سليمان الريسوني يكتب.. «أدي الربيع عاد من ثاني»

سليمان الريسوني سليمان الريسوني

افتتاحية

خمس عشرة سنة مرت على تأسيس حركة “كفاية”، عندما صاغ 300 مثقف وسياسي مصري نداءً يرفضون فيه ترشيح حسني مبارك لولاية رئاسية خامسة، أو توريث الحكم إلى ابنه جمال. اليوم، أطلق شاب مصري اسمه محمد علي “هشتاغ” يقول: “كفاية بقى يا سيسي”، من المؤكد أنه سيكون له ما بعده، على المدى القريب أو المتوسط (“كفاية” الأولى استمرت احتجاجاتها من يوليوز 2004 إلى فبراير 2011 تاريخ تنحي حسني مبارك عن الحكم). أجهزة السيسي وإعلامه وفنانوه.. تركوا ما يقوله محمد علي وركزوا على شكل لباسه وعينيه المحمرتين وسلوكه “المنحرف”؛ فجاء رده سريعا: “لو كان تغيير شكلي وسلوكي سيساهم في تحسين وضع المصريين ويأتي بالديمقراطية ويضع حدا للفساد والاستبداد.. فأنا مستعد لتغييره”. وفي أيام قليلة نجح محمد علي فيما فشلت فيه الأحزاب والنخب المصرية والعربية، التي إما صمتت أو تواطأت أو تحدثت بكثير من اللف والدوران والتعقيد والغموض أو أخرست برميها في السجون. محمد علي أشعل كاميرا في غرفته، سمّى الأشياء بمسمياتها، اللص سماه لصا والمستبد مستبدا، وأشعل بذلك شارعا لن يخمده إلا حدوث تغيير حقيقي في مصر ومحيطها العربي. وحتى لو لم يخرج المصريون، اليوم، بما يكفي إلى الشوارع، وحتى لو خرجوا وواجهتهم آلة القمع والقتل والاعتقال الجبارة؛ فكما للصبر حدود، فإن للخوف حدود، والتغيير آت لا ريب فيه.

لنترك هذا الشاب الموجود خارج مصر، ولنتأمل شيخا يوجد داخلها. قبل يومين، وقف وزير العدل السابق أحمد سليمان (70 سنة) في مواجهة قاضي الإعدامات المصري الشهير، حسن فريد. المستشار أحمد سليمان، الذي يعتبر أحد أبرز رموز حركة استقلال القضاء في مصر، سأله زميله السابق ومُعتقِلُه الحالي القاضي حسن فريد: “أنت تقول إن قضاء مصر مسيس وينفذ رغبات السلطة ويخضع لها.. وأنا أعمل في القضاء منذ أربعين سنة ولم ألاحظ هذا التسييس، ولم يتصل بي أي من الأجهزة التنفيذية للتدخل في عملي أو توجيه أحكامي”، فرد عليه الوزير المعتقل بتهم هزلية منها “التواصل مع قنوات تلفزيونية معادية لمصر والتحريض على النظام الحاكم”، قائلا: “أنت لا تحتاج إلى أن يوجه إليك أحد التعليمات.. أنت تعرف المطلوب منك بحذافيره وتنفذه دون أن يطلبه منك أحد، بل قد تزيد عليه رغبة في إرضاء السلطة دون الاهتمام بقيم العدالة والتجرد، التي يجب أن يتمتع بها القاضي”. نظر قاضي الإعدامات إلى زميله ووزيره السابق، المعتقل منذ حوالي سنة، وقال: “كده طيب 45 يوم حبس جديدة”.

ما يجمع المقاول الشاب محمد علي، والمستشار الشيخ أحمد سليمان، هو أنهما، معا، ليسا من “الإخوان”، وهذا ما يقلق نظام السيسي وأبواقه التي اعتادت تصنيف كل من ينتقد الوضع السياسي والحقوقي في البلد بأنه إخواني، حتى وصلت الصفاقة والحماقة ببعضهم إلى حد القول إن باراك أوباما وهيلاري كلنتون ينتميان إلى التنظيم العالمي للإخوان المسلمين.

إن التحولات السوسيو-سياسية التي أبانت عنها النسخة الثانية من الربيع العربي، سواء في حراك الريف، أو في السودان والجزائر، أو في نتائج الانتخابات الرئاسية التونسية، من حيث تراجع بريق خطاب الإسلام السياسي، بالإضافة إلى خبوِّ وتراجع (démodisation) “فونطازم” دولة الخلافة الذي أغرى آلاف الشباب المحبط واليائس بعد إفشال تجارب الربيع العربي، مضاف إلى ذلك ارتطام أنظمة حكم الثورات المضادة بالحائط بفعل القمع الأسود للحريات والفشل في تقديم نموذج تنموي بديل، وتورط بعض رموزها في جرائم قتل واختطاف عابر للقارات، والإخفاق المتتالي في التدخل في الشؤون الداخلية للدول… هذه العوامل وغيرها أكدت لمحور الثورات المضادة، قبل غيره، بأن معاداة حق الشعوب العربية في تقرير مصيرها، لم يمنع زحف الربيع العربي على صحارى الخليج، كما كان مؤملا، بل عجل بذلك، وإلا كيف نفسر انتقال معارك اليمن إلى العمق السعودي والإماراتي، وكيف نفسر تحميل المنتظم الدولي المسؤولية لهاتين الدولتين عن الحرب التي قالت الأمم المتحدة إن أزيد من 7500 طفل قُتلوا فيها. إن فداحة ودموية التجربة المصرية مع الجنرال السيسي، جعلت قادة جيوش الجزائر والسودان، لا يكتفيان بالحديث عن أنهما لن يتدخلا ضد إرادة شعوبهما في الحرية والديمقراطية والعدالة، بل لقد عبر قايد صالح وعبدالفتاح البرهان، بصريح العبارة، عن أنهما لا يمكن أن يكررا نموذج السيسي.

بين عنوان “بنعلي هرب” وخبر “بنعلي مات”، جرت دماء ودموع فوق الجسور وتحتها، لكن الشعوب العربية يحق لها، اليوم، أن تردد مع مأمون الشناوي وتغني مع فريد الأطرش: “أدي الربيع عاد من ثاني”.