حمودي: الأزمة الحالية تبعد المغرب عن أمل الديمقراطية

عبد الله حمودي عبد الله حمودي

 

في هذا الحوار مع « اليوم 24»، يقف عبد الله حمودي، الأنتربولوجي والأستاذ الجامعي بجامعة برنستون الأمريكية، على مفهوم الأزمة السياسية، وما إن كانت تتوفر في الأزمة الحالية مقومات للتقدم نحو وضع أفضل ديمقراطيا أو مقومات للتراجع، كما اعتبر أن زمن اختلاق الأحزاب قد ولى، وأن القطاع الخاص، رغم تقدمه، لا يخلو من عاهات، في ظل وجود أسواق يحتكرها ذوو الامتيازات، وأكد أن مظاهر القمع والاعتقالات واستشهاد بعض الشباب في الريف حدثت في ظل الحكومة الحالية.

 

في السياق الذي تعيشه البلاد حاليا، كيف تنظر إلى دور حكومة العثماني وكذا حصيلتها؟

أولا، يجب النظر إلى الظروف التي تشكلت فيها الحكومة، وهي ليست ظروفا صحية. ثانيا، الحكم على الحكومة يجب أن يكون من زاوية ماذا أنجزت. ولا يمكن أن أحكم على حكومة في ظرف مائة يوم، وأنا لا أومن بمسألة المائة يوم المعمول بها في الولايات المتحدة وفي بعض بلدان أوروبا. أنا أرى أنها وسيلة للضغط السيكولوجي من أجل مزيد من الأداء، وهو أمر فيه إيجابيا. فالعثماني «يالاه ولف المكتب ديالو»، ولا يمكن أن أحكم عليه، وبالطبع هناك وزراء استأنسوا بمكاتبهم حتى إنهم لا يطيقون الخروج منها. ثالثا، يمكنني أن أحكم على ما يحدث في البلاد في ظل هذه الحكومة، حيث جرت موجة قمع في الشمال واعتقالات واستشهد بعض الشباب، وهي أشياء كنّا نظن أنها اختفت بعد هيئة الإنصاف والمصالحة. أقول إن الاعتقالات والأحكام القاسية والمس بحقوق أساسية، كالحق في التظاهر، تجري في ظل هذه الحكومة.

 

 في رسالتك الأخيرة التضامنية مع معتقلي حراك الريف ومواطني ومواطنات الحسيمة، قلت إن «الماضي المجيد» للمنطقة يحق لجميع المغاربة الافتخار به، ولا يجب التخوف منه. هل الخوف من الماضي والمستقبل جزء من الأزمة؟

السؤال يحتمل وجهين، يمكن أن يكون هناك سوء تعبير من خلال الرموز المرفوعة في التظاهرات كالأعلام، وقد يكون هناك قدر من انعدام الوضوح في بعض شعارات المظاهرات، وغياب العلم الوطني مثلا. هذا يمكن أن يكون من العوامل التي تجعل بعض الناس يتحفظون أو يتخوفون. العامل الثاني هو أن هناك رؤية مبنية على الكفاح من أجل الوطن، والكفاح من أجل استقلال المغرب وضمنه الصحراء، وهناك رواية تطغى على الروايات الأخرى وهي رواية حزب الاستقلال والقوى الأخرى التي ناضلت في سبيل تحقيق الاستقلال، لكن هذه الرواية تهمش روايات أخرى، منها أن المقاومة ضد الاستعمار الإسباني والفرنسي قامت في الريف، وبالخصوص في نواحي الحسيمة أولا. طبعا كانت هناك مقاومات أخرى في أنحاء البلاد منذ أن دخلت القوات الفرنسية البلاد في أوائل القرن الماضي، لكن الحرب من أجل تحرير البلاد كلها كانت قد قامت في الشمال بقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي. لذلك، أظن أن بعض التخوف يأتي من الأوساط التي دأبت على تبني الرواية الأولى التي تتمثل، بتلخيص شديد، في أن المقاومات انتهت كلها قبل تشكل النواة التي سينبثق منها حزب الاستقلال. إلا أنه وإن كانت الحرب بقيادة عبد الكريم الخطابي قد انتهت، كما انتهت المقاومة في الجنوب وفي جبال صاغرو من طرف قبائل آيت عطا، فذلك لا يعني تهميش الرصيد المقاوم في الريف، وتهميش الاستمرارية ما بين تلك المقاومات والكتلة الوطنية الجديدة، وأنا أقول إنها امتداد، لكن هناك مشكلا عويصا هو أنه في مرحلة ما، كان قادة حرب الريف يرفضون الاستعمار والحماية، في ظرف كانت فيه النخب الحاكمة قد استسلمت.

 

 في نظرك، هل يمكن أن نقول إن المغرب يعيش أزمة سياسية؟

يجب أن نحدد أولا ما المقصود بالأزمة؟ فالأزمة يمكن أن نتناولها بمقاربتين:

– الأولى أن نقوم باستحضار مؤشرات عن مظاهر الأزمة وتجلياتها الخارجية بالمفهوم الشائع، أي كما تبدو للمواطن والملاحظ العادي. فمثلا، عندما نقول إن هناك أزمة ماء أو موارد أخرى، فهي تعبر عن الفرق بين ما هو متوفر وما هو مطلوب لتلبية الحاجيات العامة للجماعة المعنية، وحينما يكون هناك خصاص، فنحن نسميه أزمة. هذه الأزمة يمكن أن يشعر بها المتابع للشأن العام، لكن، في الغالب، الناس لا يشعرون بها. فالمغرب، مثلا، عرف مجاعات، لكن الناس لم يفسروها بمفهوم الأزمة السياسية أو الاجتماعية، ولدينا أزمات كبيرة وقديمة، كأزمة الفقر وأزمة التعليم، ورغم ذلك لا أظن أن الشعب يشعر بذلك ويقول إننا في أزمة.

المقاربة الثانية للأزمة تتجلى في الشعور العام بأن الوضعية وصلت إلى حد لا بد فيه من تغيير تركيبة الواقع المأزوم، أي العوامل الأساسية المتسببة في الأزمة. من هذا المنظور الثاني أقول إن هناك مؤشرات وتفاعلات تعبر عن تنامي أزمة حقيقية، لأن هناك تناقضات، وهناك أعداد كبيرة من الشباب لديهم شعور بالأزمة، ولديهم إدراك ووعي بكونها أزمة، ويُنَظّرون لآفاق حلها. فحين تكون هناك مظاهرات، وينادي الناس بإسقاط الاستبداد، فهم يعبرون عن إدراكهم لعمق الأزمة ومسبباتها، أي الاستبداد والسلطوية، وحينما يخرجون للاحتجاج مطالبين بالتشغيل، فهم يلقون بالمسؤولية على النسق الاقتصادي-الاجتماعي، وبذلك فهم يعطون تنظيرا لذلك الخصاص بأنه أزمة، وهذا هو الفرق بين المقاربتين الأولى والثانية. فلا يمكن، إذن، أن نقول إن هناك أزمة إلا بهذا الشرط. وانطلاقا من المقاربة الثانية، يبدو لي أن هناك شعورا بالأزمة طال شرائح من الشباب والنساء وفئات أخرى، فإلى أي مستوى من الحدة يجب أن تبلغه الأزمة لتتكون كتل ضاغطة تفرض الخروج من الأزمة، سواء بالتغيير السلمي أو بوسائل أخرى؟ هذا هو السؤال اليوم.

هناك مستويات متداخلة يشوبها قدر من الالتباس، فمثلا هناك من يقول إن الأزمة سياسية مرتبطة أساسا بالفوز الانتخابي الأخير للبيجيدي، والعقبات التي وُضعت أمامه لتشكيل الحكومة، وهناك من يتحدث عن أزمة النفق المسدود في ما يخص دمقرطة البلاد، والناتجة عن ممارسات الدولة، وهذا أيضا مستوى من الأزمة قد يطول أمده، فقد مرت عشرون سنة على حديث الحسن الثاني عن السكتة القلبية التي تهدد البلاد، ومازلنا إلى اليوم «نعالج الأزمة»، وهناك من يتحدث عن أزمة التطبيب، وأزمة التعليم، وأزمات في مجالات التنمية والحياة الاجتماعية والاقتصادية التي تعرف خصاصا لم يتم إيجاد الحل الأنجع لتجاوزه.

 

 انتهاء مما قلته، هل يمكن أن تلعب الأزمة حافزا للتقدم نحو وضع أفضل؟

طبعا. 

 

وهل تتوفر في سياقنا السياسي الحالي مقومات يمكن أن تجعل من الأزمة حافزا للتغيير الإيجابي لصالح الديمقراطية؟

لا أظن أنه في الوقت الراهن هناك مقومات لكي تكون الأزمة فرصة للمرور نحو وضع أحسن في ما يخص الديمقراطية وحقوق الشعب المغربي في الشغل والكرامة والحرية والمساواة. 

 

 ما السبب في ذلك؟

السبب  هو أن النخب الحاكمة ورجال ونساء السلطة على العموم، ورجال ونساء المؤسسة الملكية اعوا النظر إلى الأزمة وكأنها شيء سلبي، فيتجهون إلى استهداف الأشخاص والفاعلين السياسيين الذين يعتبرون أنهم يثيرون القلاقل والأزمات، فتكون المقاربة الأمنية هي الحل كالمعتاد. أنا لا أقول إن هذا الوضع مؤسساتي ولا أتهم الأشخاص، ولكن الظاهر هو أنه لو كانت عندهم رؤية للأزمة كفرصة للتغيير الهادف والإيجابي، فإن ذلك كان سيظهر من خلال خلق المشاريع الكفيلة بتجاوزها.

 هذا الموقف، هل هناك في سياقنا السياسي مقومات للنكوص؟

هناك مؤشرات واضحة للنكوص. المؤشر الأول يتجلى في تفاعل الإدارة والدولة مع مطالب المواطنين في الحسيمة والمدن الأخرى، حيث أرى أنه بالإمكان حتى اليوم الخروج الإيجابي من هذه الأزمة، وإذا حصل هذا، فإن الأزمة ستكون فرصة للمرور إلى ما هو أحسن. وكما أشرت إلى ذلك سابقا، فحراك الريف هو من ضمن حركيات في البلاد تؤشر على الأزمة بالمعنى الثاني الذي تحدثت عنه (أي حينما يكون هناك خصاص وتناقضات، ويصل الناس إلى قناعة بأن هناك أزمة وأنه لا بد من التغيير)، أي ما أسميته الأزمة البنيوية

اختلاق الأحزاب ولى زمنه

 ماذا تعني لك استقالة إلياس العماري من رئاسة حزب الأصالة والمعاصرة؟

أي أزمة تعري أشياء ربما يحاول أصحاب المصالح إخفاءها. وقد أثبتت الأزمة الحالية أن اختلاق الأحزاب ولى زمنه. ثانيا، أثبتت أن اعتبار الأحزاب فقط أدوات لخدمة سياسة الدولة واستقطاب نخبها، له عواقب، أبرزها الهشاشة التي أصابت الأحزاب، وانعدام الوساطة بين الدولة والشعب.

إن أزمة الأحزاب ناتجة عن سياسة الدولة والتدخل في أمورها، والإدارة لم تأت من السماء، فهي أيضا نتيجة سياسات ومساطر ومظاهر للرشوة والمحسوبية يعرفها الخاص والعام.

 

 على ذكر القطاع الخاص، يبدو أنه غير مشمول بواقع الأزمة كما عبر عنها الخطاب الرسمي؟

لا أحد يجادل في أن القطاع الخاص حقق نتائج إيجابية في ميادين مهمة؛ أولا، تحديث الفلاحة، بما فيها قطاع المواد الغذائية الذي يجلب العملة الصعبة من خلال الصادرات. ثانيا، هناك تقدم ملحوظ في صناعة المعادن وخاصة الفوسفاط. ثالثا، قوة الأبناك. رابعا، تقدم النقل والبنيات التحتية بما في ذلك السكك والطرق السيارة والموانئ العصرية. وطبعا هناك ميادين أخرى كصناعة السيارات والسياحة. كل هذه الميادين شهدت تطورا، ومع هذا كله، فإن الإشادة بالقطاع الخاص بالمقارنة مع القطاع العام والأحزاب لا تبدو مقنعة بالنظر إلى عاهات القطاع الخاص نفسه، ومن تلك العاهات عجزه في ميدان تشغيل الشباب، وبطؤه في ما يخص التراكم العلمي والتقني، حيث مازلنا نستثمر ما اخترعه الآخرون أساسا، كما أن الكثير من القطاعات في كثير من ميادين الإنتاج في القطاع الخاص تستفيد من وضعيات شبه احتكارية في سوق حبيسة لذوي الامتيازات؛ فهناك من له الامتياز في استيراد «ياماها» بدراجاتها ومحركات بواخرها، وهناك من له امتيازات في استيراد الشاي وغيره، وهناك من له امتياز استقطاب «ماكدونالد»، وهناك من له الامتياز في استيراد قطع غيار السيارات، وهناك من له الامتياز في المأذونيات… وهذا يسمى الاستفادة من أسواق محتكرة، تدل الأثمان المتداولة فيها على الشره الكبير. 

ففساد بعض أكباش عيد الأضحى هذه السنة، مثلا، مصدره القطاع الخاص الذي يسمن خرفان العيد بمواد مشبوهة وغير صحية في ظرف شهرين أو ثلاثة قبل العيد، فلا يمكن اليوم سوى أن نتخوف من صناعات تربية المواشي والدواجن، التي يحتكرها القطاع الخاص.

عبر عن رأيك

النص
المرجو إدخال الإسم و البريد الإلكتروني

التعليقات الواردة من القراء تعبر عن آرائهم فقط، دون تحمل أي مسؤولية من قبل موقع "اليوم24" الالكتروني