شباط في الميزان..

شباط في الميزان..

قياسا بحركات وأحزاب أخرى، عرف حزب الاستقلال، في معظم مراحل تاريخه السياسي، كيف يحافظ على علاقات هادئة ومستقرة نسبيا مع المخزن. علاقات تقودها عائلات ونخب ومصاهرات متشعبة. عائلات سياسية كثير منها منتشر في دوائر النفوذ الدبلوماسي والثقافي والمالي والاقتصادي والرياضي للمملكة. نخب تفهم مزاج السلطة وتفهم الدولة بدورها طموحها.

حين تم انتخاب حميد شباط أمينا عاما لحزب الاستقلال في شتنبر 2012، كان التأويل الغالب يقول إن تلك الوجوه والعائلات الاستقلالية التي ورثت “سر الطريقة” من أسلافها، طريقة تبادل الإشارات مع السلطة، تواطأت مع هذه الأخيرة لإمالة كفة “الميزان” لصالح رجل لم يكن يوما من قاع فاس. ورغم أنه ليس من ذلك القاع، فقد نجح في قيادة العاصمة العلمية للمملكة (انتخب عمدة في 2003). نقابي تدّرج في سلم الحزب لأسباب لا علاقة لها بشجرة الأنساب السياسية، وبدورها دعمته هذه العائلات لأسباب لا علاقة لها بسجلاته النضالية.

يوم قرر الترشح للأمانة العامة للحزب في 2012 خرج شباط ليقول لمن ينكر عليه قراره “علال الفاسي أب لكل الاستقلاليين.. وأنا من أبناء علال الفاسي أيضا”. لكن السلطة ومن يدور في فلكها من قادة الحزب لم يدعموا شباط لأن خيمة سيدي علّال تتسع للجميع، وإنما خوفا من أن تبتلع خيمة بنكيران الجميع. شباط كان ظاهرة صوتية مطلوب منها منافسة ظاهرة خطابية. كان واضحا أن الشعبية التي بات يتمتع بها بنكيران ستصرّف أصواتا ومقاعد في المحطات الانتخابية المتلاحقة، وكان الرهان على شباط ليخفض سعر الصرّف. لم ينجح الرهان ومرت السلطة إلى خطط بديلة، وفي واحدة منها كان مطلوب من شباط، الذي وقف من قبل مع السلطة في معركتها ضد بنكيران، أن يواصل “موقفه” ودوره ويعجّل بانقلاب ناعم على العدالة والتنمية بعد تصدر هذا الأخير نتائج انتخابات 7 أكتوبر. مفاجأة درامية (coup de théâtre): شباط يرفض صادما عرّابيه. في الغالب بسبب حسابات مصالح، وإن حاول الأمين العام لحزب الاستقلال تصوير الأمر على أنه نتاج صحوة ضمير أو ضدا في التحكم واحتراما لصناديق الاقتراع.

من حينها والحرب مستعرة بين الأمين العام “المتمرّد” والجهات التي عبّدت له الطريق لقيادة الحزب. واقعة “الصحون الطائرة”، التي صارت عنوان المؤتمر السابع عشر للحزب، ليست إلا تجليّا آخر لتلك الحرب. في افتتاح هذا المؤتمر، ركز شباط على أخذ صور مع بنكيران، محاولا استعارة الأفكار التي يدافع عنها الأمين العام للمصباح، وإسقاط ثنائيات بنكيران على البيت الاستقلالي: مرشح الاستقلالية (استقلالية القرار الحزبي) مقابل مرشح التحكم. هل الأحزاب اليوم تؤمن بهذه الثنائية؟ وإن فعلت هل تعبأ بها؟ ثم من يصدق أن شباط هو من سيعيد للحزب استقلاليته؟ أو نزار بركة هو من سيسلبها منه من جديد؟ شباط لم يقدم الشيء الكثير للحزب، ظل منشغلا بعربة حزب منافس طيلة سنوات، وفي الأمتار الأخيرة فقط، انتبه إلى تهالك عربة الحزب الذي يقوده. اللحظة الوحيدة التي تبقى قوية نسبيا في مشواره المثير للجدل، هي موقفه مما يسميه البعض بـ”مؤامرة” الثامن من أكتوبر 2016..

 

عبر عن رأيك

النص
المرجو إدخال الإسم و البريد الإلكتروني

التعليقات الواردة من القراء تعبر عن آرائهم فقط، دون تحمل أي مسؤولية من قبل موقع "اليوم24" الالكتروني