إسماعيل حمودي يكتب: قضية أمن قومي

اسماعيل الحمودي اسماعيل الحمودي

الرأي

يظهر أن فيروس كورونا قد وضع الدول أمام اختبار حقيقي لمدى قدرتها على مواجهة هذا النوع من الفيروسات الجديدة، التي يشير كورونا إلى أنها ستكون أكثر خطورة وفتكا بالبشرية.

 لا سبيل للمقارنة، في هذا الصدد، بأي من التهديدات الأمنية التقليدية وغير التقليدية، بما في ذلك الفيروسات والأوبئة التي ظهرت في السابق.

لماذا؟ أولا، لأننا أمام فيروس ذي خصائص لم تكن معروفة من قبل، أبرزها القدرة على الانتشار السريع، فهو قد يبقى في الهواء، بسبب السعال أو العطاس، ثلاث ساعات تقريبا، وفوق الأشياء مثل البلاستيك والحديد والفولاذ ثلاثة أيام، وعلى الورق المقوى يوما واحد. أما الخاصية التي لم يجر التأكد منها، وقد تكون كارثة حقيقية، فهي قدرته على التجدد الجيني، حسب الوسط الذي يعيش فيه، بشريا كان أم حيوانيا، أم غير ذلك.

ثانيا، لأنه فيروس متعدد المخاطر، فهو بقدر ما يهدد حق الأفراد في الحياة، يشكل اختبارا حقيقيا للمجتمعات، ومدى محافظتها على إنسانيتها في ظل العولمة والنيوليبرالية المتوحشة، والأخطر من ذلك أنه اختبار حقيقي للدول، ومدى قدرتها على تبرير وجودها، أي استجابتها لحاجيات مواطنيها الضرورية، من الغذاء والدواء والأمان. 

نحن أمام فيروس لا يهدد حياة الأفراد فقط، بل يهدد وجود دول، ففي حال استمر فترة زمنية أطول، دون أن يفلح العلماء في الوصول إلى علاج، قد نرى سقوط دول، وتفكك مجتمعات، ما يجعل الأمر على درجة عالية من التهديد، ويقتضي التعامل معه على هذا الأساس. ويبدو أن الدول التي أعلنت أنها في حرب مع كورونا كانت تقصد هذا المعنى تحديدا؛ التعامل مع كورونا باعتباره قضية أمن قومي.

معنى ذلك أن الدول قد تلجأ إلى مقاربات أشد صرامة من تلك التي نراها اليوم، لأن المعتمد منها حاليا عبارة عن سياسات احترازية وقائية يمليها واجب المحافظة على النظام العام، من أهم إجراءاتها إغلاق الحدود البرية والجوية والبحرية، وإعلان حالة طوارئ صحية، وهو الإجراء الذي استدعى طلب مساعدة الجيوش، بالنظر إلى ما تتوفر عليه من خبرات وإمكانات طبية وصحية، فضلا عن إجراء تكثيف المراقبة الأمنية اللصيقة لكل من يحتمل أنه حامل للفيروس، سواء الذين قدموا من دول موبوءة، مثل إيطاليا والصين وفرنسا وإسبانيا، أو مخالطيهم من بين أفراد أسرهم ومعارفهم، لمنع ظهور بؤر وباء محلية، أو التقليص من خطورتها في حال ظهورها، ثم التوجه إلى المواطنين بالدخول طوعا في «عزلة صحية»، أي الامتناع عن اختلاط بعضهم ببعض، وبالتالي، منع التجمعات والتجول والخروج من المنازل إلا للضرورة (العمل أو التسوق أو التطبيب)، وهو إجراء ثبتت فعاليته في الصين حتى الآن.

بالإضافة إلى ذلك، اعتمدت الدول سياسة اتصالية مواكبة ترمي إلى نشر المعلومة الصحيحة حول خطورة الفيروس، وفي الوقت نفسه محاربة الإشاعة والأخبار الزائفة. ففي المغرب، أظهر بيان إدارة الدفاع الوطني، ليوم الأربعاء 18 مارس الجاري، أن نشر المعلومة الزائفة سياسة إرادية لأفراد، بينهم نساء ورجال، أرادوا الاتجار في الأزمة، باستغلال الخوف والذعر لدى المواطنين، لابتزازهم، وهي جرائم كاملة الأركان، تستوجب تدخل القضاء/النيابة العامة، وهو ما حصل خلال الأيام الماضية، كما تتطلب تعبئة واسعة من لدن الإعلام والمجتمع المدني.

لا شك أن كل تلك الإجراءات تبدو متكاملة من زاوية أولولة المحافظة على النظام العام، لكن فعاليتها رهينة بمدى استجابة المواطنين لها. ويظهر من خلال السلوك العام للمغاربة أن هناك تفاوتا في الاستجابة بين الفئات الاجتماعية، ويمكن القول، بناء على الملاحظة فقط، أن ساكنة الأحياء الشعبية تبدو أقل استجابة، وهو ما ينبغي الوقوف عليه بجدية، لأن انتشار الوباء في التجمعات السكانية الأكثر كثافة معناه تكلفة أكبر.

في هذا السياق، يبدو أن الصين نجحت اليوم في تطويق الفيروس، وفي بؤرة انتشاره الأولى مدينة ووهان، ليس لأنها تعاملت معه من زاوية المحافظة على النظام العام (الحفاظ على الأمن العام والصحة العامة والسكينة العامة)، بل لأنها تعاملت معه منذ البداية من زاوية الأمن القومي، أي وجود الصين واستمرارها بوصفها قوة عالمية، وقد تطلب منها ذلك فرض حالة طوارئ أمنية، إلى جانب فرض حالة طوارئ صحية كذلك. 

لقد دفعت الصين بأجهزتها العسكرية والأمنية إلى الشوارع، واعتبرت كسب المعركة ضد كورونا انتصارا لا تقل مجدا عن الانتصار في أي حرب أخرى. ويبدو أن المغرب مُطالب بالتعامل بالصرامة نفسها، أي التعامل مع القضية باعتبارها قضية أمن قومي، حيث يجب التغلب على انتشار الفيروس في أقل مدة زمنية ممكنة، وإلا فإن تقصير بعض الفئات الأقل إدراكا لخطورة هذا الفيروس، سيدفع ثمنه المغاربة، دولة وشعبا، أضعافا مضاعفة.