العدناني: أمريكا مارست نوعا من “الحماية” على المغرب

قال  الأستاذ الجامعي والمؤرخ الجيلالي العدناني، إن أمريكا مارست نوعا من “الحماية” على المغرب.

اعتُبر 18 نونبر عيدا للاستقلال لدلالاته التاريخية والرمزية، لكن هناك محطات تاريخية متعددة في مسار هذا الاستقلال، ما هو التاريخ الذي يمكن اعتباره لحظة استقلال رسمي للمغرب؟

يمكن القول إن لحظات استقلال المغرب تجد جذورها في المعاهدات السابقة على الحماية نفسها، التي تضمن للمغرب وحدته الترابية ونظامه السياسي. ويمكن المرور عبر محطات أخرى نذكر منها إحياء عيد العرش سنة 1933 أو خطاب طنجة سنة 1947، الذي أكد على وحدة المغرب والدفاع عن مشروع الاستقلال. كما يجب التعريج على محطة شذ الحبل بين سلطات الحماية والسلطان محمد بن يوسف، الذي رفض فيما بين 1947 و1953 التوقيع على ظهائر تسعى إلى تقاسم السلطات بين المغاربة والفرنسيين من خلال مؤسسات منتخبة. وهو ما سيدفع سلطات الحماية إلى نفي السلطان في اتجاه مدغشقر في 20 غشت 1953.

ويمكن القول إن رفض سياسة التماهي مع السياسة الفرنسية، هو نوع من الإعلان عن مرحلة مقبلة سوف سيكون الاستقلال أحد شعاراتها، خاصة أن نفي السلطان سيدفع بالبادية المغربية إلى اللحاق بالحركة الوطنية، وهو أهم تحول عرفه التاريخ المغربي، وظل يشكل إحدى الحلقات الضعيفة في الكتابة التاريخية.

كيف أصبح تاريخ 18 نونبر عيدا للاستقلال رسميا؟

بمقدور المتتبع للأحداث أن يعيد قراءتها من خلال الصور والوثائق، خاصة خلال عودة السلطان للمغرب يوم 16 نونبر 1955، حيث تجمع أكثر من 200 ألف مغربي، وحظي باستقبال نظم من طرف كل القوى السياسية، بما فيها تلك التي ستشكل المعارضة في المستقبل. وما يمكن الوقوف عنده في هذا الباب هو خطاب السلطان يوم 18 نونبر، مباشرة بعد صلاة الجمعة في مسجد حسان، والذي يتزامن مع تاريخ وصوله إلى العرش، وهو ما يعني على أن الاستقلال كان مرادفا للبيعة ولعودة السلطان في زمن انتهى فيه عهد الحجر والحماية. لهذا، فإن الاستقلال في بعده الروحي والرمزي والسياسي هو الذي أعلن عنه يوم 18 نونبر 1955، بينما التاريخ الرسمي والقانوني يشير إلى تاريخ 2 مارس 1956، أي ذلك التي تشهد عليه الاتفاقية المبرمة مع فرنسا، والتي تعلن رسميا نهاية نظام الحماية. ويجب أن نذكر بأن استقلال المغرب ستتلوه محطات أخرى، خاصة بعد إنهاء “الحماية الإسبانية” بالمنطقة الخليفية في 7 أبريل 1956، وكذا بعد استعادة طرفاية سنة 1958، وسيدي إفني سنة 1969 والأقاليم الجنوبية سنة 1975.

هل أكمل التاريخ عملية البوح بجميع أسرار تلك المرحلة من تاريخ المغرب أم إن مناطق ظل مازالت تكتنفها؟

كما أشرت إلى ذلك، فهناك مناطق ظل لازالت تخيم على كتابة التاريخ السياسي، خاصة خلال المرحلة الانتقالية التي تلت عودة السلطان محمد بن يوسف، وكذا مفاوضات إكس- ليبان، والتي يسميها البعض بجلسات الاستماع أو ما يخص تاريخ البادية التي لعبت أدوارا سياسية كبرى، في إعادة التوازن للحقل السياسي ومكنت المغرب من التقدم وفق مسار، ربما، تحددت معالمه قبل الحماية نفسها. كما يمكن القول إن قضايا لازالت لم تعالج، وخاصة ما يتعلق بالدور الذي لعبته شخصيات وزعامات سياسية مغربية قبل التوقيع على معاهدة لاسيل سان- كلو في 8 نونبر 1955. ويمكن أن نذكر، كذلك، مسألة الحزب الواحد وظروف وملابسات تشكيل أول حكومة في عهد الاستقلال برئاسة مبارك البكاي.

وقوع المغرب تحت الحماية كان نتيجة توافق بين القوى الدولية التي تقاسمت النفوذ فيه؛ فهل كان لاستقلال المغرب وجه مماثل يرتبط بتحولات وتوازنات دولية؟

بالفعل خضع المغرب لضغوطات أوروبية قوية توجت بمعاهدتي مدريد سنة 1881، ومعاهدة الجزيرة الخضراء سنة 1906، وهي المعاهدات التي ستضمن لفرنسا ولو مؤقتا أحقية احتلال المغرب، خاصة بعد إقصاء ألمانيا من خلال معاهدة نونبر 1911. ومع ذلك، ستخضع فرنسا لاتفاقاتها السرية مع إسبانيا لمنحها مناطق نفوذ في الشمال، وكذا بالمناطق الجنوبية مع الإشارة أن مناطق النفوذ، هي التي شكلت بؤر التوتر التي استمرت بعد استقلال المغرب، بل إننا لازلنا نعاني من تبعاتها إلى اليوم.

لقد كان لاحتلال فرنسا للجزائر، ثم لمستعمراتها بإفريقيا الغربية دور في الحسم بأن يكون المغرب إحدى حلقات الوصل بين المغارب وإفريقيا الغربية، وبالتالي لم تكن المناورات الألمانية سوى ضغوط من أجل الحصول على امتيازات ترابية في إفريقيا جنوب الصحراء.

هل يمكن اعتبار الصعود القوي للولايات المتحدة الأمريكية كقوة مهيمنة بعد الحرب العالمية الثانية، عنصرا ساهم في الطريقة التي حصل بها المغرب على استقلاله؟

على الرغم من احترام الولايات المتحدة الأمريكية لمبادئ عقيدة مونرو Monroe، التي لا تشجع على اتباع سياسة استعمارية، فإنها ستلعب أدوارا مهمة في المغرب انطلاقا من الإنزال الأمريكي سنة 1942، وكذا بعد انعقاد مؤتمر أنفا سنة 1943 أو من خلال الضغط على فرنسا بهدف إقامة قواعد عسكرية بالمغرب انطلاقا من سنة 1947. وتجب الإشارة إلى أن الذاكرة والثقافة المغربيتين قد احتفظت بهذه المحطة التي أصبح فيها الأمريكان يمارسون نوعا من “الحماية على المغرب”، خاصة بإطلاق عمليات طبية أو بمد المغرب بآلاف الأطنان من القمح. وشكل ما تسميه الذاكرة المغربية بعام “الميركان” أو عام “البون”، بالإضافة إلى أغاني الحسين السلاوي التي كانت تعتبر شهادة حية عن هذه المرحلة. وسيزداد الاهتمام الأمريكي بالمغرب، خاصة في ظل السياسة الأمريكية التي عملت على تقويض كل محاولة سوفياتية لخلق موطئ قدم لها بالمنطقة. وهو الأمر الذي سيدفع المغرب إلى البحث عن انتماء ضمن محور دول عدم الانحياز الذي سيسعى من خلاله إلى الدفاع عن مطلبه الرئيس والمتعلق باستكمال وحدته الترابية، انطلاقا من مؤتمر بلغراد سنة 1960.