محمد جليد يكتب: بناء العالم؟!

محمد جليد محمد جليد

.

بلا شك أنت تتوصل، مثلي، بكثير من الكبسولات البصرية عبر صفحتك الفايسبوكية أو رقمك في الواتساب، أو حتى عبر بريدك الإلكتروني، غايتها تنبيهك إلى خطورة اللقاح. فمن منبهة إلى أنك ستفقد، بعد التلقيح، ملكاتك العقلية، حيث ستصير متأتئا، إلى أخرى تحاول إقناعك بأن النسيان سيلازمك طيلة الحياة، بعد أن تُظهر لك شابا نسي في قاعة اللقاح قبعته و«قُبّيته»، وثالثة ترى من خلالها شيخا يتحول، بعد اللقاح مباشرة، إلى حمار، الخ.

وبغض النظر عن بعض الأشرطة البصرية والسمعية التي تتوخى إدخال جو من المرح والسرور على النفس في زمن الكآبة هذا، فإن طابع التشكيك الذي يتسم به أغلبها يدفع إلى التساؤل: هل يسعى فعلا دهاقنة العالم إلى تحويل الإنسان المعاصر إلى كائن مدجن؟ ألم تنجح الرأسمالية بعد، باختراعاتها وأدواتها التكنولوجية الخطيرة، وبنمطها الاستهلاكي الفج، في تدجين هذا الإنسان، إلى حد جعلته يتحول من جديد إلى عبد أكثر خضوعا وخنوعا من عبيد القرون الوسطى؟ أهناك تدجين أكبر من هذا الاستغلال البشع الذي يتعرض له الإنسان يوميا، دون أدنى احتجاج أو استنكار، أو حتى مطالبة بتغيير وضعه؟

ما الذي يعنيه ترويج هذه الفيديوهات التي تحذر من اللقاح؟ هل يريد فعلا المتحكمون في مصير الكرة الأرضية تحويل هذا الكائن الضعيف المغلوب إلى كتلة غباء متحركة؟ ثمة فيلم أمريكي يمدنا ببعض الجواب عن هذا التساؤل: في فيلمه الكوميدي «Idiocracy»، يروي المخرج الأمريكي «مايك دجادج» قصة شاب سيشارك في برنامج علمي خاص بوزارة الدفاع الأمريكية، غايته زيارة المستقبل ومعرفة ما سيحدث فيه. هكذا، سيجد بطل الفيلم نفسه، سنة 2505، وسط مجتمع أمريكي تغلب عليه البلادة وتحاصره المجاعة والقاذورات، ولا يفكر سوى في الأكل واللهو وممارسة الجنس.

لا شك أن مصير الإنسان آخذ الآن في التحول إلى هذا المصير المأساوي، دون أن يكون هناك أي تدخل خارجي في جيناته الوراثية، لأن الجشع الرأسمالي يعمل الآن على تحويل العالم، بسرعة مذهلة، إلى بقعة غير صالحة للعيش. تتجلى مظاهرها في هذه الحروب الدامية التي لا تهدأ نهائيا، وفي هذا التغير المناخي الذي يرفع الحرارة إلى أقصى درجاتها ويخفضها إلى أدناها في وقت وجيز، وفي هذا التلوث الخطير الذي أصاب الطبيعة والبيئة البشرية، الخ. كما تتجلى في عدم الاكتراث لأصوات العقل التي تنادي بإصلاح أحوال الإنسان وإعادة بناء العالم قبل فوات الأوان.

لندع العالم الرأسمالي وشأنه، ولنعد إلى شياهنا، كما يقول الفرنسيون. لا أحد يمكنه اليوم أن ينكر أن إهمال الإنسان في هذا البلد السعيد بلغ درجات قياسية، حتى بات لقمة سائغة لأتفه المنشورات على الواتساب أو الفايسبوك. إذ باتت أغبى المزاعم والادعاءات تنطلي بسهولة كبيرة على هذا الكائن، حيث بمقدور أي «راق» أو مدع أن يتلاعب كيفما شاء بأدمغة الناس. وقد كان لهذا الصنف من الدجالين تأثير كبير، طوال السنوات الماضية، في التشكيك في منجزات الإنسان العلمية والتقنية، وفي القضاء على بعض مكتسبات العقلنة والتحديث.

ومن نتائج هذا الإهمال أننا لا نشارك اليوم في إنقاذ الإنسان الموبوء. إهمالنا للمدرسة والجامعة، وعدم إيماننا بالتعليم مسلكا أساسيا للنهضة والتقدم، هو ما يجعلنا اليوم في حالة انتظار اللقاح. ما من شيء أبشع من أن تقف موقف المتفرج على العالم، وهو يسارع الزمن من أجل إيجاد لقاح لإنقاذ البشرية، وأنت تترقب؛ هل سيجود عليك الآخرون -إن جادوا- بما يمكن أن ينقذك من هذا الفيروس اللعين؟

كنا نتوقع أن تشرع الحكومة في تغيير سياساتها منذ اللحظات الأولى لدخول «كوفيد19» إلى المغرب، حتى نتمكن من إعادة بناء عالمنا الخاص. كان من المفروض أن يتوقف هذا القبح الذي يحيط بنا؛ هذه التفاهات التي تنتشر بكل حرية، وهذه الكبسولات المشككة في العلم، وهذه الخطابات الدينية المفتقرة إلى الميزان العقلي، وهؤلاء المهرجون على الشاشات العمومية… وعلى نحو مواز، كان ينبغي أن تظهر أولى ملامح سياسة بديلة تهدف إلى بناء العقلانية نمط حياة وعمل.