بلال التليدي يكتب: من المسؤول عن عدم جهوزية التعليم عن بعد؟

بلال التليدي بلال التليدي

الرأي

فوجئ الجميع بالازدواجية الحكومية في التعاطي مع قضية التدريس عن بعد للتلاميذ أثناء الأزمة التي فرضها وباء كورونا، فوزير التربية الوطنية تحدث بلغة متفائلة وجازمة ادعى فيها أن موارد التعليم عن بعد جاهزة، وسيجري إطلاقها في الأسبوع الأول، فيما كان رئيس الحكومة صريحا متواضعا، حين أكد أن ما لم يُجَهَّز من الدروس، سيجري تجهيزه انطلاقا من الأسبوع الذي أعقب خروجه الإعلامي.

لا يهمنا كثيرا الوقوف على هذا الاختلاف في الخطاب، فأقل ما يستفاد منه أن سوابق وزير التربية الوطنية في الادعاء المبالغ فيه، تجعل الثقة في تصريحاته مغامرة، لذلك، فضل رئيس الحكومة أن يتحدث بقدر من التنسيب، لأنه ربما يدرك أننا غير جاهزين للتعليم عن بعد خلال هذه الأزمة.

والحقيقة أن عدم الجهوزية ليس مشكلة في حد ذاته، إن لم يكن موضوع تعميم تكنولوجيا المعلومات والاتصال في التعليم العمومي ضمن أجندة سابقة للحكومة، ففي مثل هذه الحالة، الذي ينفع في السياسة هو الصدق مع المجتمع، ومخاطبة روح الأطر التربوية للتضحية والبذل لتجاوز هذا العطب الفظيع، بإنتاج سريع لموارد رقمية تسد الفجوة، ولو بجودة متوسطة الجودة.

لكن المعضلة تكون مضاعفة إن ثبت أن استراتيجية تعميم تكنولوجيا المعلومات والاتصال في التعليم العمومي بدأت سنة 2005، مع برنامج جيني، ومرت بأكثر من ثلاث فترات؛ الأولى بين 2006 و2009، والثانية ما بين 2009 و2013، والثالثة ما بين 2013 و2016، ثم فترة 2016-2017، وما بعدها.

لنقرأ أهداف هذا البرنامج كما وضعت له منذ سنة 2006: لقد رفع البرنامج أهدافا طموحة، ونال خلال هذه الفترات اعتمادات مالية زادت على المليار درهم، وكان مما يرمي إليه، تجهيز المؤسسات التعليمية بقاعات متعددة الوسائط مع وصل بشبكة الأنترنت، وتكوين المدرسين بشأن كيفية استثمار التكنولوجيا الرقمية لتحسين التعلمات، وإنتاج الموارد بالرقمنة، وتطوير الاستعمالات بضمان مرافقة جيدة للمستعملين.

لا نريد أن ننكأ الجراح، لأن تقييم ما حدث في فترة 2006-2009 ثم 2009-2012، يخرج عن اختصاص كتاب الرأي، وربما يدخل في اختصاص جهات أخرى.

سنتوقف عند لحظة 2013، التي نعتبرها جوهرية وكاشفة، أي اللحظة التي امتنع فيها رئيس الحكومة، عبد الإله بنكيران، عن إعطاء أي اعتماد مالي لهذا البرنامج، ما لم تقدم المشرفة عليه تقريرا يتضمن تقييم حصيلة برنامج «جيني»، وجوابا عن سؤال محدد: ما الأثر الذي أحدثه البرنامج على واقع التعلمات؟ وهل تغيرت طريقة المدرس بإدماج للتكنولوجيا في درسه التربوي؟

تقول معلوماتي إن التقرير لم يكتب إلى حد اليوم، والجواب الوحيد الذي لم يفارق القائمين على البرنامج هو مستحقات الممونين!

لنكن واضحين مع الجمهور؛ لقد اختُصرت الأهداف الأربعة لبرنامج جيني في هدفين اثنين؛ شراء الحواسيب، وأية حواسيب؟ وبأية مواصفات؟ ثم إعطاء المتعلمين دروسا في الوورد والإكسيل، وفي أفضل الأحوال: كيفية إنشاء حساب إلكتروني! فانتهت العملية كلها بكارثة جرت التغطية عليها: عتاد من الحواسيب اشتريت بمواصفات تقنية رديئة، استدعت مع الزمن تغييرها، لأن الفترات اللاحقة اقتضت المرور إلى إنتاج الموارد الرقمية أو شراءها، والحواسيب المتوفرة تقادمت، ولم تعد قادرة على التجاوب مع هذه الموارد الحديثة.

والحال أن البرنامج انتهى في حصيلته بالفشل حتى في هدفه الأول المتعلق بالتجهيز والبنية التحتية، فأغلب المؤسسات اليوم تفتقر إلى قاعات وسائطية مشبوكة بالأنترنت، والموارد الرقمية التي اشتريت إما فرنسية المصدر، وإما ليست مطابقة لمواد البرنامج التعليمي. ودليل ذلك أن الوزير اليوم يسهر شخصيا على أن تمر عملية إعداد الدروس غير الجاهزة، علما أن القضية بسيطة، كانت تقتضي أن تلتزم دور النشر بدفتر تحملات آخر، يوجب إنتاج مواد رقمية مطابقة للبرنامج التعليمي ضمن صفقة إعداد الكتاب المدرسي، وهو ما لم يقع إلى الآن.

لا نريد أن نخلص إلى نتيجة مؤسفة؛ أن ما كان يهم البرامج هو الصفقات، وربما العمولات، فمثل هذه الخلاصات تتكلف بها الجهات المعنية بالتحقيق في تبذير أموال الدولة وتعريضها للحرج الشديد أثناء الأزمات، لكن ما نريد أن نثبته هنا أننا لسنا أقل من تونس التي جهزت نفسها للتعليم عن بعد منذ أكثر من عشر سنوات، ولسنا مضطرين إلى التداعي الارتجالي السريع لإنتاج مواد رقمية نسعف بها أبناءنا الذين يقبعون في بيوتهم، ونصر كل يوم على ألا نقول الحقيقة لهم بادعاء أن العملية التعليمية عن بعد تسير على ما يرام.

نحتاج إلى خطاب الأمل في الأزمة، لكننا نحتاج كذلك إلى الصدق والوضوح، فالناس حين يسمعون البلاغات تذاع عن السير العادي للتعليم عن بعد من خلال دروس في الرابعة أو المنصة، ويرون خلافها في الواقع، لا يمكن أن يعتمدوا على المسؤولين في مواجهة الأزمة، لسبب بسيط هو أننا نعلمهم عدم الوثوق في مؤسساتهم.