حفيظ: هناك من يفهم الطوارئ على أنها حد من الحريات- حوار

محمد حفيظ محمد حفيظ

.

كانت هناك تخوفات مع بداية أزمة كورونا من أن يحدث تراجع على حقوق الإنسان بالمغرب أو انزلاق نحو السلطوية (أكثر). بعد كل هذه الشهور ما الذي حدث؟

الحديث عن التراجعات في مجال حقوق الإنسان كان قبل أن تصلنا الجائحة. فقد ظل الحقوقيون وبعض السياسيين ينبهون إلى ما يعتمل وضع حقوق الإنسان بالمغرب، وذلك بتسجيلهم بعض التراجعات التي تمس المكتسبات الحقوقية. لكن أزمة كورونا، وخاصة منذ الإعلان عن حالة الطوارئ الصحية، رفعت من حدة التخوفات من أن يتم استغلال الظروف الاستثنائية والصلاحيات الواسعة التي منحت للسلطات في حدوث نكوص في مجال حقوق الإنسان وتكريس مزيد من السلطوية. وهذه التخوفات مردها إلى أنه ليس هناك اطمئنان كامل وتام أن دولتنا حسمت بشكل نهائي في احترام حقوق الإنسان.

ومع الأسف، فإن بعض الممارسات التي سادت بدء تطبيق حالة الطوارئ الصحة أكدت أن من تخوفوا كانوا على صواب. لقد تابعنا، وفي إبانه، بعض الممارسات التي صدرت عن بعض من كلفوا بإنفاذ إجراءات الطوارئ، والتي كشفت أنهم لا يتمثلون حقوق الإنسان بالشكل السليم. وحتى إذا نظرنا إلى هذه الممارسات باعتبارها سلوكا فرديا أو ممارسة معزولة وليست تنفيذا لقرار مركزي، فإنها تكشف أنه لازال يوجد داخل جسم السلطة من يفهم الطوارئ بأنها الحد من الحريات والحقوق، وينظر إليها باعتبارها فرصة للتنصل من احترام هذه الحقوق بتعليقها أو تجميدها، وربما العودة بنا إلى زمن ما قبل حقوق الإنسان. وإن كنت أذهب إلى أن بعض السلوكيات التي توصف بالفردية أو المعزولة تجد سندها في طبيعة التعامل المركزي مع الحريات والحقوق، وكذا في طبيعة رد الفعل المركزي على الانتهاكات التي قد يرتكبها بعض المنتسبين إلى السلطة وأجهزتها.

ما المقصود بالجهة التي تجد سندها في طبيعة التعامل المركزي؟

ازداد نفوذ وزارة الداخلية، وتوسعت سلطاتها أكثر، وتقوت سطوة بعض الأجهزة التابعة لها، وبدأ البعض يتحدث عن عودة الداخلية إلى سابق عهدها باعتبارها الوزارة القوية أو “أم الوزارات”، حينما كانت من العناوين البارزة للسلطوية بالمغرب. وفي هذا رسالة إلى كل من يهمه الأمر، سواء داخل الوزارة أو خارجها.

كما لا يمكن أن ننسى محاولة استغلال الحكومة للجائحة وظروف الناس وانشغالهم بالأزمة التي يمر بها المجتمع لتمرير ذلك القانون الخطير (قانون 22.20)، الذي كان يستهدف حريات التعبير والرأي والتفكير والنشر. لكن لحسن الحظ، كان الرأي العام المغربي في الموعد وتدخل بكل قوة وبتحضر، أيضا، لحماية حقوقه. ويكفي أن يطلق المغاربة على ذلك المشروع اسم “قانون تكميم الأفواه” ليتم سحبه وإلغاؤه بشكل نهائي.

هناك رأي يرى أن الاستقرار أولوية وهو أهم مكسب. هل زادت أزمة كورونا ومخلفاتها الاجتماعية والاقتصادية وغيرها من أهمية هذه المقاربة؟

إن هذا الرأي شبيه بمن يرى أن حماية الحق في الصحة أو الحق في الحياة تسمح بتعليق باقي الحقوق الأخرى المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية… بينما حقوق الإنسان منظومة متكاملة. ومثلما أنها غير قابلة للتصرف، فإنها أيضا غير قابلة للصرف. وحين نرجع إلى تاريخ الاستبداد والتأمل في بعض تجاربه، نجد أن من كانوا ينتهكون بعض الحقوق كانوا يبررون ذلك بحماية حقوق أخرى. وهذا أخطر فهم أو تمثل لحقوق الإنسان.

وأرى أن الأمر عينه ينطبق على مقولة أولوية الاستقرار. وبالمناسبة، فهي مقولة ليست جديدة. فكلما كانت هناك انتفاضة اجتماعية أو احتجاج لفئات من المواطنين في هذه المنطقة أو تلك أو حتى مواقف معارضة لأسلوب تدبير الشأن العام، نجد من داخل الدولة وحتى من داخل بعض الأحزاب من يلجأ إلى هذا الشعار الذي تحول إلى عصا تُرفع في وجه الناس لتهديدهم ومنعهم من الدفاع عن حقوقهم، كأنهم يقولون لهم: “يكفيكم هذا الاستقرار الذي تنعمون به بينما تفتقده بلدان أخرى”، ولا أعرف لماذا يقومون بمقارنتنا فقط، مع البلدان التي لا تشهد الاستقرار؟! وكلنا يتذكر كيف قضى رئيس الحكومة السابق عبدالإله بنكيران ولايته كلها رافعا هذا الشعار، كما لو أنه جاء فقط ليحرس استقرار المغرب. هل المغرب هش إلى هذه الدرجة؟! إن هذا الشعار يقدم دولة المغرب كما لو أنها على شفا الانهيار، وهو بذلك يسيء إليها من حيث لا يدري.

إن الاستقرار الحقيقي هو ضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب الحقوق المدنية والسياسية وغيرها. الاستقرار لا يتمثل في وجود دولة ومؤسسات، الاستقرار نعيشه ونحياه ونحس به في أوضاعنا الاجتماعية وفي حالتنا الاقتصادية وفي حرياتنا. والدولة التي لا تجعلنا نعيش هذا الاستقرارهي التي تهدد استقرارها هي قبل أن تهدد استقرار البلاد.

تحل اليوم، ذكرى الاحتفاء بحقوق الإنسان عالميا بوجود نشطاء حقوقيين وصحافيين ونشطاء حركات اجتماعية رهن الاعتقال أو لهم قضايا رائجة أمام القضاء. ماذا يشكل هذا الوضع ووضع مؤسسة القضاء في كفة ميزان حقوق الإنسان بالمغرب؟

 هناك سوابق في سنوات الرصاص. وقد تبين بعد فتح ملفات ضحايا حقوق الإنسان في تلك السنوات وقراءة صفحات من تاريخ الاعتداءات الجسيمة لحقوق الإنسان بالمغرب أن القضاء كان طرفا في تلك الاعتداءات، من خلال المحاكمات التي أجراها والأحكام التي أصدرها. ويظهر أن سؤال استقلالية القضاء لايزال مطروحا. ويطرح هذا السؤال بالأساس في قضايا معينة ذات صلة بما هو سياسي وما هو حقوقي، وخاصة ما يرتبط بالحريات العامة. ويكفي أن أشير هنا إلى النقاش الذي أثارته بعض بلاغات النيابة العامة في قضايا محددة وعن أشخاص معينين. لماذا تسارع النيابة العامة إلى إصدار بلاغات في بعض القضايا وتلتزم الصمت في قضايا أخرى؟!

إن للقضاء في حماية حقوق الإنسان دورا أساسيا وضروريا. قد تقوم بعض مؤسسات الدولة أو أجهزتها بانتهاك حقوق الأفراد أو الجماعات، لكن إذا لم يمارس القضاء استقلاليته كاملة لحماية هذه الحقوق وصيانتها، فسيكون قد تخلى عن وظيفته التي جاء لتأديتها.

وإذ نتابع قضايا عدد من الحقوقيين والصحافين المعتقلين أو المتابعين، نجد أنفسنا نتوجه مباشرة إلى القضاء وإلى الدور الذي يجب أن يقوم به لتحقيق العدالة وحماية الحقوق. فكلما انتُهِكت حقوقهم وجهت أصابع الاتهام إلى القضاء.

إن وجود أي مظلوم داخل السجن يتحمل فيه القضاء المسؤولية الجسيمة. ولا يمكن التعامل مع هذا الأمر باستسهال أو لا مبالاة. ولذلك، حين يرمى بمواطنين شهورا في السجن دون محاكمتهم، كما هو الأمر بالنسبة إلى الصحافيين سليمان الريسوني وعمر الراضي، فهذا يعرض حقوقهم للانتهاك، ويمارس في حقهم عقاب دون محاكمة.

إن التعامل البناء مع الأزمات والكوارث هو ذلك التعامل الذي يجعلها تسهم في بناء المستقبل من جديد. وإذا كان يجب علينا أن نجعل من جائحة كورونا فرصة لإعادة النظر في التدبير وفي التوجهات وحتى في الاختيارات، فيجب ألا نغفل مجال حقوق الإنسان. وهنا علينا أن نعمل على خلق جو جديد بالمغرب، بمعالجة بعض القضايا العالقة ذات الصلة بحقوق الإنسان. أقول هذا وأنا أستحضر معتقلي حراك الريف ومعتقلي الرأي والتعبير من صحافيين وحقوقيين، وكل من يتعرضون للتضييق والمتابعة.

محمد حفيظ- أستاذ جامعي، ونائب رئيسة الحزب الاشتراكي الموحد