحمزة يكتب: نعم نستطيع…

بنحمزة بنحمزة

.

ونحن نواجه تحديات كورونا وتداعياتها في المرحلة المقبلة، لا يجب أن نغفل أن طريق المصالحات الكبرى والتسويات التاريخية، كانت تمر وجوبا من خلال تصفية الملفات الحقوقية والسياسية، وقد راكمت بلادنا تجربة معتبرة في هذا المجال وليس هناك ما يمكن أن يشكل عطبا يشل قدرتنا على تكرار منجزات مهمة وأساسية. لقد مثلت أحكام العفو التي طوت ملف معتقلي جرادة، وبعضا من ملفات معتقلي الريف، خطوة في الطريق الصحيح، ربما متأخرة على نحو ما، وربما طبعها التردد أكثر مما ينبغي، لكنها مع ذلك تعتبر يدا ممدودة في الاتجاه الصحيح، ولو أن عنوان المصالحة المنشودة يتمثل في إطلاق سراح قيادات الحراك، وفي العمق الحاجة إلى مصالحة صادقة وعميقة مع الريف، الإنسان قبل المجال، وما لم يتحقق ذلك، فإن المقاربات الأمنية والقانونية والقضائية وحتى التنموية، لا يمكن أن تعالج وحدها آثارها السلبية، فقط بالعفو، بل ربما قد يكون استعصاء العفو عن القيادات، يرتبط بغياب الحلول للأسباب التي كانت وراء الأحداث، وتلك الأسباب ليست وليدة اليوم، بل هي تراكم لعقود من العزلة والتهميش لا تتحمل الدولة في العقد الأخير مسؤوليتها، إذ تحول الريف على مدى عقود إلى شبه جزيرة معزولة عن السياسات العمومية وبرامج التنمية ومخططاتها، ومجالا كذلك للعقاب الجماعي. لكن مع ذلك لا يجب أن تتحول تعقيدات الواقع، إلى ذريعة للامتناع عن خوض الخطوة الشجاعة التي ينتظرها الجميع، فالدولة ليست هي الأفراد، إذ لا تقاس هيبتها، بتصلب هنا أو عناد هناك، بل هيبتها تقاس أساسا بقدرتها على اتخاذ القرارات الصعبة، والتي بدونها لا يمكن بناء المستقبل.

المغرب بحاجة اليوم إلى مناخ جديد ومختلف، وهو يواجه تحديات كورونا وما بعدها، هذا المناخ يمكن أن يشكل غطاء للمصالحات الكبرى التي طال أمد انتظارها، مصالحات سياسية، حقوقية،  اقتصادية واجتماعية، مصالحات تعيد الاعتبار للفكرة الديمقراطية ونبلها، ولنضالات عقود وتضحيات أجيال مختلفة من تيارات إيديولوجية متنوعة. الحاجة اليوم إلى الاقتناع بأننا بلد لا يمكن أن ينجو من الفوضى غير الخلاقة التي انتعشت مجددا في منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط، سوى ببناء ديمقراطية حقيقية، وقيام عدالة اجتماعية تعيد الثقة في الناس، وتنعش الرأسمال الاجتماعي الذي يكاد يكون قد “قضى نحبه” بسبب سنوات طويلة من اللامعنى ومن التردد الذي عزز الشك، حيث كان يجب أن يستقر اليقين، فقد انصرف الناس عن الحلم الجماعي لهم كأمة وكوطن، إلى مجرد أحلام فردية ومشاريع للنجاة لا تتجاوز عدد أفراد الأسرة، إنه الهروب الجماعي من حلم عنيد تحول إلى كابوس في كثير من مراحل تاريخ الوطن، هذا الكابوس لازالت كثير من مظاهره جاثمة على بلادنا، تارة في شكل ريع مستفز لم يترك مجالا اقتصاديا إلا نهشه، ومرات أخرى في شكل مركب سلطوي مالي فاسد، يشتغل بمنطق الدولة داخل الدولة، كما لم يعد للمؤسسات وبنيات الوساطة حتى ذلك الدور الشكلي الذي اكتسبته بعد سنوات الاستقلال الأولى. أما مصداقيتها فهذا أمر لم يعد موضوع نقاش، فهل بمثل هذه المؤسسات والوسطاء، يمكن تحقيق مصالحات كبرى حقيقية؟ ليس فقط الوطن بحاجة إليها، بل هي طوق نجاته الحقيقي والوحيد، كيف يمكن الحديث عن مصالحات كبرى وصحفيون في السجون سواء المادية أو المعنوية؟ كيف يمكن تحقيق مصالحات بآثار حقيقية على الحاضر والمستقبل، ونحن لانزال نراهن على تقنيات قانونية تتعلق بالانتخابات لا تعالج الواقع، بل تلتف عليه، وبالنتيجة تصبح تلك الانتخابات شكلية والمؤسسات التي تفرزها شكلية أيضا؟ كيف يمكن تحقيق مصالحات عميقة، بينما يتم تفكيك الدولة عبر تفكيك القطاع العام دون رؤية أو منهج أو فلسفة غير الرؤية التقنية، في سياق اقتصادي مأزوم يقوده المحاسبون والمضاربون ورؤوس الأموال وخبراء المؤسسات المالية الدولية ومكاتب الدراسات، بينما المعنى الحقيقي للاقتصاد آخر ما يتم التفكير فيه وبه؟ إنها جملة من الأسئلة تتردد بحرقة هنا وهناك، جهرا وهمسا، لكنها في جهرها وهمسها، تكشف حالة جماعية، بقدر ما تُنْعِشُ فيها الأمل أبسط مبادرة وأصغرها، بقدر ما يسكنها الخوف من تكرار نفس السيناريوهات التي عفا عنها الزمن وما عادت لا الأجيال الحالية ولا السابقة، قادرة على التعايش معها.

المغرب بحاجة إلى طي صفحة الماضي البعيد والقريب بكل الشجاعة والوطنية اللازمتين، وبحاجة إلى الاعتراف من طرف الجميع بالأخطاء التي اقترفت على مدى عقود، بهذه الكيفية يمكن أن نفتح مسارات جديدة قد تؤدي بنا إلى لحظة نستعيد فيها زمن المصالحات الكبرى كما حدث في تاريخ العديد من الشعوب والأمم.. هل نستطيع فعل ذلك؟ نعم نستطيع…