إسماعيل حمودي: ينبغي مواصلة تقوية موريتانيا إزاء باقي الأطراف- حوار

اسماعيل الحمودي اسماعيل الحمودي

.

كيف كان الدور الموريتاني في أزمة الكركرات الأخيرة التي اندلعت منذ أكتوبر 2020؟

أظن أن موريتانيا قامت بدور الوسيط قبل 13 نونبر الجاري، وبالضبط قبيل العملية العسكرية للجيش المغربي في الكركرات بهدف تحييد عناصر جبهة البوليساريو سواء بزي مدني أو عسكري. لقد لمّحت الحكومة الموريتانية إلى هذا الدور، حين أكد الناطق الرسمي باسمها بأن بلاده “تعمل على حل أزمة الكركرات في أسرع وقت ممكن”. أفترض أن هذا الدور لم يكن ليحصل بدون إيعاز من المغرب، إنها طريقة ذكية لتقوية موريتانيا إزاء بقية الأطراف، وأظن أنه ينبغي مواصلة هذا التوجه، أقصد تعزيز وتقوية الدور الموريتاني مستقبلا، خصوصا وأن موريتانيا اليوم ليست هي موريتانيا نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات. على مستوى النخب الموريتانية، جرى التعبير عن مواقف متباينة، بعضها عبّر عن تأييده للإجراءات المغربية في الكركرات، بل ودعا صراحة إلى شراكة استراتيجية بين المغرب وموريتانيا، لكن هناك بعض الأصوات تبدو متوجسة، وربما لازالت سجينة تصور بات متجاوزا بحكم الأمر الواقع، وهو ما يقتضي تعزيز الجسور بين النخب المغربية والنخب الموريتانية. لقد كان الدور الموريتاني إيجابيا في تقديري، ويجب البناء عليه والمضي سريعا نحو علاقات وثيقة واستراتيجية بين المغرب وموريتانيا قد تعود إيجابا على البلدين وعلى المنطقة مستقبلا.

هل يمكن من الناحية الاستراتيجية أن يعتمد المغرب سياسة عمودية تتجه نحو أوروبا شمالا وغرب إفريقيا جنوبا، ويدير ظهره للمجالين المغاربي والعربي؟

لا ينبغي للمغرب أن يتحول إلى محطة عبور بين أوروبا وإفريقيا الغربية، يمكنه أن يكون أكبر من ذلك، لقد كان مركز إشعاع في ماضيه التاريخي، ويمكنه أن يستعيد الدور نفسه بين الفضاءات الثلاثة؛ الفضاء الأوروبي والفضاء الإفريقي والفضاء العربي، بحيث لا يمكنه أن يدير ظهره لأي منها، وأظن أن سياسته الخارجية تستحضر هذه الأبعاد الثلاثة مجتمعة، بما في ذلك سياسته الإفريقية. وقد أظهرت أحداث 13 نونبر 2020 في الكركرات أن المغرب قوي بعمقه العربي والإفريقي والأوروبي، ما يقتضي منه مواصلة بناء توازنات دقيقة بين المصالح المتنافسة أو المتصارعة، وهو رهان يبدو مقدورا عليه حتى الآن، مقارنة بدول أخرى بما فيها الجارة الجزائر، ومن شأن كل ذلك أن يعزز دوره الجيوستراتيجي أكثر في المنطقة.

هل شكلت طريقة استرجاع المغرب للسيطرة على معبر الكركرات تحولا دائما في الواقع القائم ميدانيا؟

أظن أن الأمر كذلك، لقد جرت تهيئة المنطقة، بما في ذلك معبر الكركرات، لهذا التحول بالتدريج منذ 2010 على الأقل، حين أقدمت موريتانيا على الاعتراف به من خلال مقرر وزاري رسمي تحت مسمى “الكيلومتر 55″، وأنشأت به مكاتب تمثل الدولة الموريتانية ومؤسساتها الأمنية والعسكرية، ثم بعد ذلك حين أقدمت سنة 2014 على حملة تمشيط ضد تجار التهريب والمخدرات والهجرة غير الشرعية، وقد قام المغرب بحملة تنظيف مماثلة في صيف 2016 من أجل فسح المجال بشكل آمن أمام تدفق الحركة التجارية والمدنية بين البلدين. وإذا كانت البوليساريو قامت بمناوشات طيلة السنوات الأربع الماضية، لثني المغرب وموريتانيا عن تثبيت هذا الممر كمعبر دولي لتنقل الأفراد والبضائع، فقد منحت للمغرب من خلال عرقلة حركة المرور في المعبر خلال الفترة ما بين 26 أكتوبر و13 نونبر 2020 فرصة سانحة لتكريس المعبر بوصفه معبرا دوليا للحركة المدنية والتجارية، ولا يبدو لي أن هذا الموقف سيتم التراجع عنه، لسببين: الأول، أن لا شيء يمنع في الاتفاقات المبرمة، بما في ذلك اتفاق وقف إطلاق النار أو الاتفاق العسكري رقم 1، إحداث معبر لتنقل المدنيين والبضائع، والسبب الثاني، لأن من مصلحة المغرب وموريتانيا ومن ورائهما أوروبا وغرب إفريقيا تشجيع حركة التجارة والتبادلات، وقد أظهر أسبوعان من العرقلة مدى حيوية المعبر للأمن الغذائي في موريتانيا ودول أخرى. 

هل تتوقع أن ينجح المغرب في عزل الجزائر إقليميا، أم أن هذه الأخيرة ستكون مضطرة للتفاعل إما بالاندماج الإيجابي أو بإشعال فتيل الحرب؟

ليس من السهل عزل الجزائر، فهي دولة لها وزنها في المنطقة، ولها علاقاتها وأدواتها، ولا ينبغي الاستهانة بها، خصوصا وأن الجزائر أثبتت، طيلة العقود الماضية، أن لديها إمكانيات للهدم، لكن دون أن تكشف، في المقابل، لحد الآن، عن أية قدرات على البناء. لقد اختارت الجزائر، تحت وهم الزعامة الإقليمية، أن تكون عائقا أمام كل إمكانية للتعاون والاندماج المغاربي، ولا يبدو أنها ستتخلى عن هذه الوهم قريبا، مادام الجيش هو الماسك بزمام الأمور هناك. أما الاحتمال الثاني، أي إشعال شرارة الحرب، فهو احتمال مستبعد كذلك، لاعتبارات عديدة منها أن النظام الجزائري القائم يعاني من أزمة مشروعية كما دلّت على ذلك نسبة المشاركة في الاستفتاء على مشروع الدستور، والتي لم تتجاوز 23,8 في المائة، ويعاني من أزمة اقتصادية واجتماعية كذلك، علاوة على أن قرار الحرب ليس سهلا، ولا يبدو أن الجزائر قادرة لوحدها على اتخاذه. صحيح أن الأزمات الضاغطة قد تدفع الجيش هناك لإشعال حرب في المنطقة لصرف أنظار الشعب الجزائري عن مشاكله وأزماته الداخلية، لكنه يظل احتمالا مستبعدا حتى الآن للاعتبارات المذكورة.

إسماعيل حمودي/ أستاذ العلوم السياسية بكلية تازة