علاء الدين بنهادي لبوعشرين: أراك قريبا بإذن الله

توفيق بوعشرين توفيق بوعشرين

كاتب وأستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية

حينما يُضيع النظام السياسي الطريق يتحول المواطن إلى خصم يرى فيه تهديدا له ولكيانه ولعرشه. وإن ضياع أي نظام سياسي لا يكون بالضرورة بسقوطه على يد خصومه، ولكن على يد رجاله، إنه التدمير الذاتي. لقد ورث المَلك المُلك، ولكن لم يرث السلطة، حيث استولى عليها أصدقاء المدرسة المولوية وأحاطوا أنفسهم بشبكات من رجال الأعمال وكبار مسؤولي مختلف الإدارات العمومية وقضاء تابع ونيابة عامة مستعرة وإعلام مأجور وهيئات وسيطة ومهنية انتهازية وأحزاب متسولة، ثم أعلنوا الحرب على المناضلين.

من الغريب أن كل من آمن وبشّر بالعهد الجديد من الصحافيين والسياسيين والحقوقيين والمثقفين ورجال الأعمال، هم اليوم ضحايا هذا العهد، وقد توزعوا بين السجون والمنافي والانزواء إلى الظل بعدما خاب ظنهم وخسر رهانهم على الملك الشاب، وسقطوا صرعى بيد زملاء الدراسة المولوية ممن نصبوا أنفسهم ملكيين أكثر من الملك، واتخذوا مؤسسات الدولة سياطا لجلد أصحاب المواقف والأصوات والأقلام الحرة، وكل ذلك باسم الملك.

لقد عقد الصحافي توفيق بوعشرين، وآخرون، آمالا كبيرة على هذا العهد الجديد قبل عقدين، وما كان يظن أنه قد يعود للعهد القديم في أسلوبه وعقليته ونفسيته، فكان أول ما بدأ بنحرههم هؤلاء من كانوا يبشرون بعصره السياسي والحقوقي والإنساني والإعلامي الجديد، ثم سرعان ما افترق خلاله السلطان عن السلطة وتركها لمن لا يعنيهم في السلطة إلا عوائدها وزينتها وقهرها للرجال.

إن خسارة الدولة باعتقال الأخ توفيق بوعشرين وغيره من المناضلين، أكبر مما تظن أنها كسبته. إن قلم الصحافي الصادق الحر وموقف السياسي الوطني الملتزم هو بمثابة إكسير الحياة للدولة والنظام إذا كان فيها رجل رشيد، وقد أخبرنا تاريخنا السياسي الحديث كيف كانت النهاية المأساوية لفترة حكم السلطانين عبدالعزيز وعبدالحفيظ ومعها حجاجيهما، نسبة إلى الحجاج بن يوسف الثقفي، جلاد بني أمية، الأول أحمد بن موسى الشرقي البوخاري المكنى بـ “با حماد”، سليل عبيد البخاري، حاجب السلطان الحسن الأول وكبير وزراء السلطان عبدالعزيز، والثاني المهدي المنبهي، العلاف الكبير، لقب وزير الحربية في حكومة المخزن قديما، الذي وصفه مصور السلاطين الفرنسي غابرييل فير بأنه كان “رجلا دقيق الهيئة، متقد العينين شرارا، كعيني وحش صغير أو عيني كلب”، عمل مخزنيا حاملا للرسائل تحت إمرة الصدر الأعظم با حماد، ثم سفيرا لدى ألمانيا وإنجلترا في عهد السلطان عبدالعزيز، لتنتهي حياة المجد والسلطة إثر فشله في إخماد ثورة الجيلالي الزرهوني، الملقب ببوحمارة.

ويذكر المؤرخ مصطفى الشابي بأن با حماد كان هو “السلطان الفعلي الذي راكم مال قارون، والذي ترّكها لمولى عبدالعزيز رغم أنه أهداه العرش، ونعت سلوكه أحيانا بالميكافيلي، مضيفا أنه “كان شغوفا بممارسة الحكم، حريصا على ضمان تأييد الأعيان في المدن، وخاصة العلماء في كل من فاس ومراكش ومكناس، وأنه كان قاسيا لا يعرف الشفقة بأحد إذا هدد مصالح الدولة”، يقصد المخزن.

هؤلاء، وأمثالهم اليوم في “دائرة الموت” حول الملك وفي كل عصر وحكم، هم خصومك أخي توفيق وخصوم كل قلم ناقد موجع وكلمة حق وموقف وطن ودين لا يلين، هؤلاء هم ورثة وذرية با حماد والمنبهي والحجاج وراسبتين وأوفقير والبصري، لا يؤمنون بالاختلاف في الرأي ولا بالشراكة في الوطن، وليس لهم مشروع مجتمع يكرم فيه المواطن ولا يهان، هؤلاء شعارهم: “لا صوت يعلو فرق صوت السلطة”، شعار فرعون (ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد).

لست أدري لماذا هؤلاء “المرضى”، بتعبير بيير أكوس وبيير ريتشنيك في كتابهما المشترك: “هؤلاء المرضى الذين يحكموننا” (1981)، يجري اختيارهم من واقع اجتماعي وعائلي بئيس وفقير ليتسلقوا سلم المناصب العليا في دائرة السلطان، ويتحولون حين يتمكنوا إلى كائنات بلا رحمة كأنهم ينتقمون من ماضيهم الكئيب الغامض والسوداوي. إنني على يقين أخي توفيق، وهذا مدون في صفحات التاريخ، بأن حياتك ستكون أطول من حياة الجلاد، وأن هؤلاء “المرضى” لا يذكرهم التاريخ إلا بأبشع الأوصاف وأحقرها، أما أحرار الكلمة والموقف فهم من يبنون مستقبل أمتهم ومجتمعهم ودولتهم ووطنهم ودينهم. أراك قريبا بإذن لله، وموعدنا في مقهى “16 نوفمبر”.