بندحمان: المغاربة يريدون رؤية المشهد الحقيقي

مواطنون مغاربة مواطنون مغاربة

قال الدكتور جمال بندحمان، المغاربة يريدون رؤية المشهد الحقيقي ورؤية اللوحة.

 فتحت عبارة «الزلزال السياسي» المتضمنة في الخطاب الملكي الأخير الباب واسعا أمام التأويلات، كيف تقرؤون أنتم دلالاتها؟

يمكن تحليل هذه العبارة من عدة زوايا، أولاها أن كلمة زلزال ذات ارتباط بصفات التدمير والفجائية في مرحلة أولى، وضرورة إعادة البناء في مرحلة ثانية. فالزلازل لا يُعلم بأوانه أو المسارات التي سيمر منها. وإذا نحن أسقطنا هذه الصفات الطبيعية للزلازل على السياسة، نكون أمام تعبير مجازيّ من حيث الشكل، لكنه ليس كذلك من حيث المحتوى، بالمعنى الذي يجعل ثلاثية التدمير والفجائية وإعادة البناء حاضرة، مع الوعي بأن التدمير العمراني لا يقارن بما له صلة بالبشر، وبما يسمح لهم بإنتاج المعنى، سواء تعلق الأمر بالأفراد أم بالمؤسسات.

أما الفجائية فإنها تمثل أحيانا قوة الموقف السياسي رغم أنها قد تخلق حالة من الانتظارية التي تعطل الأذهان والأفعال، وأما إعادة البناء فإنها تطرح مشكل الكلفة بمستوياتها المختلفة؛ ومنها الكلفة الزمنية التي لها قيمة كبرى في الممارسة السياسية، ناهيك عن الكلفة النفسية والاجتماعية والاقتصادية. ومن هذا المنطلق يبدو أن الدلالات التي يمكن التفكير فيها، ولا أقول حسمها، هي أن عبارة الزلزال السياسي تعني الاستعداد لكل الاختيارات الممكنة، وأن زمن الدعوة إلى الاستماع، فقط، انتهى، وأن مساحة ما يمكن القيام به واسعة، وأن مستوى تشخيص الاختلالات قد بلغ التخمة سواء بالنسبة إلى النموذج التنموي أو الحكامة والجهوية والشباب والعدالة المجالية وأدوار مختلف المؤسسات، وأن الانتقال سيتم من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل، أي من المبادئ الدستورية إلى تفعيلها، مع ما يقتضيه ذلك من تحديد للمسؤوليات وربطها بالمحاسبة. وهنا لا بد من الإشارة إلى أننا أمام إنتاج مفاهيم جديدة؛ فعبارات الزلزال السياسي والنموذج التنموي الجديد والسياسة المندمجة للشباب والقطيعة السياسية… مفاهيم تقوم بوظيفة التعبئة في صورة جديدة؛ أي إنها تخدم في جميع الأحوال استراتيجية جديدة للتعبئة المجتمعية بغض النظر عن نتائجها.

ما هي في نظركم مآلات هذا التشخيص الحاد الذي هم الإدارة والأحزاب والمؤسسات؟

يصعب الحديث عن المآلات باللغة اليقينية، لذلك، يمكن التكلم عن احتمالات أو سيناريوهات ممكنة تبنى على بعض الإشارات الدالة، سواء في صورة خطب أو مواقف، علما أن السياسة إشارات. هكذا يبدو أن الخطاب النقدي يعني عدم الرضا عن الممارسات، مقابل الإقرار بالمجهودات في قطاعات معينة. وإذا نحن ساءلنا المعرفة المشتركة؛ أي عموم المواطنين، سنجد عندهم حلولا بسيطة لكنها مهمة، فالإدارة تحتاج إلى تليين مفاصلها مع ما يقتضيه ذلك من تغيير العقليات، وإلزامها بالانضباط لروح القوانين، واحترام كرامة المواطنين وسرعة الإنجاز، وتفعيل العدالة المجالية… والمؤسسات مطالبة بالقيام بأدوارها الدستورية، وأن تعطي الانطباع بجديتها، والأحزاب ملزمة بالقيام بتغيير فلكي، مع الإصرار على استقلالية قرارها الداخلي، وجعل الحزب مشتلا لإنتاج الأفكار والأطر والمترافعين في قضايا الشأن العام، فسلامة الديمقراطية رهينة بمدى قوة الأحزاب، إذ إن الديمقراطية هي ديمقراطية الأحزاب… هذا من حيث المطلب.

 وهل ترجحون حدوث تعديل حكومي بعد خطاب الملك؟

من حيث ما يمكن أن يقع، سبق أن قلت جوابا عن سؤالكم الأول إن مساحة الممكن أصبحت واسعة، وإن الانتظار يمكن أن يذهب من النقيض إلى النقيض، وعلينا انتظاره لأنه حاصل لا محالة. وأما التعديل الحكومي، فلن يكون بالشيء الجديد، لأنه قاعدة نمطية في تاريخ الحكومات المغربية، وحصوله لن يجدي نفعا، وأعتقد أن قوة الخطاب الملكي تتجاوز هذا المستوى التقني، لأنه يؤشر على تغييرات بنيوية وهيكلية.

كيف تقيمون تعامل النخب والمؤسسات مع دعوات الملك الإصلاحية؟

دعنا نحدد أولا مفهوم النخب قبل أن ننتقل إلى المؤسسات، فمفهوم النحب عندنا غير واضح، فإذا كان المقصود به هم المثقفون، اسمح لي أن أقول إنهم شبه مستقلين، وأكثر انجذابا إلى تحقيق الأحلام الشخصية، وأن الأغلبية منهم تتهرب من إعلان الموقف لأنها تعرف أن للموقف ثمنا، ومنها من يزين ما لا يزين، وقلة قليلة تجعل الشأن العام في صلب اهتمامها فتعبر عن مواقفها، وضمن هذه القلة من فضل التعامل مع ما سميته دعوات الملك الإصلاحية وفق مقاربة حقوقية تحيل على الفصول الدستورية والصلاحيات، في حين أن الموقف في عمقه سياسي يتطلب تحليلا من هذه الزاوية؛ أي من زاوية انعكاس ما سيحدث على راهن المغرب ومستقبله.

الفئة الثانية من هذه النخب يمثلها صناع الرأي العام، أقصد الإعلاميين والإعلام؛ فالرسمي منه لا يرفع مستوى النقاش إلى الحد الذي يجعله مؤثرا ومعبرا عن موقف، لذلك، فإن تعامله مع الدعوات الإصلاحية يأتي في باب الشرح والوصف والتذكير من أجل الترسيخ، وبعضه الآخر يخلط بين مهمة الإعلامي والموقف السياسي المسبق، فهو إما مشكك أو رافض.

إذا انتقلنا إلى المؤسسات، التي هي جزء ممن وجه إليه الخطاب، أمكننا تقسيم المواقف إلى:

– المواقف المتفائلة التي نمثل لها بتلك الآراء التي اعتبرت أن عبارة الزلزال السياسي لا تعني الحكومة، لأن هذه الحكومة، في نظرها، تسعى إلى القيام بمهامها على أكمل وجه… وهو وصف مستغرب إذا ما استحضرنا السياق الذي ورد فيه خطاب الملك.

– المواقف المتفاعلة التي نمثل لها بموقف التبني التام لمحتوى الخطاب الملكي من خلال الدعوة إلى إحداث «زلزال سياسي ومؤسساتي»، مع الرفع من وتيرة العمل، وتحمل جميع المكونات مسؤولياتها.

المقارنة بين الموقفين تبين أن ما يهيمن على خطابيهما هو الرغبات والنوايا والعبارات العامة، إن لم نقل الحيرة في التعامل مع مضمون الخطاب الملكي، لأن الكل يعلم أن التحديات التي يواجهها المغرب كبيرة جدا، وأن زمن رسم الآفاق الوردية لم يعد مجديا، لأن المواطنين بحاجة إلى رؤية المشهد الحقيقي عوض رؤية اللوحة.

 

loading...

عبر عن رأيك

النص
المرجو إدخال الإسم و البريد الإلكتروني

التعليقات الواردة من القراء تعبر عن آرائهم فقط، دون تحمل أي مسؤولية من قبل موقع "اليوم24" الالكتروني