منير أبو المعالي يكتب: إنقاذ محتمل

ابو المعالي ابو المعالي

الرأي

هذه المرة، لا نقف وراء السلطة، وإنما نسير معها جنبا إلى جنب. نحن لسنا هنا لكي نجعل القهر يزدهر، ولا لكي نمنح الدهماء فرصة للسيطرة على المصير. لكننا إزاء خيار وحيد؛ إن المغرب أكبر من أن يُترك لينهار. ومع ذلك، علينا أن نجفل؛ فقد راكمنا خبرة طويلة بشأن الطريقة التي تجري بها عمليات الإنقاذ «البايل-آوت».

من الواضح أننا لسنا في وضع سيئ للغاية. والاستعارة التي استخدمها وزير الداخلية غير سليمة بشأن تلك السفينة التي صورت لنا وكأن غرقها محتمل تقريبا كنجاتها. إننا لسنا بحاجة إلى مزيد من الشعور بالرعب حتما، والأفراد يطورون ويعدلون سلوكهم كي لا تصبح السفينة أضعف من أن تنفذ. خيل لي وأنا أستمع إلى وزير الداخلية، وكأننا قد نصل إلى مرحلة قد نضطر فيها إلى رمي المؤونة أو حتى الركاب الضعاف إلى البحر لكي يستطيع الأصحاء -ومعهم الأغنياء- أن ينجوا.

وفي الواقع، فإن مخاوف الناس العاديين -وهم الفقراء والطبقة المتوسطة المنهكة بشكل أوسع- مبررة من أن تتحول عمليات الإنقاذ إلى وسيلة لمعالجة المرض الرأسمالي، أي الجشع. وكبار جال الأعمال، والأغنياء ذوو المشاريع الممتدة في كل مكان تضرروا هم أيضا من الإغلاق الفجائي للاقتصاد المحلي، لكنهم ليسوا المتضررين الوحيدين، كما ليسوا المتضررين الرئيسيين. على السياسات الطارئة ألا تجعل من الجائحة آلة سحق لعظام الأقل حظا في هذه البلاد. هل يستطيع الأغنياء النجاة من الاضطراب الحاصل في الوقت الحالي؟ بطيعة الحال يمكنهم ذلك. لكن يجب ألا يخرجوا منه أكثر غنى، وعلى الدولة أن تحرص على ألا يفعلوا ذلك.

لكن، كيف يمكن أن تحاصر الدولة الجشع الرأسمالي؟ من المستبعد أن يستعيد الاقتصاد المحلي عافيته في ما تبقى من هذا العام، وسيطالب لا محالة باتخاذ مزيد من إجراءات التقشف. ورغم أنني لست متخصصا في الاقتصاد، فإن قياسات اقتصاد الكوارث أصبحت متاحة بالتبسيط الضروري لكل الناس تقريبا. ولقد فهمت أن علينا تمزيق أي أوراق تشمل أفكارا حالمة بخصوص تغيير تقدمي لحياتنا في السنتين المقبلتين على الأقل. وعلى الدولة، بشكل مؤكد، ثقل التخفيف من الأضرار.

ما يهمني هنا ليس ما نحن إزاءه الآن؛ أي هذه التضحية المؤقتة بالاقتصاد المحلي لتجنب المأساة، لكن ما ينتظرنا في المرحلة الموالية. ومع ذلك، فإن إدارة الأزمة حاليا تقدم لنا لمحة سيئة عما سيواجهنا مستقبلا. شركات التزويد بالماء والكهرباء، وهي توزع فواتير الاستهلاك هذا الشهر، كشفت عن شجع مستميت غير قابل للإصلاح، فيما تتصرف المصارف بصلابة وكأن الأزمة لا تعنيها، وإذا ما شعرت بوخز ضمير مفتعل، فإن أفضل ما يمكن أن تجود به هو إرجاء تسديد القروض ترافقه حزمة من الإجراءات البيروقراطية. ماذا يمكن أن تفعل أكثر من ذلك؟ من المشروع أن تطلب من أولئك المستفيدين من أوضاع سمحت بها الدولة نفسها، أن يقدموا ما هو أكثر.

والدولة هذه المرة تجد نفسها في مواجهة الناس المجبرين على الانعزال، فيما أفضل الشركات ترتيبا في البلاد مازالت مستمرة في العمل دون أي اكتراث بالأضرار الجانبية للركود الاقتصادي. وهؤلاء الناس المعزولون لديهم مشكلة هائلة؛ إن مواردهم تتناقص بشكل تدريجي. من الواضح أن رغبة السلطات في تخفيف القيود عن النشاط الاقتصادي كانت ذات هدف وحيد: أن تتفادى إفلاسا جماعيا للناس. لقد كانت المندوبية السامية للتخطيط تطرح دوما أرقاما مخيفة، وشكلت علامة تحذير: إن نسبة الادخار لدى الأسر في أسوأ حالاتها، فيما نسب الاقتراض للاستهلاك تتزايد. وعلى الجانب الثاني، سيكون من الصعب أن تطلب من المقاولات أن تستمر في دفع الأجور لشهر ثان إذا استمرت المشكلة وقتا أطول. وكقطع دومينو، سنشهد انهيارا متسلسلا لأنظمة الأمان الاجتماعي دفعة واحدة. ذلك الأمان الذي طالما حاولت السلطات إنقاذه من الانهيار قبل أربع سنوات ونجحت في ذلك بصعوبة.

وحتى الآن، لا ينبغي أن تكون السياسات المتخذة موضع ثناء بالغ. يمكن أن يكون الحجر الصحي فعالا، لكن ليس بالطريقة المستخدمة في البلاد. إن القاعدة هي أن العزل الصحي يتقوى بالإحصائيات المرتبطة بتحديد حجم العدوى. إن العمليتين مترابطتان ومتناغمتان، لكننا إزاء مصدر معلومات هزيل. إن تعزيز آليات الوقاية ليس سوى النتيجة الطبيعية لفهم واضح للمشكلة كما هي في الواقع، لكن، ونحن إزاء عزل غير شامل، وإحصائيات تحاليل قليلة العدد، يصبح الفزع ضروريا. لا يمكن أن تفرض الدولة آلية المناعة باسم آخر علينا. سيموت الناس في منازلهم حتما، وسينتشر الذعر. هذه أوضاع من الصعب تحمل كلفتها.

لقد كنت أقول دوما –ولست نادما على ذلك- إن على المواطنين أن يحموا أنفسهم من عجز الدولة، ومن ضعفها اللوجستيكي، وقلة حيلتها السياسية. لكن هذه الدولة نفسها أهم من أن تترك هي الأخرى لتضمحل. إننا في الواقع لا نساعد الدولة في حماية نفسها، وإنما نساعد أنفسنا فحسب. وليس وكأن الدولة ستطلق النار لاحقا على من يخرق حالة الطوارئ، أو تملأ السجون. إن الواقع المعاش على قدر بالغ من التعقيد، وعصي كذلك على أي فذلكة لغوية تحاول تغييره، وليس بمقدور وضع مثل الطوارئ الصحية أن يصبغ الأوضاع بغير ما هي عليه من لون باهت.

إن الدولة ستنجح في مهمتها ليس وهي تفرض على الناس أن يختبئوا في منازلهم بواسطة جيش من الشرطة، وإنما حين تدق ساعة الحقيقة المرة: سيكون بين أيدينا اقتصاد منكمش، وطبقة الفقراء وقد سحقت تماما، وطبقة متوسطة وقد أنهكت بشكل تام.. على الدولة حينها أن تفهم أن تقييم الأضرار ليس هو منح الأغنياء مزيدا من المال. إن الدولة، كما نحن، غير مدينين لهؤلاء، وإن كانوا قدموا تبرعات بالملايير في أوقات الشدة.