فرنسا أمام الشعوب الإفريقية

جاك أطالي جاك أطالي

منذ عهد الجنرال ديغول، كان كل رئيس فرنسي يحدد سياسته الإفريقية بخطاب. وهذه السياسة كانت دوما تتردد بين نقيضين: توفير مظلة لكل الأنظمة بغرض حماية مصالحنا الاقتصادية، أو الدفاع عن حقوق الإنسان لحماية الانسجام الذي يجب أن يطبع سياستنا الخارجية.
في كل مرة، كان الرؤساء يكتفون – بعد بضعة خطب جميلة- بالاستراتيجية الأولى. ولم يحصل أبدا، وإلى غاية يومنا هذا، أن استوعب القادة الفرنسيون أنه بات من المستعجل والأساسي النظر إلى إفريقيا من زاوية ثالثة: ما العمل حتى لا تتحول إلى جحيم بالنسبة إلى الأجيال المقبلة؟ والحال أن هذا السؤال يحيل على الاستراتيجيتين السالفتين: فإذا كانت إفريقيا جحيما (اقتصاديا ومناخيا وسياسيا)، فلن تجد فيها فرنسا أي فرص اقتصادية؛ ولن تستطيع الدفاع عن الديمقراطية ولا الحفاظ على سياسة خارجية تقوم على احترام الاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها. والواقع أن هذا الأمر لا يهم فرنسا لوحدها. فالمعضلة ذاتها تواجه كل القوى الغربية، وفي مقدمتها الأوروبية.
بعبارة واضحة، إذا لم تنم إفريقيا بسرعة كبيرة، بسرعة أكبر بكثير من الوتيرة الحالية، فالأسوأ مقبل على الأرجح. إذ سيغادر مئات الملايين من الناس القارة، وسيستحيل إعادتهم إليها.
صحيح أن إفريقيا تملك كل ما يخول لها النجاح، ويمكن أن نعدد أمثلة النجاح. فهناك بلدان صاعدة، وديمقراطيات تتقوى، والطبقات الوسطى أخذت تلح على المطالبة بالحقوق الاقتصادية، والاجتماعية والسياسية، والمقاولات ذات الحجم الدولي أخذت ترى النور.
ولكن هذا لا يجب أن يحجب عنا الحقيقة المرة. فالأسوأ مازال كامنا في العديد من جهات القارة. إذ في إفريقيا، على عتبة أبوابنا، أعيد خلق أسواق النخاسة؛ وتفرض بعض البلدان على شبابها الخدمة العسكرية طيلة الحياة (نعم، طيلة الحياة)؛ ويتراجع مستوى العيش بسبب ارتفاع نسبة الخصوبة؛ وتتعرض النساء للاغتصاب بانتظام؛ ويفرض على الأطفال العمل في المناجم منذ سن الخامسة؛ ويمارس عدد من الديكتاتوريين التعذيب والمذابح والنهب في ظل غياب أي سلطة مضادة، ويصير المناخ غير قابل للحياة أكثر من أي مكان آخر.
كما أن تجارة البشر والنساء والأطفال والأسلحة والمخدرات تنتشر في هذه القارة لكي تغطي حاجاتنا وتطفي رغباتنا.
هل يمكن أن نعتقد لزمن طويل أن الأفارقة لن يغادروا هذه القارة بعشرات الملايين إذا لم يتغير أي شيء؟ هل سنعتقد طويلا أنه بمقدرونا الحؤول دون قدوم الفارين من هذا الجحيم إلى بلداننا؟ هل سنعتقد طويلا أنه بإمكاننا إعادتهم إلى ديارهم بشكل لائق؟
الواقع أنه من مصلحتنا، كما من مصلحتهم، القيام بكل شيء ممكن حتى يعيش الأفارقة في دولة تقوم على الحق والقانون وتنعم بالاستقرار، حتى يصبح الأمل في الغد ممكنا، في بلدانهم، أفضل من الراهن. لبلوغ هذه الغاية، يتعين علينا، لمصلحتنا، تخصيص موارد أضخم لتنمية القارة. ولكن يجب الكف عن منح المخصصات المالية للحكومات، التي تشكو جميعها، بشكل أو بآخر، من الفساد، ويستحسن المرور عبر الجمعيات، والمقاولين، والحركات النسائية، والتعاونيات، التي يتعين تمكينها من الوسائل الضرورية الكفيلة بالدفاع عن حق النساء والأطفال في الحصول على الخدمات الصحية، والتعليم، والحق في احترام إنسانيتهم. يجب مساعدة هذه الهيآت على تحقيق معادلة “النمو مع الاقتصاد في الطاقة”، وبالخصوص الطاقة الخالية من الكاربون: من الإجرام حقا بيع المحطات الفحمية والعربات التي تشتغل بالديزل للقارة الإفريقية.
هذا كله لا يفترض التدخل في الشؤون السياسية لهذه البلدان (نموذج ليبيا أظهر خطورة الاعتقاد في إمكانية فرض دولة الحق والقانون)، بل يستوجب تجاهل حكوماتها، ما استطعنا، والحديث مباشرة إلى شعوبها، ومساعدتها على تحمل مسؤوليتها، وخصوصا دعم الشباب الرائع الذي يرغب كثيرا في خدمة بلده.
ترجمة مبارك مرابط عن “ليكسبريس”

عبر عن رأيك

النص
المرجو إدخال الإسم و البريد الإلكتروني

التعليقات الواردة من القراء تعبر عن آرائهم فقط، دون تحمل أي مسؤولية من قبل موقع "اليوم24" الالكتروني