مراد برجة يكتب: الملك وتقارير الحموشي وبرلماني البيجيدي الأخرس

592E7D82-18A5-49DB-9928-D23156217A23 592E7D82-18A5-49DB-9928-D23156217A23

مقال رأي لمراد برجة

اطلعت بإستغراب شديد عما كتبه زميلي مصطفى الفن بموقع آذار حول “معركة مفترضة” بين أجهزة الداخلية وبين برلماني البيجيدي عن الدار البيضاء مصطفى الحيا، الذي يرأس في الوقت نفسه مقاطعة مولاي رشيد.

قيادي الحزب الإسلامي الحاكم مصطفى الحيا وجه اتهامات مباشرة إلى عمال وولاة في اجتماع رسمي للجنة الداخلية، حضره الوزير نورالدين بوطيب الوزير المنتدب لدى وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت.

وجاء في نص هذه الإتهامات، وفق ما ذكره موقع آدار: “أن الولاة والعمال أفرغوا السياسة من معناها وحوّلوا المنتخبين والسياسيين إلى مجرد تقنيين”، مضيفا أن الولاة والعمال يتدخلون في كل شيء ويعرقلون المشاريع ويبخسون السياسة وعمل المنتخبين.

ورغم أن ما قاله الحيا عن الولاة والعمال ليس جديدًا، لأن ملك البلاد سبق أن قال، في خطاب رسمي، أن بعض الموظفين العموميين لا يتوفرون على ما يكفي من الكفاءة، ولا على الطموح اللازم، ولا تحركهم دائما روح المسؤولية. واستطرد قائلا أن منهم من ينظر إلى الناس، دون خجل ولا حياء، وهو يعلم بأنهم يعرفون بأنه ليس له ضمير .

إلاّ أن الحزب بأجهزته القيادية وبأمينه العام سعد الدين العثماني، الذي يشغل في الآن نفسه الرجل الثاني في هرم الدولة بعد الملك، جعلوا من هذه القضية الصغيرة الوهمية كما لو أنها معركة كبيرة بين حزب العدالة والتنمية وبين وزارة الداخلية وأجهزتها المتعددة.

والواقع أن ما قاله الحيا لا يعدو أن يكون حلقة من مسلسل طويل من الضحك على الذقون، لأن مصطفى الحيا نفسه كان ولازال بمثابة “شيطان أخرس” لأنه يعرف جيدًا كل الجرائم التي وقعت بالدار البيضاء من نهب للمال العام وتبديده، وما رافق ذلك من سطو على عقارات وأراضي الدولة والخواص طيلة قرابة 20 سنةً من تواجد حزب البيجيدي في كرسي تسيير العاصمة الإقتصادية للمغرب.

وهذا الوضع المأساوي للدار البيضاء وما عرفته من فساد كبير ضاعت معه مئات الملايير، هو الذي جعل الملك محمد السادس يخصص وقتها لهذه المدينة العملاقة خطابا ناريًا قّرع ومسح الأرض بجميع مسؤولي الدار البيضاء وعلى رأسهم رئيس الجهة شفيق بنكيران ومن معه والعمدة محمد ساجد ومن معه في المكتب الذي كان البرلماني مصطفى الحيا عضوا بارزاً فيه.

وإلى حد الآن، لازال البيضاويون ينتظرون من ملك البلاد تفعيل المبدإ الدستوري الذي يربط المسؤولية بالمحاسبة في حق هؤلاء المسؤولين بالدار البيضاء كما وعد في أكثر من خطاب.

ذلك أن الملك وجه لهؤلاء المسؤولين آنذاك اتهامات ثقيلة ساد معها الإعتقاد وسط المغاربة أن الملك شخصيا سيأمر بإعتقال هؤلاء المسؤولين ورميهم بالسجون لولا أن الملك تدارك الأمر وقال إنه يحترم الدستور.

ويقينًا أن ما قاله الملك عن الفساد الكبير بالدار البيضاء لم يكن كلامًا مطلوقًا على عواهنه، بل هو كلام مسؤول ومُؤسس وله ما يسنده من التقارير لمختلف الأجهزة الأمنية السرية والعلنية وعلى رأسها جهاز الديستي منذ أن كان فيه صديقنا عبد اللطيف الحموشي يشتغل تحت إمرة مُحصي الأنفاس الجنرال حميدو لعنيگري أيام لم يكن هذا الجهاز مواطنًا حسب القائمين عليه اليوم.

ولا يمكن أن يعتقد البعض أن تكون الأجهزة الإستخباراتية المغربية متخصصة في رصد الإرهاب، أو تحركات المعارضين فقط، بل إنها ملزمة بإنجاز تقارير مفصلة عن العصابات المنظمة المتخصصة في نهبت جيوب الشعب، والسطو على أراضي الدولة، والإثراء الغير مشروع، وغسيل الأموال وغيرها من مظاهر الإجرام.
ولا يمكن لملك البلاد أن يقر في خطاب للأمة أن الثروة قد نهبت وبأن حفنة محظوظة هي التي اغتنت غنى فاحشًا والباقي ازداد فقرا مدقعا إلا بناء على معلومات وتقارير هذه الأجهزة.

وأكثر من هذا، فالملك محمد السادس اتهم هؤلاء المسؤولين مباشرة بتسببهم في هذه التفاوتات والفوارق الإجتماعية.

إذن لا توهموننا أن هناك معركة قائمة وعداء بين حزب العدالة والتنمية الحاكم وولاة وعمال وزارة الداخلية التابعين لرئيس حزبهم.
أو أنهم سياسيون مناضلون في أحزاب أغلبية نعتهم الملك في خطابات متعدد بنعوت تشمئز لها الأنفس كان آخرها اتهامها بإفشال النموذج التنموي.

وقال الملك أنه أصبح لا يثق في الطبقة السياسية لا هو ولا المواطن، وذهب إلى حد طرد بعض وزراء من حكومته، وأبعد من ذلك سبق أن طالب رئيس الحكومة المبعد عبد الإله بنكيران بتقديم استقالته في أحد خطاباته، ولحد الآن لا أحد استقال من منصبه في المغرب إلاّ مرغمًا.

بل إنها مسرحية تمثل على خشبة المشهد السياسي والكل مستفيد من لعب دور الكومبارس فيها.

والأكيد أنه في المغرب بإمكانك أن تصبح مليارديرًا بين عشية وضحاها لكنك لا يمكنك أن تغير تاريخك والناس الذين يعرفون كيف ومنذ متى أصبحت مليارديرًا.

إذا كان الملك في ظل كل هذا قد رفع سقف التحدي أمام الشعب، وقال ما قال في خطاباته التهديدية والنارية وأقر بالفشل الذريع في شتى المجالات لحكوماته التي اختار عناصرها وأشرف على تعينها وكان يترأس مجالس وزرائها خلال العشرين سنة التي مضت من حكمه إلاّ من رحم ربي.
فلابد للملك أن يستجيب للإستغاثات اليومية للشعب المقهور وهذا عهد قطعه الملك على نفسه بتلقائية.

ونقول للذين تفننوا في سرقة ونهب ثروات المغاربة أن محاسبتهم هي مسألة وقت، واعلموا أنكم تعيشون الساعات الإضافية من السراح المؤقت فقط.