إدامين: النيو- السلطوية وجدت في كورونا تربة خصبة لتحل مكان السلطوية القديمة- حوار

عزيزإدمين عزيزإدمين

.

ما هي في نظرك أهم التغيرات في مجال حقوق الإنسان بالمغرب التي ميزت فترة كورونا؟

لا أعتقد أن هناك تغييرات كبيرة في مجال حقوق الإنسان بالمغرب خلال فترة كورونا، مقارنة مع ما تعرفه البلاد من سنة 2014، حيث هيمنت المقاربة الأمنية على المجال العام، وتدبير الاحتجاجات والتظاهرات بمزيد من التضييق والمنع، كل ما حدث هو استغلال السلطات العمومية لحالة الخوف الكبيرة التي أحس بها المواطنون من هذا الفيروس من أجل شرعنة المزيد من العنف والمنع والاعتقالات بشكل تعسفي، خاصة عندما نتحدث عن الصحافيين سليمان الريسوني وعمر الراضي، حيث يوجدان في السجن، في إطار الاعتقال الاحتياطي منذ شهور، ولم تتم بعد محاكمتهما، وهو ما يضرب بعرض الحائط شروط المحاكمة العادلة التي تنص على ضرورة إجراء المحاكمات في آجال معقولة، كما أنه يعاكس توجهات المفوضية السامية لحقوق الإنسان التي دعت إلى البحث عن سبل بديلة من أجل التخفيف من الاكتظاظ والساكنة السجنية.

يضاف إلى ذلك، الانتهاكات المستمرة، وهنا نتحدث عن وجود معتقلين محكوم عليهم بمدد حبسية طويلة قبل الجائحة، حيث أجمعت تقريبا الحركة الحقوقية على الظلم الذي طالهم، ونتحدث هنا عن معتقلي الريف. هذه النماذج التي طرحت، ليست وحدها، بل هي مجرد عناوين كبرى لعشرات الصحافيين والمدافعين عن حقوق الإنسان ونشطاء الحركات الاحتجاجية الموجودين في السجون المغربية ظلما.

في بداية الجائحة كانت هناك أصوات تحذر من مغبة الانزلاق نحو السلطوية، بعد هذه الشهور. ما الذي حدث؟

حذرت أصوات وطنية وأصوات دولية من استغلال الجائحة من أجل فرض المزيد من القيود وتكريس النيو- سلطوية، وبالفعل هذا ما حدث. فمن خلال المسح العام للشأن العام وللفضاء العمومي يلاحظ أن الأمني حل محل كل باقي الفرقاء والفاعلين الآخرين من سياسيين ومنتخبين ومدنيين… نزول مثلا ممثلي السلطة المركزية من قياد وباشوات من أجل فرض تدابير البروتوكولية للوقاية من وباء كورونا، إذا كان إيجابي في جانب ما، فهو سلبي في جوانب كثيرة، وخاصة بتغييب دور المنتخب والسلوكيات الصادرة عن بعضهم بالصفع والضرب والاعتقال بشكل عشوائي للناس، وأيضا إهانة كرامتهم والاعتداء عليهم.

إلى اليوم لا نعلم بالضمانات والنتائج والآثار التي خلقها التطبيق الإلكتروني “وقايتنا”، هذا التطبيق الذي حذرت منه الحركة الحقوقية بأنه يمكن أن يُستعمل للتجسس واختراق الحياة الخاصة، فإلى الآن لا نعلم أي شيء عنه، رغم أن اللجنة الوطنية لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي التزمت بمتابعة وتقييم هذا التطبيق، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان وعد بتقديم رأيه وتقريره بخصوص الموضوع، فإلى الآن لم يحدث ولم يصدر أي شيء من قبل هذه المؤسسات. وبالتالي فالنيو-السلطوية، وجدت في كورونا تربة خصبة لتحل مكان السلطوية القديمة.

أي دور كان للمؤسسات الرسمية في حماية حقوق الإنسان خلال هذه الفترة؟

هناك ثلاث مؤسسات ذات الصلة بحقوق الإنسان رئيسة في هذا الموضوع، فأولاها المجلس الوطني لحقوق الإنسان، الذي دخل هو الآخر في الحجر الصحي ولم تصدر عنه أية مواقف أو مبادرات أو تحريك آليات الحمائية بخصوص الموضوع طيلة فترة زمن كورونا، بل تماهى مع الخطاب الرسمي الأمني وتحول إلى مشرعن له بمقاربة حقوقية”.

الثانية، هي اللجنة الوطنية لحماية المعطيات ذات الطابع شخصي، التي بالفعل بذلت مجهودات كبيرة في البدايات سواء من خلال التواصل أو من خلال آرائها وقراراتها، إلا أنها توقفت عن ذلك بدون أي مبرر. وأخيرا، المجلس الوطني للصحافة، الذي أصدر بالمناسبة تقريرا موضوعاتيا بخصوص الموضوع، وبدون الحديث عن الأخطاء الكثيرة في الأسماء والمدن والشخوص داخل التقرير، فإن القراءة الشاملة للتقرير تفيد بأن المجلس لم يستطع أن يمس ببعض الخطوط الحمراء التي وضعها لنفسه، ونخص بالذكر، أنه لم يستطع حتى أن يشير بالأصبع لصحافة التشهير التي تمس الحياة الخاصة للناس، وتمارس التضليل الإعلامي، وأيضا تخرق القوانين وأخلاقيات المهنة.

ما موقع المجتمع المدني في صيانة الحريات في هذه الفترة؟ وما العراقيل التي واجهته؟

بخصوص المجتمع المدني، فهو ليس بسلطة وليس بمؤسسة، بل هو مجموعة من النشطاء والمدافعين الذين يستعملون أدوات مدنية في الدفاع عن القضايا، كالفضح والتحسيس والتعبئة والترافع من خلال المذكرات والبيانات والندوات والتقارير… وبالتالي، لا يمكن أن يُطلب منه أكبر من حجمه. ومع ذلك، فعدد كبير من الجمعيات أصدرت تقارير ودراسات ومذكرات بخصوص الموضوع، كما أن هناك جمعيات قامت بمراسلة الحكومة والبرلمان والمؤسسات الحقوقية للتنبيه للانتهاكات والخروقات التي يعرفها تدبير جائحة كورونا.

ينبغي تسجيل أن المجتمع المدني لم يصل إلى أن يشكل جبهة قوية للإصلاح والتغيير، بمعناه السلمي والتدريجي، ولكنه على الأقل لعب دور ضمير المجتمع في محطات كثيرة.

عزيز إدامين: خبير دولي في مجال حقوق الإنسان