صلاح الوديع: لست ورقة محروقة.. هذه أسباب زيارتي للريف

صلاح الوديع صلاح الوديع

في هذا الحوار ، يتحدث صلاح الوديع، عن زيارته للريف، في مهمة استطلاعية رفقة ممثلين عن المجتمع المدني. العضو السابق بهيئة الإنصاف والمصالحة قال إنه لم يكن في مهمة للوساطة بالريف

أفضل أن يكون سؤالي بالدارجة : “آش داك للريف ” ؟ وهل ذهبت للبحث عن الإنصاف أم المصالحة؟

الريف ليس أمرا جديدا علي، زرت الريف على الأقل 25 مرة في حياتي قبل اليوم، في إطار هيئة الإنصاف و المصالحة، وعرفت ناس الريف و دخلت بيوتهم و أكلت طعامهم، و ذلك كي ألتقي مع الضحايا ومع الجمعيات الحقوقية. في الواقع ذهبت في إطار المبادرة المدنية من أجل الريف التي قامت بتشكيلها مجموعة من الجمعيات و الشخصيات الاعتبارية و يتكلم باسمها محمد النشناش. ذهبت لأساعد أولا في معرفة ما يجري عكس ما حاولت أن تروجه عدد من وسائل الإعلام المتهافتة كوننا ذهبنا بنية الوساطة وهذا شيء لم نفكر فيه أبدا بل ذهبنا برغبة التقصي و تمكنا من الجلوس مع عدد من النشطاء والنشيطات في “الحراك”، عفوا في الحركة المطلبية الاحتجاجية و كذلك مع عدد من المسؤولين و المنتخبين، لتكوين صورة دقيقة.

كنت قد اعتبرت أن التعبير عن الألم و إعادة إخراج ما خزنته الذاكرة، هو تعبير علاجي، هل كان يمكن أن تلعب احتجاجات الريف هذا الدور لو تم الإصغاء لصرخات الناس؟

أنا أقول أن هذا المفتاح لمن له إدراك و إحساس لما يجري في الريف، إذا كنت قد شاهدت فيلم وثائقي عن الريف 58-59 والذي كانت فيه مشاهد مؤلمة لناس كبار في السن يحكون عن الانتهاكات التي تعرضوا لها وهم أطفال و التي تركت في نفوسهم ندوبا و آثار سلبية جعلتهم يبكون أمام الكاميرا وهم في عمر بين 70 و 80 سنة. أضف إلى ذلك الكلمة التي تم توجيهها لهم من طرف  أعلى هرم في الدولة و هي “أوباش” إضافة للتهميش الذي عاشته المنطقة. كل هذا لا يكفي فيه فقط سياسات عمومية و التي هي ضرورية من أجل النهوض بالمنطقة، بل لا بد من مقاربة تهتم بهذا البعد المعنوي: إعادة الاعتبار و جبر الضرر الجماعي.

وهنا أشير للتحية الملكية لأسرة بن عبد الكريم الخطابي في السنوات الأولى من العهد الجديد و كان ربما الأمر يتطلب توسيع المبادرات من هذا النوع المعنوي بالنسبة للمنطقة التي تحمل جرحا. هذه المقاربة لرد الاعتبار حاولت هيئة الإنصاف والمصالحة القيام بها و قد نجحت في ذلك إلى حد معين، كان يجب استكماله فيما بعد. و كان ينبغي ألا تقتصر السياسيات العمومية على بعد إداري و مؤسساتي بارد، بل كان من الضروري الأخذ بعين الاعتبار البعد المعنوي، كي نقول لأهل الريف إنكم تعودون لحضن الوطن الذي كان قد همشكم إلى حد الجرح .

على ذكر الجرح هل ترى أن الدولة اختارت مرة أخرى أن تداوي جراح الريف بما كان هو الداء؟

هناك خطوات لها رمزية كبيرة مثلا المتحف الذي قررت هيئة الأنصاف والمصالحة إنشائه بالريف لعبد الكريم الخطابي و الذي لازال متعثرا للأسف و كان في نظري يجب الإسراع في تنفيذ هذا المتحف لأن عبد الكريم هو رجل المنطقة لكن أيضا مقاوم من أجل الوطن ، ومن شأن هذا المتحف أن يبعث رسالة للمصالحة التاريخية مع الريف بأكمله.

ما وقع في الريف يمكن أن يقع في أي مكان آخر بصيغته الاجتماعية والاقتصادية غير أنه ينتفي إلى هذا الحد أو ذاك عنصر الجرح، أحيلك على الرقم الأخير الذي أصدرته المندوبية السامية للتخطيط و الذي قال إن مليون و ستمائة ألف مغربي ما بين 14 سنة و 24 سنة يفتقدون لأي تعليم أو تأهيل مهني أو تكوين أو مستقبل، وهؤلاء فيهم عدد لابأس به في منطقة الريف وهم من يخرجون للتظاهر وهم يافعون.

هل ترى أن الريف يكتب ذاكرة ألم جماعية جديدة  مع موجة الاعتقالات و التدخلات الأمنية التي تعرفها المنطقة مؤخرا ؟

توصلت بأخبار سأتحرى فيها و إن كانت صحيحة فهي سلبية، وهي ظهور فرق ملثمة من الشباب تهاجم رجال الأمن وتمس بممتلكاته و منازلهم و سيارتهم. إذا صح هذا الأمر فإنه لا يمكن إلا أن يدان، والأخبار متواترة عن وقوعه في إمزورن ، في حين أن الدرس الديمقراطي الذي لا يجب المساس به هو بالضبط الطابع السلمي للحركة الاحتجاجية طوال شهور، وهذا لم تنتبه له الطبقة السياسية بكل أطيافها.

وهل انتبهت لمن كسر قاعدة التظاهر السلمي التي دامت شهور؟

هنا من الصعب علي أن أعطيك معطيات التقرير الذي سننجزه و الذي سننشره، و لكن ما يمكن أن يقال إنه من المؤسف أن يتم المساس بالسلمية، و من مس بها من أي جهة كان سواء من جهة السلطات أم من جهة المتظاهرين، هو في الواقع يعكر صفو الدرس الديمقراطي الذي ينبغي أن نتبناه جميعا .

الآن الكل يتحدث عن وجود مقاربة أمنية ، وصور التدخلات تتقاسمها شبكات التواصل الاجتماعي في الحين، هل لازلت تنتظر تحضير تقرير لمعرفة من يعكر صفو سلمية الحراك؟

هذا لا يمكن إلا أن يدان، مع التحفظ الضروري ، فلا يمكن تصديق كل ما يروج، لكن يبدو أنه وقع قمع لمظاهرة بإمزورن و لا يمكن بهذه الحالة إلا أن يتم شجب هذا السلوك و بدون تردد .

مع ما يقع في الريف من اعتقالات ؟ هل هناك من يصر على بقاء صفحة جراح الماضي  مفتوحة ؟

من الصعب أن نجزم حقيقة، لأن سنوات الرصاص شيء آخر، هي سياسة منهجية و مستمرة في الزمن و اتسمت بانتهاكات جسيمة بكل مكوناتها من اختفاء قسري و إعدام خارج القانون و من تعذيب و من احتجاز لسنوات طويلة في معتقلات غير نظامية إلى غير ذلك، أما ما يقع حاليا فيلزم بعض الوقت كي نحكم عليه هل هو حقيقة عودة أم ليست عودة لسنوات الانتهاكات الجسيمة، هذا علما أن الانتهاكات الجسيمة مفهوم، و انتهاكات حقوق الإنسان مفهوم آخر. الانتهاكات الجسيمة ظاهرة عرفتها دول عديدة وعرفها المغرب خلال 36 سنة، وهي لها خصوصيات، وهذا طبعا لا يعفينا من إدانة كل الانتهاكات الأخرى مقبلة أو محتملة الآن.

فيما يخص المبادرة ألم تشعر بالخجل أو بالإحراج من ردة فعل شباب الحراك، حين رفعوا في وجهكم شعار “لا للدكاكين، لا للدكاكين”؟

هذا خبر متهافت و كاذب، علما أنه لا أحد منا صرح أننا في وساطة أو أن المبادرة يقودها صلاح الوديع، و لم يتم الانتباه أنه جلسنا أولا مع عدد من نشطاء الحركة المطلبية و الاحتجاجية و حين يحين الوقت سنذكر أسمائهم إن اختاروا ذلك،  وبأنه باقتراح منهم ذهبنا للتظاهرة و بأنه لم نسعى نهائيا للاتصال بأحد وإنما كان غرضنا رصد التظاهرة ، ولم يتم الانتباه بأنه في التظاهرة أتى عندي شخص سأكتب عنه مقالا خاص قال لي إذا أردتم إيصال شي فقولوا أننا مغاربة و نشعر بمغربيتنا و لكن دعونا نعبر عنها كما نريد. وكان يجب من أخلاقيات المهنة أن يتم توضيح كل هذا.

هناك من يرى أن وساطتك غير مجدية، وبأنك صرت ورقة محروقة ؟

أنا أفعل ما يمليه علي ضميري وورقة محروقة أوغير محروقة.. لهم أن يستعملوا المعجم الذي يشاءون، لا مشكل لدي.

سيد صلاح هذا الكلام ليس من فراغ فأنت تتحدث دائما عن الذاكرة،  وللناس ذاكرة و في سجل ذاكرتهم الجديدة الوعود التي قدمتها للأساتذة المتدربين من خلال دور الوساطة الذي لعبت فيه دورا بارزا، لم يتم توظيف الفوج كاملا كما تعهدت لهم و أضربوا عن الطعام في رمضان و لم نسمع لك صوت و لم تندد بمخالفة لفتيت لوعوده ؟ هل لعبت دور الإطفائي؟

الآن ستسمعينني جيدا، أولا أنا التحقت بمبادرة مساندة الأساتذة المتدربين ليس بمبادرة مني ، بل باقتراح من الأستاذ عبد الرحيم العلام، و قبلت الاقتراح.  ثانيا خلال التفاوض والذي لعبت فيه دورا إيجابيا في نظري، و في الساعات الطويلة من الحوار والمفاوضات التي كانت مع المسؤولين و أحيانا ألتحق فقط بالأساتذة كي نتناقش، الصيغة التي كانت أنذاك وهي أنه التقسيم إلى فوجين جعل عن حق الأساتذة  يتوجسون من أن يتم التخلي عن البقية، و كانوا يقولون الفوج كاملا يجتاز المباراة وكنا ندعمهم في ذلك.

و في تلك الحوارت التي كنا نجريها بين الفريق المفاوض و بين الأساتذة ، أحد الأساتذة  قال أعتقد في الثالثة أو الرابعة صباحا: “أنه يجب أن يكون واضحا بأن نجاح الفوج كاملا يعني ألا يتخلف أحد”، فنهضت و قلت له “دابا اللي نطولوه نقصروه”، نجاح الفوج كاملا على أساس الاستحقاق يا أخي، وأنأ أدعوك أن تسألي في هذا، وهم يتذكرون هذا و قلت لهم  كذلك خلال جلسة الحوار الموسعة مع الفتيت و أطر وزارة التربية الوطنية: إذا كنتم تريدون مني أن ينجح أيضا من  ليس لهم استحقاق ، اسمحوا لي فسأنسحب من هذه المبادرة المدنية ووقفت،  فقالوا لي ” لا ليس هذا ما نعنيه ابق معنا”،  ويمكن أن تسألي.

بمصاريفي الخاصة و بهاتفي مع محدودية إمكانياتي، كنت أبقى معهم ساعات طوال على حساب صحتي، و كنت أحاول أن أساندهم،  وهكذا تم الاتفاق في الجلسة الأخيرة التي دامت حتى الثامنة صباحا. وقد تبرأنا بعد النتائج من كل تصرف أو تدبير على أساس غير مهني أو على أساس غير الاستحقاق و نطالب بالكشف عن النقط. و هذا التوضيح كاف للقول إن الأوراق المحروقة ليست هي الأوراق المحروقة . أنا أقول من منبركم هذا إذا كان هناك أحد في التنسيقية يمكن أن يكذب ما قلت، فأنا مستعد أن أسمعه.

أنا أنقل ما يروج في الرأي العام، و ما يروج أيضا أن وضعيتك أو علاقتك بحزب الأًصالة و المعاصرة ملتبسة، هناك من يقول إنك داخل الحزب وخارجه، هل هذا أسلوب للحفاظ على العلاقة مع الجميع ؟

لا يا سيدتي، في  علاقتي بالبام سبق لي أن كنت من أول المنتقدين للبام و أنا من الداعين إلى المؤتمر الاستثنائي و سبق لي أن قدمت استقالتي المكتوبة إلى الأمين العام آنذاك وقلت له لك أن تختار متى ستعلنها و هي لازالت مكتوبة عندي ، وعبرت على أني أبتعد من الحزب،  وقبل ذلك سبق لي في أبريل 2011 أن نشرت على الملأ نقدا ذاتيا و نقدا للحزب، لأنه بالنسبة لي في اللحظات الحساسة لا يمكن أن نصمت على ما نعتبره الحقيقة و كذلك كان، غداة المؤتمر قدمت استقالتي. و أنا أرى في هذا الأمر شيئا إيجابيا وهو أنهم يهتمون بمساري شكرا لهم. و هنا أتذكر حكمة تقول ” ليس المهم أن يقال عنك السيء أو الجيد المهم إذا ما استمر الحديث فذلك لأنك تزعج البعض وتحلو للآخرين”، فإذا أزعجت البعض “الله يكون فعونهم” و إذا كان البعض يعتبرونني إيجابيا أشكرهم على ثقتهم.

عبر عن رأيك

النص
المرجو إدخال الإسم و البريد الإلكتروني

التعليقات الواردة من القراء تعبر عن آرائهم فقط، دون تحمل أي مسؤولية من قبل موقع "اليوم24" الالكتروني