منير أبو المعالي يكتب: Made In China  

منير-ابو-المعالي منير-ابو-المعالي

.

في كل مرة، تنهار المشروعات الكبيرة بين المغرب والصين بمجرد ما يظهر أن تنفيذها وصل إلى مراحل متقدمة. ظهر ذلك في قصة مشروع «طنجة تيك»، وهو مازال عبارة عن خراب، فيما كان إلياس العماري آنذاك، بصفته رئيسا لجهة الشمال، متحمسا فوق العادة لتحويله إلى علامة لتغيير مذهل في الطريقة التي تدير بها الصين نفوذها الاقتصادي داخل البلاد. منح الملك اسمه لتذليل أي عقبات بيروقراطية تمارسها السلطات الحكومية، ومع ذلك، تباطأ تنفيذ المشروعات في هذا المركب، وفي نهاية المطاف، لم يعد هناك سوى القليلين ممن يسألون عن الكيفية التي تبخرت بها الآمال كما الأفراد المسؤولون. تحاول السلطات أن تلملم بعض الأجزاء المتناثرة للمشروعات بمزيد من التمويل، وبإضافة اتفاقات جديدة وشركاء أكثر مصداقية، وهي محاولة متأخرة لترميم بناية كانت أفضل مراحل تاريخها حينما وضعت مجسماتها المصغرة على طاولة عريضة لإمتاع الناظرين.

لم يمض زمن كاف لنسيان هذه النكسة -فيما إلياس العماري مستمر في إبهار الناس على الصحف بمقولاته عن الصين- فإذا بنا نواجه المعضلة نفسها، حيث تتحول مزايا هائلة لاتفاق حول توريد لقاحات لمواجهة كوفيد19 إلى إخفاق سياسي. وتحاول السلطات الحكومية جعلها مشكلة مؤقتة، إلا أن إدارة أزمة لقاحات «سينوفارم» تكشف الكيفية التي تتصرف بها السلطات عندما تخطط لدفن أزمتها وسط ركام من البيروقراطية الفجة. ودعونا لا ننسى القيود الجمركية التي فرضت، على نحو قاس وخاص، على توريد أدوات طبية من الصين مُنحت معونات لدعم جهد البلاد في شهر أبريل الفائت، وكانت سببا في توقف مساعدات إضافية.

اللقاحات هذه المرة لم تنج من النهاية التعيسة أيضا. ما لم تخبر به السلطات أحدا، هو أن وزارة الصحة -كما أي من المؤسسات المختصة- لم تودع أي طلبية لهذه اللقاحات بالرغم من الاتفاق الرئيس بشأن توريدها. قدمت السلطات الحكومية تفسيرا مواربا حول ذلك، فقد ادعت أن شركة اللقاحات لم تبذل جهدا كافيا لإقرار معايير الشفافية بخصوص نتائج التجارب السريرية، وقد كان المغرب مشاركا فيها. وانبرت اللجنة العلمية للقاحات للزعم، وبشكل مفاجئ، أن ملف الصين «لم يكن موافقا للشروط المطلوبة».

يمكن تلخيص المشكلة في ما يلي؛ يطلب من اللجنة العلمية أن تتصرف وكأنها الفيصل في مسألة اللقاحات. وعليها أن تكون أكثر إقناعا، هذه المرة، من أي مسؤول حكومي آخر. لكن، بداية، يتوجب على أعضائها -من الناحية الأخلاقية – أن يشرحوا للمسؤولين الكبار في الدولة، ممن تطوعوا وشاركوا في التجارب السريرية للقاحات «سينوفارم»، ما حدث، ولِمَ لمْ يقدموا أي اعتراضات في الوقت المناسب.

في حقيقة الأمر، فإن هذه اللجنة لم تكن تكتسب من العلم سوى تسميتها. ولقد كتبت، في وقت مضى، أن التخلص الخشن من مدير الأوبئة في وزارة الصحة يعد نموذجا عن الطريقة التي ينظر بها معدو استراتيجيات مواجهة الجائحة إلى دور العلم في بناء وتنفيذ وتقييم السياسات الصحية. ولقد نبهت أيضا إلى ماذا سيحدث في حال لم يُصغ إلى الرأي العلمي بتاتا. بالطبع، فإن المسؤولين الحكوميين كانوا ينظرون إلى اللجنة العلمية باستخفاف، مثلما فعل وزير الصحة نفسه. ولسوف يجري إضعاف تلك اللجنة العلمية بثبات.

يا للمفارقة! بمجرد أن لاحت أزمة الجائحة في مارس الفائت، لم «نر» العلم حيث يجب أن يكون في مثل هذه الأوقات، وقد حرصت الدوائر الرسمية على ألا تقدمه لنا كما ينبغي. كان اسم «اللجنة العلمية» بمثابة عبارة سحرية تضاف إلى حاشية كل قرار سياسي بشأن إقرار مزيد من القيود على حركة الناس، فيما بالكاد كان أحد يعرف ممن تتشكل هذه اللجنة، وما إن كان أعضاؤها يملكون الأهلية المناسبة، ولسوف يكون عسيرا فهم الطريقة التي تكتسب بها الآراء حجيتها داخل تلك اللجنة، قبل أن تُستخدم مطية لتبرير قرارات السلطات المركزية. لقد أخفقت هذه اللجنة في ما هو أساسي؛ أي شفافية أعمالها هي الأخرى.

لكن، هذه المرة، بات «العلم» مطلوبا للتغطية على فشل حدث في مكان ما بعيدا عن اللجنة العلمية. وعلى هؤلاء «العلماء» –الذين بالكاد نستطيع التعرف على واحد أو اثنين بينهم- أن يقدموا مساعدة للسلطات في ساعة الضرورة هذه، حيث أخفقت السياسة في إحراز أي تقدم. أفسحت وزارة الصحة مكانها لهؤلاء هذه المرة لكي يتكفلوا بأداء المهمة الصعبة؛ جعل الناس يصدقون أن أي تغيير في جدولة اللقاحات إنما هو لصالحهم. ليس هناك ما يصلح لاستخدامه تميمة أكثر من العلم. وسنكون سعيدين إذا توقف الأمر عند تلك الحدود. على كل حال، مازالت النتائج ضعيفة. على سبيل المثال، عز الدين الإبراهيمي، وهو عضو يملك سيرة مذهلة في العمل لدى الدولة، وتحاول بعض وسائل الإعلام عرضه وكأنه شخص جدير بالاتباع، كتب، يوم الاثنين الفائت، على حساباته في الشبكات الاجتماعية، تلخيصا للأزمة السياسية قائلا: «سنبدأ التلقيح الجماعي عندما يصل اللقاح»، ولعلكم الآن تعرفون مصدر العبارة نفسها عندما ألقاها رئيس الحكومة أيضا يوم الثلاثاء في البرلمان. يشبه في ذلك شخصا آخر اسمه مولاي سعيد عفيف وهو يقدم تصريحا للتلفزيون الرسمي، حيث قال متلعثما إن اللقاحات ستصل مطلع هذا الأسبوع. يحدث أن يبرز بعض العلماء بشكل بهلواني وهم يحاولون أن يظهروا وكأنهم أشخاص جديرون بالثقة، ولو تطلب ذلك الخلط بين وظائفهم وبين أعمال التجارة والنقل الدوليين. عفيف نفسه تحدث، يوم 17 نونبر الفائت، بانبهار، عن فعالية لقاحات «سينوفارم».

لا يهم؛ إذا دعت الضرورة إلى ألا نثق في العلماء أيضا، فإننا سنفعل. فقد بات مطلوبا من الجميع أن يحول مشكلة سياسية إلى إخفاق برز فجأة في المنهج العلمي لشركة مقرها الصين. وهذه أصبحت عادة كل مرة تتآكل فيها الثقة في المدبرين العموميين. لا غنى من دور اللجنة العلمية في تشكيل الرأي النهائي حول عملية التلقيح الجماعي. ولقد كانت تصريحات اثنين من أعضائها مفعمة بالبهجة، وقُدمت بالبهرجة الاعتيادية في التلفزيون الرسمي. وسوف نعلم، لاحقا، وقد تأخرت العملية أكثر من شهر عن موعدها الذي أعلنه الديوان الملكي، أن «تحفظات جديدة» طرأت داخل هذه اللجنة وهي تقرر بشأن مصير لقاحات «سينوفارم». لم يفعلوا ذلك حتى الآن بالنسبة إلى لقاحات «أسترا زنيكا»، فقد عالجت اللجنة ملفها دون أي تعقيدات، و«ليصل اللقاح متى يصل»، كما كتب عضو بارز في اللجنة. باسم إجراء الطوارئ العالمي، جرت تزكية لقاحات تستخدم في الهند، لكن لم يحاجج أحد بذلك الاسم، فيما يجري هدم مجهود الحصول على لقاحات تستعمل في جارتها الصين. يذكرنا ذلك باعتراضات رئيس البرازيل على لقاحات فقط لأنها لا توافق سياساته المحلية.

هذه مهمة جديدة للعلماء إذن.. لقد تسلموا القيادة في الوقت الحالي بعد شهور من التواري إلى الخلف، تاركين للمسؤولين السياسيين الظهور كأبطال شعبيين. باتت اللجنة العلمية أكثر أهمية من وزارة الصحة وأقسامها البيروقراطية. ومظهر وزير الصحة مطأطئ الرأس، ضعيف المقاومة إزاء أعضائها، لا يسهل تفسيره خارج التأطير الجديد لمهمة اللجنة العلمية.

ومهما يكن من أمر، فإن ما يحدث الآن يقدم إضاءة –مهما كانت خافتة- على تغيير شامل في البنية الإدارية الموكل إليها تزكية اللقاحات المطلوبة. إن تحليلا بسيطا لتعليقات قدمها بشكل علني أعضاء باللجنة العلمية، يعزز الاعتقاد بوجود تعديل جذري في القناعات الأساسية بخصوص اللقاحات. بشكل أدق؛ فقد باتت الصورة كالتالي؛ أي لقاحات مصدرها أي مكان غير الصين، تستوجب الترحيب داخل البيروقراطية التي تشكلت حديثا. في حين أنه ينبغي أن تحيط الشكوك بأي علبة لقاح كتب خلفها «Made in china». لقد تحولت اللقاحات الصينية إلى مصدر للريبة على نحو مفاجئ، ويتعين إدراجها في رفوف المساطر البطيئة للحصول على التراخيص. سيعتريها النسيان هناك حتما، فيما يجري فحص والتأشير على ملفات اللقاحات الأخرى في وقت قياسي. من العسير القول إن الأمر لم يكن سوى مصادفات صنعها طريق العلم. لم يحط الديوان الملكي قبل دجنبر بأي من هذه الاحتمالات، بل منحوه ضمانات مسبقة بشأن اللقاحات الصينية، قبل أن يتفقوا.

بغض النظر عما يملكه العلماء المغاربة -الذين بالكاد نجحوا في تفكيك شيفرة الفيروس بعد وقت طويل من قيام علماء آخرين بذلك- من حواس الانبهار بالمركزية الغربية في الطب، فإن للناس الحق في التساؤل عما حدث بالضبط للقاحات الصين، حتى باتت هدفا وحيدا للبيروقراطية الحكومية باسم العلم. ومن حق الناس كذلك الحصول على أجوبة، خاصة أولئك الذين خضعوا طواعية للتجارب السريرية، فيما كان أعضاء من اللجنة العلمية يقفون فوق رؤوسهم وهم يحاولون تخفيف ذهولهم من «النتائج المشجعة» لتلك التجارب، أي الأشخاص أنفسهم الذين يعرقلون الآن أي طلبية للقاحات الصينية.

في المحصلة الأخيرة، فإن أهم ما فقدناه طيلة هذا المسير ليس شريكا محتملا مثل الصين، وإنما الثقة في السياسات المتخذة، وتبعا لذلك، في اللقاحات نفسها. هذه ليست لعبة، لكنها أصبحت كذلك. من الواضح، إذن، أن أفضل ما ستفعله السلطات الحكومية في غضون ذلك هو إقرار مزيد من القيود.. حتى على نفسها.