البكاري: البيجيدي يتناغم خطه المحافظ مع خط الجمهوريين أكثر من الديمقراطيين- حوار

مؤتمر شبيبة البيجيدي مؤتمر شبيبة البيجيدي

.

حظيت الانتخابات الأمريكية بمتابعة وحتى بنوع من الاستقطاب في المغرب.. هل كان هناك رهان ما على فوز ترامب؟ وماذا يعني؟

الجمهور المغربي ليس استثناء من جمهور العالم، وهذه الاستقطابية كانت سمة في متابعة مجريات هذه الانتخابات في العالم كله، وفي المغرب كان هذا الاستقطاب محكوم بمجموعة من السرديات التي كانت غالبا قائمة على ترويج مجموعة من الكليشيهات غير المسنودة؛ مثل أن الديمقراطيين يعطفون على حركات الإسلام السياسي، أو من قبيل أن الجمهوريين أفيد للمغرب في ملف الصحراء. وإذا كان من متغير في متابعة المغاربة لسباق الانتخابات الرئاسية الأمريكية، فهو هذا التفكير فيها انطلاقا من تأثيرها على الواقع المحلي، بخلاف متابعتها في سنوات ماضية على خلفية علاقتها بما يقع في الشرق الأوسط، وتحديدا الملف الفلسطيني ثم العراقي.

 لقد أصبح الاهتمام بالسياسة ينحو أكثر جهة القضايا الداخلية. طبعا كانت جهات تراهن على فوز ترامب، وهي أطراف غير متجانسة، فهناك الذين يعتقدون أن ترامب هو من أوقف صعود حركات الإسلام السياسي في المنطقة، وهناك من بنى جسورا مع لوبي اليمين القومي بأمريكا، وكان يتحرك تحت هذا الستار خلال الأربع سنوات الماضية، وهناك جهات محافظة؛ سواء سياسيا أو اجتماعيا ترى في الجمهوريين، وأساسا في الظاهرة الترامبية، حاجزا أمام أي ضغوطات مرتبطة سواء بالدمقرطة أو بتوسيع مجال الحريات الفردية والجماعية.

ماذا تعني هزيمة ترامب وأثرها على السياسة الأمريكية وانعكاسها على منطقة MENA؟

يعتقد كثيرون أن السياسة الأمريكية الخارجية محددة سلفا، ولا تتأثر بشخص الرئيس أو طبيعة إدارته، وهذا القول يحتاج إلى تدقيق. فالسياسة الخارجية طبعا محكومة باختيارات كبرى موجهة تصوغها عقول استراتيجية (مثل أمن إسرائيل، وضمان تدفق البترول، والريادة الأمريكية للاقتصاد العالمي، والتحكم في سباق التسلح وأبحاث الفضاء وغيرها)، ولكن تنفيذ هذه الاستراتيجيات وأجرأتها المرحلية يتأثر بشخصية الرئيس وطبيعة إدارته. كما أنه يجب الانتباه إلى أن الإدارة الجديدة غالبا لا تحدث قطائع صارمة، بل فقط تحدث انعطافات، إذ يحاول قادة البيت الأبيض الانطلاق من التراكمات التي يجدونها، باستثناء مرحلة ترامب التي عرفت في بعض الملفات شبه قطيعة مع سلفه أوباما، وفيما يخص إدارة بايدن، فيعتقد المراقبون أن تعود إلى ممارسة ضغوط فيما يخص قضايا حقوق الإنسان، وهو أمر قد يشكل إزعاجا لبعض السلطويات، خصوصا المحسوبة على المحور الإماراتي المصري السعودي، وإن كنت أعتقد أن العودة إلى خطاب حقوق الإنسان لن تكون سريعة بسبب الأزمة الاقتصادية، ومن جهة أخرى قد تكون دول المغرب الكبير الأقدر على التكيف مع هذه الضغوط، خصوصا وأنها قد تتحرر من ضغوط وحسابات الدول الخليجية البترولية، وستستفيد أكثر إذا استطاعت ليبيا بناء مؤسساتها والخروج من أزمتها، فاستقرار ليبيا سيكون له تأثير إيجابي على الدول المغاربية. فدول المغرب الكبير لا تحظى بأهمية كبرى في السياسة الخارجية الأمريكية، لذلك تكون وضعيتها مرنة إزاء أي تحول في الإدارة الأمريكية، فالعلاقات بينها وبين أمريكا تتمحور أكثر حول التعاون الأمني ومكافحة الإرهاب، ما يسهل تكيفها مع أي انتقال من حكم الجمهوريين نحو حكم الديمقراطيين أو العكس. 

يراهن البعض على صعود الديمقراطيين لإحداث نوع من “الانفراج” بعدما تنامى الخطاب السلطوي.. ما أثر ذلك على بلد كالمغرب؟

لا شك أن سقوط ترامب أمر سار للحركة الحقوقية عالميا. لقد كان بصدد اعتبار أمنيستي منظمة معادية للسامية بسبب انتقاداتها للحكومة الإسرائيلية، كما هدد بحل هيومن رايتس ووتش، ومنع التمويل عن مجموعة من المنظمات الأممية العاملة في مجالات لها صلة بحقوق الإنسان، ما أثر على مشاريع مرتبطة بالتكوين والترافع في مناطق مختلفة من العالم. وأعتقد أن التراجعات الحقوقية التي عرفها المغرب في السنوات الأخيرة لها ارتباط بتراجع توظيف ورقة حقوق الإنسان في العلاقات الدولية، وإن كان هذا السبب ليس هو الوحيد، ولذلك أعتقد أن البلاد قد تشهد انفراجات حقوقية، ليس فقط بسبب صعود الديمقراطيين، بل لأن الملفات المفتوحة من ملف معتقلي حراك الريف، إلى الملفات المرتبطة بالتضييق على حرية الرأي والتعبير، أصبحت بحكم تواترها مكلفة، وأن السلطة في حاجة بدورها إلى عرض سياسي وحقوقي جديد، موازاة مع العرض الاقتصادي والاجتماعي والتنموي. ففي بلدان محدودة الموارد والإمكانات الطاقية والاقتصادية، تكون تكلفة الانتهاكات الحقوقية باهظة مقارنة مع السلطويات القادرة على شراء السلم الاجتماعي. ووجب التذكير هنا أن المغرب يستفيد من برامج أمريكية تمويلية هامة، ورغم أنها قارة، ولكنها عرفت بعض الانخفاض أثناء ولاية ترامب، وهذه البرامج تمول من أموال دافعي الضرائب بأمريكا (برامج الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية/ مبادرة الشراكة الأمريكية الشرق أوسطية / تحدي الألفية)، وهي برامج سيكون المغرب محتاجا إلى استدامتها والرفع من ميزانياتها، وأعتقد أن الاشتراطات الحقوقية ستكون حاضرة.

المغرب مقبل على انتخابات تشريعية.. هل يمكن أن يكون لهزيمة ترامب أثر على وضعيتهم في المشهد السياسي المقبل؟

لا أعتقد أن ترامب كان ينشر خطابات معادية للإسلاميين أو خطابات مؤيدة لهم. فالاستراتيجية الأمريكية في التعامل مع الإسلاميين محكومة بما وضعته مؤسسة راند بعد انهيار جدار برلين، وأدخلت عليها تعديلات بعد هجومات 11 شتنبر الإرهابية، والقائمة على المراهنة على بعث الإسلام الصوفي في مواجهة الإسلام السلفي المتشدد، والمراهنة على الإسلام السياسي في مواجهة الحركات السلفية الجهادية، ذلك أن أمريكا تعرف أن الحركات الإسلامية التي تنعتها بالمعتدلة هي الأقوى تنظيميا ولها امتداد داخل المجتمع، ولذلك فالبراغماتية الأمريكية لا تجد حرجا في إيجاد قنوات التفاهم معها بما يحفظ مصالحها وأمن إسرائيل وتزودها بالطاقة إذا وصلت إلى السلطة. الذي حدث في عهد ترامب هو أنه تعامل مع حرب المحور الإماراتي السعودي ضد التوجهات الإخوانية المتحالفة مع المحور القطري التركي بمنطق التاجر، أي غض الطرف عن تدخلات المحور الإماراتي في الشأن الداخلي لدول عديدة من أجل اجتثاث التوجهات الإخوانية. لكن المغرب لم يتأثر كثيرا بما وقع، بسبب طبيعة نظامه المتوجس تاريخيا من أي تدخل مشرقي في شأنه الداخلي، وهو ما يزكيه فوز البيجيدي الكبير في 2016 في عز الثورات المضادة ورحلات ترامب وأسرته إلى السعودية، والبيجيدي بنفسه يتناغم خطه المحافظ مع خط الجمهوريين أكثر، وإذا كانت هناك قوة دولية قد يكون لها تحفظ على البيجيدي، فأعتقد أنها ستكون فرنسا بسبب خلافاتها مع تركيا، وانحياز البيجيدي إلى أردوغان، ولكن رغم ذلك أعتقد أن نتائج الانتخابات ستحسم داخليا دون ضغوط خارجية.

كيف تنظر إلى تأخر تهنئة بايدن.. هل للأمر علاقة بلجوء ترامب إلى القضاء وتشكيكه في النتائج؟

هناك دول عديدة في العالم تنتظر الإعلان الرسمي عن النتائج لتهنئة بايدن. أعتقد أن الأمر مرتبط بالبروتوكول، ولا يجب تحميله أي دلالة سياسية، وبايدن باعتبار تجربته الدبلوماسية الطويلة ليس من النوع الذي سيقيم أفضلية لدولة ما على حسب من سارع في التهنئة. وأعتقد أن المغرب كما كانت له قنواته مع الجمهوريين له، كذلك، قنواته مع الديمقراطيين، التي بدأت بالاشتغال منذ أن ترجح احتمال فوز بايدن.

خالد البكاري/ جامعي وحقوقي