مصباح: الاتفاق المغربي الأمريكي صفقة براغماتية.. ولا ينبغي الاستهانة بالرأي العام- حوار

محمد-مصباح محمد-مصباح

.

ما هو الوصف المناسب لنعت ما أعلن عنه من اتفاق بين المغرب والولايات المتحدة الامريكية يوم الخميس 10 دجنبر الجاري؟ هل هو صفقة أم توافق أم تبادل مصالح…؟

التوصيف الأقرب في نظري هو صفقة براغماتية تقوم على تبادل المصالح. فاعتراف الرئيس الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء وفتح قنصلية بنكهة اقتصادية في الداخلة مشروط بتطبيع المغرب علاقاته مع إسرائيل. هناك حسابات استراتيجية وظرفية وراء هذا القرار. من الناحية الاستراتيجية، الولايات المتحدة ترى أن المغرب هو بوابتها نحو الأسواق الإفريقية، كما أنه قد يشكل حصنا ضد التمدد الصيني في إفريقيا. من جهة أخرى، إدارة ترامب أرادت إحداث اختراق على مستوى تدبير الصراع العربي الإسرائيلي، من خلال صفقة القرن. يمكن القول بأن الاتفاق الأخير لا يخرج عن هذا الإطار. من جهة أخرى، الموقف المغربي، أيضا، تحكمه حسابات المصالح. المغرب استغل ‘نافذة الفرص’ التي فتحت بشكل استثنائي في الأيام الأخيرة من ولاية الرئيس ترامب لانتزاع اعتراف دولة من حجم الولايات المتحدة، وهذه النافذة لا تفتح دائما. عندما فتحت قام المغرب باستغلالها بغض النظر عن كلفتها “الأخلاقية”، فحسابات الربح والخسارة دفعت الدولة إلى ترجيح كفة القضية الوطنية على حساب القضايا القومية، أو ما يصطلح عليه في المغرب: انتصر منطق “تازة قبل غزة”.

هل يشكل الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء تحوّلا في مسار نزاع الصحراء أم هو مجرد استمرار لنهج سابق؟

إذا حاولنا الفصل “نظريا” بين الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء وبين استئناف الأخير اتصالاته الرسمية مع إسرائيل، يمكن القول بأن قضية الصحراء قد تدخل مرحلة جديدة، بعد عقود من الجمود. هناك مسلسل المفاوضات التي تشرف عليها الأمم المتحدة، إلا أن هذا المسار بالشكل الحالي يكرس سياسة الوضع القائم status quo، ولم يحرز أي تقدم يذكر في السنوات الأخيرة. تكفي الإشارة مثلا إلى أن المبعوث الأممي هورست كولر استقال من منصبه في شهر ماي 2019، ومنذ ذلك الحين بقي منصبه شاغرا.

من ناحية أخرى، هناك دينامية موازية مهمة قادتها الدبلوماسية المغربية في الفترة الأخيرة. الصراحة تقال، هناك أدوات جديدة استعملتها الخارجية المغربية لإدارة ملف الصحراء من خلال التركيز على دبلوماسية استباقية، ظهرت أساسا من خلال سياسة فتح القنصليات في الأقاليم الجنوبية. إلا أن أغلب الدول التي فتحت قنصلياتها لم تكن مؤثرة في الساحة الدولية. ولهذا، فإن فتح قنصلية أمريكية في الداخلة بتوجه اقتصادي هو تقدم ملموس سيكون له أثار غير مباشرة، لأنه قد يشجع دولا أخرى على نهج نفس المسار، لا سيما من خلال نافذة الاستثمار في إفريقيا. هناك حديث بأن بريطانيا قد تسير في هذا الاتجاه، لا سيما أن البريكسيت أصبح واقعا وتحتاج بريطانيا إلى نافذة على إفريقيا. إذا نجح المغرب في توظيف هذا الزخم، عبر جذب الاستثمار الخارجي، سيكون مهما ليس فقط، من الناحية السياسية – عبر الإقرار العملي بالسيادة المغربية على الصحراء – ولكن أيضا من الناحية الاقتصادية، لا سيما في هذه الظرفية الاقتصادية الحساسة.

أي أن الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء يحسم بشكل أو بآخر مصير النزاع القائم؟

صحيح أن الاعتراف الأمريكي يجعل المغرب في وضع أريح، ولكن هذا لا يعني أن قضية الصحراء حسمت. بالعكس، هناك تحديات أساسية تلوح في الأفق. أولا على المغرب أن يحصن هذا المكتسب بعد مجيء الإدارة الأمريكية الجديدة. فأهم تحد أمام صناع القرار في الرباط هو ضمان استمرار الدعم الأمريكي بعد مجيء إدارة بايدن. من هنا، من الضروري وضع السيناريوهات المحتملة في حالة ما إذا جرى التراجع عن هذا القرار. ثانيا، على المغرب أن يضاعف مجهوداته الدبلوماسية على مستوى الدول الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن. فقضية الصحراء تحسم أساسا داخل أروقة الأمم المتحدة. هناك معارضة روسية للقرار الأمريكي، كما أن الصين لديها علاقات اقتصادية متميزة مع الجزائر. أخيرا، من المهم أن يتم العمل على إقناع البوليساريو والجزائر بأن مشروع الحكم الذاتي هو الخيار الوحيد الموجود على الطاولة للتفاوض، وبالتالي، المفاوضة فقط على كيفية تنزيل مشروع الحكم الذاتي، باعتباره أحد أشكال تقرير المصير. كل هذه الشروط تتطلب جهدا استثنائيا على المستوى الدبلوماسي.

أي تلك السيناريوهات أقرب إلى الواقع؟

الأشهر المقبلة حاسمة لمعرفة المسار الذي سيأخذه ملف الصحراء. يمكن القول بأن هناك ثلاثة سيناريوهات محتملة: الأول هو تسوية الصراع عبر بوابة “مشروع الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية”، وهو السيناريو المفضل من زاوية نظر مغربية. السيناريو الثاني: هو إعادة إنتاج مسلسل التفاوض الأممي بدون تحقيق نتائج أو تقدم. السيناريو الثالث: هو انهيار اتفاق وقف إطلاق والدخول في مواجهات مسلحة بين المغرب والبوليساريو، وربما بشكل محدود أيضا مع الجزائر. هذا السيناريو مستبعد، ولكنه وارد. في كل الأحوال، تدبير المرحلة المقبلة يتطلب من صناع القرار في الرباط دراسة كل هذه الاحتمالات ووضع خطط بديلة لكل منها.

كيف يمكن قراءة حدوث هذا الاتفاق في ظل وجود حكومة يقودها حزب إسلامي في المغرب؟

الأمر فعلا محرج بالنسبة إلى حزب العدالة والتنمية، باعتباره بنى جزءا من خطابه السياسي على مناهضة التطبيع ويوجد في وضع صعب لتبرير موقفه. الحزب حاول تدبير هذا الأمر من خلال تبني الخطاب الرسمي مع الحفاظ على الحد الأدنى من موقفه المؤيد للقضية الفلسطينية. إلا أن السياسة الخارجية في المغرب لا تدبر من خلال الحكومة المنتخبة، ولكنها بحكم الدستور تدخل ضمن صلاحيات المؤسسة الملكية. في الوقت عينه، قد يشكل فرصة للدولة لكي تضع سياسة متوازنة تحشد فيها الدعم للقضية الوطنية الأولى خارجيا، مع الحصول على السند والدعم الشعبي. فوجود العدالة والتنمية يمنح فرصة للدولة لامتصاص تداعيات هذا القرار داخليا، لا سيما إذا سمحت الدولة للمجتمع والأحزاب بالتعبير عن معارضتها لهذا القرار، لأنه سيعطيها مساحة أكبر للتفاوض وعدم تقديم المزيد من التنازلات، باعتبار أن الأغلبية الساحقة من المواطنين تؤمن بعدالة قضية الصحراء، وأيضا جزء كبير منهم أيضا يؤيد القضية الفلسطينية. ليس هذا فقط، ولكن وجود معارضة شعبية يعتبر شيئا مفيدا للدولة، أيضا، في حالة ما إذا قرر الرئيس الأمريكي المقبل أن يتراجع عن قرار الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء، فيمكن للمغرب أن يتراجع عن التطبيع مع إسرائيل بحجة وجود معارضة شعبية. ولهذا من مصلحة المغرب أن يحافظ على توازن بين الدفاع عن مصالحه الوطنية من دون أن يخسر الدعم الشعبي. قد يوفر تبادل الأدوار بين الدولة والعدالة والتنمية نوعا من هذا التوازن.

هل من تداعيات محتملة لاستئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية على الوضعين الداخلي والخارجي للمغرب؟

على الصعيد الخارجي، أعتقد أن حلفاء المغرب الكلاسيكيين سيرحبون بالقرار، لا سيما دول الخليج. هناك معارضة لهذا القرار أساسا من طرف الجزائر، التي تمر من مرحلة صعبة بسبب الأزمة السياسية التي تعيشها منذ 2019، والتي تعمقت مع وباء كورونا، ولهذا فهي تعمل على تصوير الأمر باعتباره تهديدا للأمن القومي الجزائري. إلا أنني أعتقد أن أكبر تحد، هو ما سيحصل داخل المجتمع. فالقضية الفلسطينية تشكل خطا أحمر للأغلبية الساحقة من المواطنين. وفي آخر الإحصائيات التي قام بها فريق الباروميتر العربي في شهر نونبر 2020، أي قبل بضع أسابيع من إعلان المغرب استئناف العلاقة مع إسرائيل، فإن 91 في المغاربة قالوا بأنهم ضد قرارات الإمارات والبحرين التطبيع مع إسرائيل، وفي السنة الماضية قال 88 في المائة من المغاربة بأنهم يعارضون أي تقارب مع دولة إسرائيل. إذن، هناك رفض واسع على المستوى الشعبي لربط العلاقات بشكل رسمي، لا سيما في ظل حكومة يمينية بقيادة نتنياهو المعروفة بمواقفها المتشددة اتجاه القضية الفلسطينية وحل الدولتين.

هل لهذا الموقف الشعبي والرأي العام الداخلي من تأثير على القرارات والخيارات المتخذة؟

الدعم الشعبي لقضية الصحراء هو أحد العناصر الأساسية لصمود المغرب في الدفاع عن قضيته الوطنية الأولى. الأغلبية الساحقة من المواطنين يعتبرونها قضية عادلة وجزءا أساسيا من هويتهم الوطنية، بغض النظر عن لونهم الإيديولوجي. ولهذا لا ينبغي الاستهانة بالرأي العام فيما يخص القضايا الحيوية، لا سيما تلك المتعلقة بالهوية، لأنه لا يمكن التنبؤ عما يمكن أن يتولد عنها. على الدولة أن تأخذ الاستياء الشعبي بشكل جدي وليس فقط، باعتباره مسألة وقتية عابرة. قد يكون ضغط الرأي العام محرجا، ولكنه هو السند الحقيقي الذي تعتمد عليه الدول القوية.

محمد مصباح: مدير المعهد المغربي لتحليل السياسات