سمير بنيس يكتب: النخبة السياسية والاقتصادية يجب أن تثبت وطنيتها

ECB8DF79-0F9B-42E9-B06E-ABA110F73E25 ECB8DF79-0F9B-42E9-B06E-ABA110F73E25

الرأي

بعد الخطوات المسؤولة التي اتخذتها الحكومة، فعليها أن تعلن عن حالة الطوارئ لمدة أسبوعين لتفادي انتقال الفيروس بين المغاربة.فإذا كان قرار تعليق جميع الرحلات الدولية من وإلى المغرب سيساعد على إيقاف انتشار الفيروس عن طريق السياح أو المغاربة القادمين من الخارج، فإن استمرار المغاربة في ممارسة حياتهم العادية قد يتسبب في انتشار الفيروس بشكل سيكون من الصعب السيطرة عليه، مما قد يشكل كارثة بكل المقاييس على المغرب. فبعدما أقدمت الدولة على إغلاق المساجد والمطاعم والملاعب والصالات الرياضية والمرافق العمومية الأخرى، فعليها أن تقدم في أسرع وقت على الإعلان عن حالة الطوارئ. 

فألا يتعدى عدد المصابين في المغرب 58 حالة لا يعني أنه ليست هناك حالات أخرى لا يعلم أصحابها أنهم مصابين، وفي حال استمرارهم في مزاولة حياتهم العادية، فإنهم سينقلون العدوى بشكل سريع لمحيطهم، مما سيؤدي إلى اتساع كبير لرقعة الأشخاص المصابين بالفيروس. أما في حال طلبت الحكومة من المغاربة المكوث في منازلهم لمدة أسبوعين على الأقل، فسيتم إلى حد كبير السيطرة على هذا الفيروس لأنه سيمكن الدولة من تعقب ومعرفة الحالات الجديدة والتعامل معها.

هناك من يقول أنه لا ينبغي للمغرب اتخاذ خطوة جدرية من هذا القبيل وأن القرارات التي اتخذها لحد الآن كافية وأنه يكفي أن تتعقب السلطات المختصة الأشخاص الذي اختلط معهم أي شخص مصاب بالفيروس للسيطرة عليه. غير أنه هذه القراءة لا تستنبط أي شيء من الأخطاء التي وقعت فيها كل من إيطاليا وإسبانيا. فالمغرب أمام حلين لا ثالثهما: إما أن نبالغ في حزمنا في التعامل بشكل وقائي واستباقي مع هذا الوباء أو أن نتماطل في اتخاذ القرارات اللازمة ونعرض بلدنا وأمنه الاقتصادي وحياة الملايين من المغاربة للخطر. 

صحيح أن قرار إعلان حالة الطوارئ ومطالبة المغاربة بالمكوث في بيوتهم لفترة طويلة شيء ما سيكون قراراً صعب على الكثير تقبله، خاصة وأنك ذلك سيعني توقف العجلة الاقتصادية وتعرض مصدر كسب القوت اليومي لملايين المغاربة للخطر. ولكن بالنظر للتهديد الذي يشكله فيروس كورونا على صحة وسلامة المغرب وحتى على أمنه، فأظن بأنه ينبغي للحكومة عدم التأخر في اتخاذ هذا القرار.

في هذه الفترة الدقيقة التي يمر منها الشعب المغربي، أظن أنه سيكون من الحكمة أن يلقي الملك محمد السادس خطاباً لحث المغاربة على اتباع إجراءات السلامة التي تحث عليها الحكومة وطمأنتهم بأن الحكومة تعمل من دون كلل لضمان سلامة وصحة المغاربة وستتخذ إجراءات غير مسبوقة للتحفيف من أثر الوباء على الطبقة المتوسطة والفئات الهشة من المجتمع. 

علينا أن نأخذ العبرة من إيطاليا وإسبانيا اللتان لم تتخذا هذا القرار إلا بعدما تفشى الفيروس في البلدين. إن السبب الرئيسي الذي أدى إلى الارتفاع المهول في حالات الإصابة بفيروس كورونا في كل من إيطاليا وإسبانيا هو عدم إسراع حكومتي هذين البلدين في اتخاذ قرارات جدرية من قبيل إعلان حالة الطوارئ من أجل وقف اتساع رقعة انتشار الفيروس، بالإضافة إلى عدم أخذ الإسبانيين والإيطاليين تنبيهات المختصين بخصوص اتخاذهم للتدابير اللازمة لوقاية نفسهم من هذا المرض.

مما لا شك فيه أن فيروس كورونا سيتسبب في أضرار اقتصادية واجتماعية وإنسانية جسمية ليس فقط خلال هذه الفترة الحرجة التي سيشل فيها الاقتصادي المغربي وسيعاني من تبعات توقف تدفق السياح وتوقف الصادرات وانخفاض مستوى تحويلات المغاربة في الخارج، بل لفترة طويلة حتى بعدما يتم التكمن السيطرة على هذا المرض. الفئة التي ستعاني كثيراً من تبعات الأزمة الاقتصادية التي سيدخل فيها المغرب هي فئة التجار الصغار والمياومين الذين يشتغلون في قطاع البناء والمقاهي والمطاعم وباقي القطاعات الخدماتيةالتي لا يتمتع فيها الأجراء بأبسط شروط التغطية الصحية أو الوقاية ضد كوارث من هذا النوع. 

إذا كانت نسبة غير هينة من المغاربة لديها من الإمكانيات التي تمكنها من مواجهة الصعوبات التي سيواجهها المغرب، فإن فئات عريضة من المغاربة ليس لهم حول ولا قوة لمواجهتها. تصوروا معي كم من الملايين من المغاربة الذين لا يمتلكون بيوتهم سيعجزون عن أداء إيجارهم الشهري أو فواتير الماء والكهرباء والإنترنت، وكم من الشركات الصغيرة سيتكون عاجزة عن أداء قروضها للبنوك. على كل فرد من أفراد المجتمع أن يعي أن تأثير فيروس كورونا سيكون مضاعفا وقد يعصف بقطاعات اقتصادية بأكملها ويعرض العاملين والمستثمرين فيها إلى الإفلاس. 

وبالتالي، فعلى الحكومة المغربية أن تتخذ إجراءات غير مسبوقة ستمكن من التخفيف من عبء وتأثير هذا الوباء من الناحية الاقتصادية على الفئات الهشة من المجتمع المغربي. وفي هذا الصدد، ينبغي للدولة التفكير في تخصيص ميزانية لسد حاجيات الفئات الهشة التي لا تتمتع بأي تغطية أو لا تتوفر على أي ادخار يمكنها من تجاوز هذه المرحلة بسلام. كما ينبغي لها أن تحذو حذو الحكومة الفرنسية وأن تعلق دفع المغاربة لفواتير الماء والكهرباء والانترنت. 

من جهة أخرى، ففي هذه الظروف الحساسة التي نمر منها، أتمنى أن يدفع الوازع الديني المغاربة من الطبقة الميسورة والطبقة المتوسطة إلى التضامن مع إخوانهم المعوزون وأن يتذكروا أن الأموال التي يمتلكونها فيها حق للسائل والمحروم كما جاء في القرآن الكريم. وإذا كانت فئات عريضة من المجتمع قد دفعها الإفراط في الاستهلاك والفردانية إلى التخاذل في أداء فرضية الزكاة والتضامن مع الفقراء، فقد جاء الوقت للقيام بذلك. 

فعلى الرغم من كل الجهود التي ستقوم بها الدولة من أجل التخفيف من الأضرار التي سيلحقها انتشار فيروس كورونا على الاقتصاد المغربي، فلن تنجح في مهمتها إذا لم تتظافر جهود كل فئات المجتمع، بما في ذلك رجال الأعمال والشركات الكبرى وهيئات الأطباء في القطاع الخاص والمصحات الخاصة وبافي فئات المجتمع المدني لمساعدة البلاد على تخطي هذا الامتحان بسلام. فهذا امتحان لكل المغاربة سواء كانوا داخل المغرب أو خارجه، وكل منا مطالب بمساعدة البلاد على الخروج من هذه المرحلة بأقل الأضرار. 

إن الظروف الاستثنائية التي يمر منها المغرب تتطلب كذلك اتخاذ كافة أفراد المجتمع، خاصة الفئات المؤثرة لقرارات استثنائية قد يكون لها وقع أكثر من إيجابي على صيرورة الأحداث. فعلى الدولة أن تطلب من أثرياء البلاد القيام بواجبهم الوطني من أجل مساعدة البلاد على تخطي المحنة التي ستواجههاتطبيقا لمقتضيات المادة 40 من الدستور المغربي التي تقول بأنه “”على الجميع أن يتحمل، بصفة تضامنية، وبشكل يتناسب مع الوسائل التي يتوفرون عليها، التكاليف التي تتطلبها تنمية البلاد، وكذا تلك الناتجة عن الأعباء الناجمة عن الآفات والكوارث الطبيعية التي تصيب البلاد.”

فهؤلاء الأغنياء بنوا ثرواتهم بفضل الإعفاءات الضريبية والامتيازات التي يتمتعون بها وبفضل تفاني الأطر واليد العاملة المغربية وبفضل المستهلك المغربي. ففي هذه الوضعية غير المسبوقة التي يمر منها المغرب، من واجب هذه الطبقة إظهار مواطنتها ومدى حرصها على حماية مصالح هذا البلد. كما ينبغي للحكومة أن تطلب من البنوك تأجيل موعد أداء القروض المستحقة على زبنائها لمدة لا تقل عن ثلاثة أو أربعة أشهر على الأقل، على غرار ما قامت به العديد من الدول. 

من جهة أخرى، على كل واحد منا التعبير عن تضامنه مع إخوته المغاربة قدر المستطاع. على سبيل المثال، يمكن للمغاربة الذين كانوا يعولون قضاء العطلة داخل أو خارج المغرب أو القيام بمناسك العمرة في شهر رمضان أو بمناسك الحج أن يخصصوا نسبة من الأموال التي خصصوها لهذا الغرض من أجل مساعدة ذوي القربى والمحتاجين من المغاربة الذين سيعانون الأمرين بسبب الحالة التي يمر منها المغرب والعالم. 

كل سنة يصرف المغاربة أموالاً طائلة من أجل الاستجمام داخل المغرب أو خارجة أو من أجل التقرب إلى الله. على سبيل المثال، صرف الـ900 ألف مغربي الذين زاروا إسبانيا عام 2018 ما يفوق عن 520 مليون يورو. والعام الماضي، صرف السياح المغاربة الذين زاروا تركيا ما يزيد عن 6 مليار درهم. وقد وصل حجم نفقات السياح المغاربة في الخارج العام الماضي 21 مليار درهم. هذا بالإضافة إلى الأموال التي يصرفها المغاربة من أجل قضاء مناسك العج أو العمرة. 

فهذه الأرقام توضح أن هناك طبقة من المغاربة تمتلك ثروة مالية تؤهلها للعب دور مهم لمساعدة البلاد على التخفيف من أثر هذا الوباء على الاقتصاد المغربي. فلو تصورنا أن هؤلاء المغاربة من الطبقة الميسورة سيخصصون فقط نسبة 25 في المائة من مصاريفها في السياحة والاستجمام للتعبير عن تضامنهم مع الحكومة ومع إخوانهم المغاربة الذين سيمرون بأوقات حرجة، فإننا سنتوفر على سيولة مالية قد تصل لما يناهز 5 مليار درهم، أي ما يعادل خمسين في المائة من قيمة الصندوق الذي أنشأته الدولة لمواجهة تبعات فيروس كورونا.

بالإضافة إلى ذلك، ولو تصورنا أن فقط مليون مغربي من المغاربة من الطبقة الميسورة أو المتوسطة، بمن فيهم مغاربة الخارج، سيخصصون 1000 درهم من دخلهم الشهري لمساعدة أقربائهم وأصدقائهم لمدة ثلاثة أو أربعة أشهر على الأقل، فإننا سنتيح سيولة مالية قد تصل لـ10 مليار درهم شهريا من شأنها أن تساهم بشكل كبير في التخفيف من أثر فيروس كورونا على الاقتصاد المغربي ككل وفي في مساعدة الفئات الهشة من المجتمع المغربي على الخروج من هذه الأزمة بأقل الأضرار. كما على الموظفون السامون، بما في ذلك الوزراء ومدراء كبريات شركات الدولة وكذلك البرلمانيين والأبطال الرياضيين والفنانون تخصيص جزء من راتبهم الشهري لإنشاء صندوق مخصص لمساعدة ذوي الحاجة والمتضررين اقتصاديا من تبعات هذا الوباء. 

إذا كان هناك أي وقت يدعي للتضامن والتعبير عن حب الوطن وعن الإيمان، فهذا هو الوقت المناسب. إن أي مبلغ سيخصصه أي أحد لمساعدة أقربائه أو أصدقائه المحتاجين سيكون له وقع كبير على اقتصاد بلادنا وعلى نفسية ملايين المغاربة الذي يمرون بظروف صعبة ويعانون من قلق شديد، كما سيكون أجره كبير عند الله. 

*مستشار سياسي في واشنطن ومدير نشر موقع Morocco World News